رامبو في أفريقيا بسيط وصريح ولكنه صموت

الخميس 2014/03/13
تمكن رامبو من خلال سلوكه النبيل أن يفرض على الأفارقة احترامهم له

لماذا أطلق آرثر رامبو الشعر ومضى إلى أفريقيا ليصبح تاجرا هناك؟ سؤال طرحه الكثيرون، وحاولوا ومازالوا يحاولون الإجابة عنه. وكان آرثر رامبو قد اكتشف أفريقيا وهو في الحادية عشرة من عمره. ومع صديقين كانا الأقرب إلى قلبه، هما بول بورد وجول ماري، كان يحبّ أن يلعب اللعبة التالية: إعداد رحلة لاكتشاف منابع النيل. وقد تعهّد بورد بتعلّم اللغة العربيّة، في حين قرّر جول تعلّم اللغة البرتغاليّة.

اختار آرثر رامبو اللغة الأمهريّة، وهي لغة الحبشة الرسميّة. وعندما شرع في كتابة الشعر، ازداد رامبو عشقا لأفريقيا. فقد كانت تمثل بالنسبة إليه النقاوة والبراءة والطهر والأرض المتحرّرة من قيود المحرّمات والواجبات، وفيها يضمن الإنسان لنفسه الخلاص بواسطة الحرية فقط. وفي قصيدته الشهيرة “فصل في الجحيم”، نرى رامبو يتطلّع للذهاب إلى بلاد الحبشة لينسى “رفاق الجحيم”؛ وأما الجحيم فلم يكن غير أوروبا. وكان عليه أن ينتظر سنة 1876 لكي يحقّق الحلم الأثير إلى نفسه، أي السفر إلى أفريقيا؛ وفي باخرة هولنديّة، اجتاز قناة السويس.

وعند وصوله إلى البحر الأحمر، شرع يبحث عن عمل. وقد قبلت إحدى الشركات التي كانت تعمل في عدن تشغيله. غير أنه سرعان ما تركها لأن ما كان يرغب فيه حقّا هو التوغّل في أفريقيا. وبالنسبة إلى تلك المرحلة نحن لا نكاد نعثر على وثائق تمكّننا من التعرّف على حياة رامبو.

ففي الرسائل التي كان يبعث بها من تلك الأرض السوداء، لم يكن يتحدّث عن حياته، بل عن القهوة والزبادة والذهب، والعاج، وعن أشياء من هذا القبيل.. ونادرا ما كان يسوق ملاحظات حول السياسة، وحول الجغرافيا. أما الرسائل التي كان يرسل بها إلى والدته فقد كان يتذمّر فيها من قسوة الحياة، ومن رداءة الطقس الذي لا يحتمل، ومن الأفارقة الذين يكذبون كثيرا بحيث لا يمكن الثقة بهم.

وبين وقت وآخر كان يشير في رسائله إلى أنه مستعدّ للذهاب إلى زنجبار، أو حتى إلى بنما، أو إلى آسيا من أجل الحصول على الثروة! ولم تكن الأعمال التي كان رامبو يقوم بها سهلة. فالقوافل التجارية كانت تهاجم وتسلب. وكان أصحابها يُذبحون.

مع ذلك لم يتعرّض رامبو، الرجل الأبيض الذي كان قد قاد قافلة محمّلة بـ2000 بندقيّة، و7500 خرطوشة لأيّ هجوم. فما السبب في ذلك؟ على هذا السؤال يجيب شاعران أفريقيان: الأول هو الصومالي إدريس يوسف علمي الذي يقول: “لقد تمكن رامبو من خلال سلوكه النبيل أن يفرض على الأفارقة احترامهم له. فالبدو الرحل، سواء كانوا صوماليين أم أثيوبيين، يحترمون دائما ذلك الذي يفي بوعوده، ويقبل أن يتقاسم معهم ما عنده حتى ولو كان قليلا”.

وأما الأثيوبي شهام واتا، فيقول: “إن الناس هنا راقبوا رامبو جيّدا، ودرسوا سلوكه، والطرق التي كان يتعامل بها معهم. وقد عاينوا قوته الجسدية وقدرته على تحمّل مشاق السفر، ومصاعب الحياة. ثم إنه كان صريحا معهم، ولا يخفي مشاعره وأفكاره عنهم. بالإضافة إلى ذلك، كان رامبو صموتا”.

وكان رامبو يرتدي في أفريقيا ثيابا بسيطة للغاية لا تختلف كثيرا عن تلك التي يرتديها أهل البلاد. لذلك كان يبدو شبيها بهم. وعندما عاد إلى فرنسا مريضا، أوصى بأن يمنح خادمه الأسود “جامي” جزءا مما كان يملك. وقد لبّت أخته إيزابيلا طلبه. لكن حين وصل المبلغ إلى حرّار، كان الخادم قد توفي!

14