رالي عربات "الكارو" هواية البسطاء في مصر

البسطاء في مصر لهم عالمهم الترفيهي الخاص ابتدعوه وفقا لإمكاناتهم المادية، التي لا تسمح لهم بالمشاركة في سباقات الخيول الأصيلة باهظة الثمن ولا راليات السيارات القوية والفارهة، التي يكفي ثمن الواحدة منها لإعالة حي شعبي لمدة من الزمن، لذلك اختاروا أن تتسابق دوابهم على جر العربات رغم ما يلقونه من ملاحقات أمنية.
الجمعة 2016/01/15
استعدادات حثيثة

القاهرة - “سباق الكارو” هواية لا يعرفها كثيرون لكنها أصبحت شريان حياة لبعض البسطاء من أصحاب عربات الكارو التي تصنع خصيصا لتجرها الحمير والأحصنة الذين حولوا عرباتهم الخشبية إلى وسيلة ترفيهية تشغلهم عن الهموم اليومية وتوفر لهم متعة مجانية.

ورغم مطاردة الأجهزة الأمنية في مصر لهم بسبب تجريم وحظر هذا النوع من المسابقات، إلا أن بعض أصحاب عربات الكارو أو ما يطلق عليهم “عربجية”، يصرون على إقامة المسابقات بشكل منتظم في عدد كبير من محافظات مصر.

و”الكارّو” أو “الكاريتة” هي عربة مصنوعة على شكل صندوق من الخشب المقوى يتم تثبيتها بإحكام على عجلتين أو ثلاث وفي معظم الأحيان أربع عجلات، يجرها حمار أو حصان، وتستطيع حمل العديد من أطنان البضائع، علاوة على تحركها بسهولة وسط الأماكن المزدحمة.

وفي شارع بور سعيد وسط العاصمة المصرية القاهرة، رصدت “العرب” بعد الساعة التاسعة من مساء كل يوم أحد، تجمع ما يقرب من 180 عربجيا بعرباتهم الكارو تسحبها خيول وحمير، بغرض التسابق في الشارع الممتد من كوبري غمرة إلى كوبري مسطرد، بطول حوالي خمسة كيلومترات.

السباق الذي يبدأ في ظلمة الليل، تجنبا لمطاردات الأجهزة الأمنية يتم على مرحلتين، واحدة لكبار العربجية بأحصنتهم، والثانية للعربجية الصغار أصحاب الحمير، واختيار المتسابقين يتم بشكل متعارف عليه بين المعلمين الكبار، وتستغرق كل مرحلة وقتا قد يمتد حتى آذان الفجر وقبيل بزوغ النهار.

العد التصاعدي (واحد.. اثنان.. ثلاثة.. ابدأ) الصادر عن ميكروفون يدوي يعد بمثابة صفارة الحكم في المباريات ليقوم بعدها العربجية بـ”طرقعة الكرابيج” (أي إحداث صوت) على أعناق دوابهم منطلقين بعرباتهم المتراصة على شكل مجموعات في تمازج مفزع في ظل وجود المارة والسيارات.

وتبدو أرصفة الطريق مثل مدرجات الملاعب في هذا السباق، حيث يصطف المشجعون من العربجية مع ذويهم على جانبي الرصيف، لا تفصلهم عن بعضهم سوى منصات للشاي والقهوة ومناضد للباعة الجوالين، عليها مستلزمات عربات الكارو والدواب وبعض العصي والكرابيج.

من أهداف سباق العربات اختبار قدرة الحصان أو الحمار لتحديد سعره عند بيعه، إضافة إلى المراهنات على الفائز في السباق

ورغم الغبار المتصاعد الذي يخلفه تسابق العربات الخشبية، إلا أن ذلك لم يمنع المشجعين من التهليل للحصان أو الحمار الأقوى والأسرع.

والعربجي تركيبه اللغوي تركي يطلق على صاحبه المهنة بإضافة المقطع “جي” إلى اسم المهنة، ويطلقه الناس في مصر على سائق العربة الكارو، وهو مواطن لم يحظ بقدر كاف من التعليم، وصورته الراسخة في أذهان الكثيرين انفلات الحصان أو الحمار من قبضته، بسبب ضربه العنيف له، لذلك صار لفظ عربجي أحد الألفاظ التي يستخدمها البعض في السباب كدليل على الهمجية.

وكبير العربجية الذي كان يشهد السباق، كان يسمّي نفسه “بغلاوي” ولا ندري إذا كان هذا اسمه أم صفته، حيث قال لـ”العرب” في حماس “يأملون من خلال تلك السباقات بأن يعيدوا الهيبة والمكانة للكارو التي سلبتها إياه السيارات عند دخولها عام 1900 إلى مصر، وربما يفلحون بسباقاتهم فيما فشلت فيه ثورة العربجية عام 1924، بعدما سحبت السيارات البساط من تحت أقدام عرباتهم التراثية”.

وقال لـ “العرب” إن استخدام عربة الكارو في السباق بدلا من استخدام الحصان فقط، سببه السمنة الزائدة لكثير من المعلمين العربجية، فلا يستطيعون ركوب الحصان أو الحمار مباشرة، ويقودون عوضا عنه الكارو بأنفسهم، والحصان الفائز يكافأ باحتفالية كبيرة بعد انتهاء السباق.

ومن أهداف السباق، كما يقول عبدالجليل العربجي لـ”العرب”، اختبار قدرة الحصان أو الحمار القائم بجر الكارو، وعلى أساس ذلك يتم تحديد سعره عند بيعه، بالإضافة إلى مراهنات تتم بين أصحاب العربات على الفائز في السباق.

ولا يستطيع الحصان الواحد أن يقطع المسافة المحددة أكثر من 7 مرات لطولها ويتحتم منحه فترة راحة بعد كل جولة، والحصان الفائز يحصل على لقب “الأفضل” و”الأغلى سعرا”.

وسيلة ترفيه للعربجية البسطاء

وأضاف عبدالجليل أنه من حق العربجية البسطاء حتى لا يحقدون على الأثرياء، أن تكون لديهم وسائل ترفيه رخيصة أو مجانية تقوم بدور النوادي والمنتزهات التي يمرون أمامها ولا يستطيعون دخولها.

والسباق الذي تم تجريمه في القرن الحادي والعشرين ليس بجديد على العربجية، فقد بدأ منذ ما يقرب من مئة عام، وبالتحديد في فترة حكم الملك فاروق قبل ثورة 1952، وقتها بدأ يتجمع معلمو الكارو وينحدرون من مناطق مختلفة يوم الأحد وتجرى بينهم المنافسات، لذلك يقيمون سباقهم دائما في هذا اليوم من كل أسبوع.

ويختار العربجية أسماء لدوابهم التي يشاركون بها مثل “عنتر” و”رهوان” و”أبوتريكة” و”جدو” و”رعد”، فالاسم الذي يطلق على الحصان أو الحمار يميّزه ويعكس مدى قوته، ويتعامل العربجي مع دابته التي تدخل السباق بطريقة خاصة، فلا يتم استعمالها في أغراض العمل لتحتفظ بقدرتها على الجري بسرعة.

وقال ورداني العربجي لـ”العرب”، إن السباقات بمثابة صالات جمانزيوم لحيواناتهم، فهي لا تستطيع الجري بسرعة كبيرة داخل القاهرة المكتظة بالبشر، وهو ما يخالف طبيعة تكوينها، فالجري المتواصل يعمل على تدليك عضلات جسم الحيوان وليونتها.

محمد الشيبي (صانع عربات كارو) أحد المشاركين في السباقات أكد لـ”العرب”، أن عربات الكارو ذات الأربع عجلات تعتبر الأوفر حظا في التصنيع والبيع، حيث يأتي صانعها بأشجار تم الاستغناء عنها ويقطعها ألواحا وعروقا ويشكل منها العربة بعد تسميرها ووضعها على عجلات ثم يقوم بعملية صنفرة حتى تكون ناعمة الملمس، إضافة إلى عروق الحمالات التي توضع على الحصان لجر العربة، ويقوم بعد ذلك بتلوينها وزخرفتها بألوان زاهية.

وأوضح لـ”العرب” أنه لا يعطي الكارو لمن يهمل حيوانه ولا يهتم به، فالحصان أو الحمار أو البغل يعتبر “محرك” العربة وله نظام غذائي يعتمد على العلف والفول والذرة والبرسيم وهي مواد تعتبر بمثابة بطارية للمحرك، إذ أنه يتوجب أن يكون المحرك قويا والغذاء سليما لكي تفي عربته بالغرض المصنعة من أجله.

جدير بالإشارة إلى أن السباق يبدو كسوق لتجارة عربات الكارو والخيول في ظلمة الليل، حيث يجتمع فيه الباعة والمشترون بعيدا عن رقابة الأجهزة الأمنية، كما يقول لـ”العرب” محمد جابر، موظف بالقرب من شارع مسابقات الكارو. وأضاف أن الحي تصدى لهم في أكثر من مرة وتم تحرير محاضر ضدهم والقبض على بعضهم وتوقيع غرامات ومصادرة الخيول، ومع ذلك يعودون مرة أخرى في أوقات متأخرة من الليل، وحتى حملات المطاردة لم تفلح معهم لأن إمكانيات الحي ضعيفة ولا تسمح بالتصدي لهم.

20