رامز الحاج حسين: من قال إن الطفل يحبّ الألوان الفاقعة

فنان الكوميكس السوري يرى أن مواقع التواصل تمثل جسر بين المبدع والمتلقي.
الثلاثاء 2020/10/20
فن الكوميكس يحاول مواكبة تغيرات الواقع

على الرغم من سنوات الحرب وأثرها على العائلة السورية وعلى الأطفال بشكل خاص، وفي ظل صعوبة نقل وتوزيع الصحف والمجلات عبر المحافظات السورية، بقيت “مجلة أسامة” المخصصة للطفل واحدة من أهم المجلات المرتبطة عاطفيا بالأسرة السورية. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الفنان رامز الحاج حسين المشرف الفني على المجلة حول واقع فن الكرتون اليوم.

رامز الحاج حسين فنان سوري يرسم ويكتب قصصا للأطفال، بزغت موهبته كفنان منذ مشروع تخرّجه من كلية الفنون الجميلة في دمشق بفيلم كرتوني اعتبر الأول من نوعه، ولكن “مجلة أسامة”، مجلة الطفل العربي وربما مجلة الطفل السوري الوحيدة، جذبته منذ كان طالبا فعمل فيها، ليصبح منذ العام 2014 المشرف الفني عليها، لتصبح واحدة من أهم مشاريعه الفنية التي يناضل من أجلها.

تكافح “مجلة أسامة” للصمود رغم إمكانياتها المالية المحدودة، وقد عاشت المجلة سابقا عصرا ذهبيا وصنعت لنفسها سمعة كبيرة ما زالت تحتفظ بها، وتعاقب على تحريرها والإشراف الفني عليها أهم الشخصيات في الحقل الفني والأدبي، بدءا من الكاتب المسرحي سعدالله ونوس، الذي كان مؤسسها ورئيس تحريرها لعام تقريبا، لتنتقل بعده وتباعا إلى كل من دلال حاتم وبيان الصفدي وآصف عبدالله  ورباب هلال، إلى أن ترأسها مؤخرا مجموعة من الشباب أحدثهم قحطان بيرقدار.

لم تتميز “مجلة أسامة” برؤساء تحريرها فقط، بل أيضا بالفنانين الذين أشرفوا على رسومها الفنية منذ بداية تأسيسها، وكان في مقدمتهم الفنان السوري نذير نبعة والفنان ممتاز البحرة، الذي كان بدوره صاحب الكاريكاتير الرئيسي لشخصية أسامة، حيث رسمها ووضعها على الغلاف الخارجي للمجلة منذ عددها الأول، وحافظت عليه حتى اليوم، ثم توالى الإشراف الفني على المجلة، من قبل شخصيات فنية، ربما كانت المجلة بحد ذاتها هي السبب في دخولهم عالم الطفولة، كما حصل مع الفنانة لجين الأصيل، التي اعتبرت لاحقا أهم رسامة أطفال في سوريا .

تحدي الاستمرار

رامز الحاج حسين: طفل اليوم أصبحت لديه فضاءات أخرى وخيال ومفردات مختلفة وبرامج الأطفال متاحة على مدى 24 ساعة
رامز الحاج حسين: طفل اليوم أصبحت لديه فضاءات أخرى وخيال ومفردات مختلفة وبرامج الأطفال متاحة على مدى 24 ساعة

عاشت “مجلة أسامة” عصرها الذهبي، وكانت حلما، ليس فقط بالنسبة إلى الأطفال السوريين الذين يقتنونها، بل أيضا بالنسبة إلى الكتاب والفنانين الراغبين في العمل فيها، ورامز الحاج حسين الذي كان حينها طالبا جامعيا في سنته الأولى بكلية الفنون الجميلة، كان واحدا من الطامحين لنشر رسوماته فيها، فقدم في العام 1997 أولى رسوماته لدلال حاتم رئيسة التحرير حينها، فتبنت موهبته وأتاحت له مساحة صفحتين كاملتين في المجلة ليقدم ليس فقط رسومه بل وقصصه، فقام بتصميم شخصيتين محليتين وأطلق عليهما اسما عجاج وأبوحمدو، لتدور بينهما مغامرات شيّقة وطريفة.

ورغم أن حاج حسين، كان قد تخرج في كلية الفنون الجميلة قسم الحفر والطباعة بمشروع فيلم كرتوني بعنوان الحب المستحيل، وهو فيلم كرتون استوحاه من أغنية كاظم الساهر، إلا أنه عمل لسنوات في فن الكوميكس (القصص المصورة) والليسترشن (الرسومات التوضيحية)، لدى عدة مجلات ودور نشر عربية، فرسم وكتب العشرات من القصص مع “مجلة قنبر” العراقية، و”فراس” السعودية، و”مجلة مرشد” في سلطنة عمان و”شامة” السورية، وأشرف فنّيا على “مجلة الرقمي الصغير” التابعة للجمعية العلمية للمعلوماتية، و”مجلة البيان” في اسكتلندا، و”دار القمر الصغير” التي  تنشر قصصا للأطفال وأفلام رسوم متحركة.

وإضافة إلى رسومه يكتب الفنان سيناريوهات تلك الأفلام ويخرجها، ولكن عمله كمشرف فني على “مجلة أسامة” يعتبر نقطة تحول هامة، ليس فقط بالنسبة إليه كفنان، وإنما بالنسب إلى المجلة أيضا.

تحاول “مجلة أسامة” من خلال القائمين عليها، المحافظة على مكانتها رغم كل الضغوط التي تتعرض لها، والمرتبطة بشكل أساسي بالظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها سوريا، والتي تجعل من الصعوبة توزيعها حتى داخل المحافظات، مرورا بالغزو الثقافي الحاد والسريع والسهل الذي سببته الميديا، والذي يقف بدوره عائقا أمام كل المطبوعات وليس فقط “مجلة أسامة”.

وفي حديثه لـ”العرب” يقول حاج حسين “نحن في المجلة نحاول أن نعزز أو نعيد الثقة في المطبوعات الورقية وبأهمية وحميمية المجلات، ولكن مع صعوبة طباعة كميات كبيرة من المجلة في الوقت الذي نعجز فيه عن توزيعها، نلجأ نحن أيضا إلى الميديا وفيسبوك، وقد قمنا لأول مرة في العام 2015 بتحويل المجلة إلى رسوم متحركة، بمعنى حاولنا إظهار المجلة بشكل جديد، فجعلنا القصائد المطبوعة ملحنة ومغناة، وسجلنا القصص المرافقة وكأنها مسلسل ناطق ومتحرك، وحاليا نخطط لجعل موقع ‘مجلة أسامة’ على شبكة الإنترنت مفعّلا بهذه الطريقة، لكن هذه التجربة تحتاج إلى جهود وإمكانيات ضخمة”.

طفل اليوم والألوان

“مجلة أسامة” تكافح للصمود رغم إمكانياتها المالية المحدودة
“مجلة أسامة” تكافح للصمود رغم إمكانياتها المالية المحدودة

رغم الجهود المبذولة ووجود المجلة على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، إلا أنها لم تعد كافية لجذب الأطفال السوريين، وخصوصا في ظل تغير الأولويات والاحتياجات لدى هؤلاء الأطفال وأسرهم، لكن الحاج حسين يرى الموضوع بطريقة مختلفة، فالمجلة برأيه تتملك “بروباغندا دعاية” تمكنها من تسويق نفسها، فهي مجلة حافظت على مكانتها كمجلة للأسرة دون توقف لخمسين عاما (احتفلت باليوبيل الذهبي في فبراير من العام الماضي 2019) وهذا لوحده يعتبر حصانة، ويتبقى على العاملين فيها مسؤولية التواصل مع الطفل قدر الإمكان .

ويتابع الفنان “في الحقيقة وجدنا السر لجذب الأطفال، وذلك عبر منحهم مساحة للكتابة والرسم ضمن صفحاتها، ودليلنا على ذلك الاستمارة المرفقة بكل عدد من المجلة والتي تتيح للأطفال التعبير عن أنفسهم من خلال الرسوم، حيث تصلنا العشرات من الاستمارات الموسومة بالرسومات من كل المناطق السورية والعالم، وهذا أمر مشجع ويشعرنا بالسرور، فالجالية السورية في الخارج تجد نفسها وتجد صور طفولتها من خلال المجلة التي تتابعها اليوم عبر موقعها الإلكتروني وعبر صفحتها على فيسبوك، وهي مواقع حلت مشاكل البعد والجغرافيا، وباتت حقيقة جسر تواصل ما بين المبدع والمتلقي، وأعتقد أن هذا هو السر في استمرارها نجاحها. كما تحاول المجلة أن توجه الكتّاب والرسامين الجدد العاملين فيها للاطلاع على مفردات الطفل من خلال الورش، أو الرسومات التي تصل إلى بريد المجلة”.

ويضيف الحاج حسين “ما تربّينا عليه وتعلمناه لا يشبه ما يتربى عليه ويتعلمه أطفالنا الآن، فنحن اليوم نأخذ من الطفل ونعيد له، كنت مثلا أثناء دراستي للفنون الجميلة أعتقد أن الطفل يحب الألوان الفاقعة والفسفورية، ولكنني اكتشفت أن أطفالنا يحبون الألوان الهادئة والترابية والألوان التي تلتصق بمفردات حياتهم”.

ويتابع “كذلك فإن أسلوب تحويرهم للرسوم يختلف تماما عما تربينا عليه، فمفرداتهم مرتبطة بشكل ما بالسوشيال ميديا، بينما طفولتنا ارتبطت على سبيل المثال بالشاعر سليمان العيسى والفنان ممتاز البحرة، واقتصرت على صورة النهر والعصفور”، مؤكدا أنه يمكن أن تكون بيننا وبين الطفل نفس المفردات، ولكن طفل اليوم أصبحت لديه فضاءات أخرى وخيال ومفردات مختلفة، حتى أن فرصة متابعته لبرامج الأطفال أصبحت متاحة لـ24 ساعة يوميا، بينما لم تكن تتجاوز الساعتين في طفولتنا.

والحاج حسين اليوم عضو في اللجنة الفنية على الرسوم في منشورات الطفل لدى وزارة الثقافة، وتوج بعد مسيرة فنية وصلت إلى 22 عاما من العمل الفني الجاد بجائزة الدولة التشجيعية الخاصة بفن الأطفال عن قطاع الفنون. وعن تلك الجائزة يقول “أشعرتني بمزيج من الفرح الغامر، فهي قطعة جديدة من فسيفساء الحلم الخاص بي، وبطريقة رسومي للأطفال التي بدأتها منذ أن رسمت أولى شخصياتي وقصصي المصورة في ‘مجلة أسامة’، إنه شعور فخر مختلط بابتسامات الأطفال التي أسعى لرسمها على محيّاهم لتخفيف وطأة الظروف الراهنة التي تحيط بهؤلاء السادة السوريين الصغار”.

Thumbnail
15