رامي أبو شهاب: الوظيفة النقدية للناقد العربي ما تزال ملتبسة

الخميس 2014/05/08
أبو شهاب: النص الإبداعي هو الأقدر على البقاء والديمومة والخلود

يعدّ الكتاب الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب “الرّسيس والمخاتلة: خطاب ما بعد الكولونيالية في النقد العربي المعاصر”، والصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر”، بيروت (2013) هو الثالث للناقد والشاعر الأردني رامي أبو شهاب، الذي سبق وأن أصدر “بناء الشخصية الرمزية في الرواية العربية في الأردن”، بالإضافة إلى مجموعة شعرية بعنوان “عدت يا سادتي بعد موت قصير”.

بداية يؤكد أبوشهاب أن الجائزة تعني الاعتراف بقيمة، وأهمية الكتاب الذي استغرق سنوات من القراءة والبحث والإعداد؛ يقول: “لعل هذا التقدير والاعتراف الذي صدر عن جائزة الشيخ زايد للكتاب التي تعدّ أهم وأكبر الجوائز العربية، والعالمية. وهذا ربما يجعل من حالة “الكتاب والجائزة” مرحلة جديدة ترتهن للإصرار على مقاربة، وتقديم ما هو حقيقي من ناحية ما يتصل بالبحث في السّياق الأدبي والنقدي. ولعل ميزة الكتاب تكمن بأنه قد أتى نتيجة حالة من القلق، والوعي بالمشهد النقدي العربي المعاصر، ومحاولة التّصدي لقضية، واتجاه نقدي يتطلب الذهاب بعيدا في البحث والقراءة والتأمل”.


الاستعمار والثقافة


يرى أبوشهاب أن أهمية كتابه تأتي من أنه انشغل بالاستعمار، وتداعياته على الثقافة العربية من منطلق عمق التجربة ومرارتها، وعلى الرغم من بروز تيار نقدي إلا إن النقد العربي لم يتمثله كما ينبغي، ولم يسع لتطويره باتجاهات تتسق والخصوصية العربية، وكثافة التجربة الاستعمارية التي مازالت تصوغ واقعنا، ومستقبلنا.

فكثير من آدابنا تشكلت في سياق الحقبة الاستعمارية، ومع أن الاستعمار قد تلاشى عن الجغرافيات العربية ظاهريا، ولكن ذلك لم يخلُ من تداعيات وأنماط جديدة من الاستعمار المخاتل، ناهيك عن وجود الاستيطان الكولونيالي في فلسطين.

يقول أبو شهاب: “أخال أن تجربة بهذا الحجم، وهذا التعقيد لم تختبر نقديا عبر المنظور الكولونيالي في ما يتصل بالنصوص العربية، ونصوص المستعمِر الغربي. كل ما سبق شكل لي دافعا للتنبه لهذه القضية، والعمل على خلق تصوّرات نقدية، وهذا تطلب جهدا تمثل في الاجتهاد لوضع المسالك النقدية، وخلق رؤى وتصوّرات، ومفاهيم جديدة، علاوة على محاولة تحليل ممارسات، وتوجهات نقدية صدرت عن نقاد عرب، وهي في معظمها مختلفة ومتباينة؛ ولهذا فإن الكتاب هو حالة، ومنظور نقدي، وربما هنالك آراء وتصوّرات أخرى، وهو ما يفتح المجال لمقاربات جديدة يمكن أن تضاف إلى عملي الذي لم يكتمل إلى الآن. وبعون الله وتوفيقه أرجو أن أتمكن من المضي بهذه التوجه النقدي الذي شرعت فيه”.


تعدد المشارب


وحول رؤيته للحركة النقدية العربية في لحظتها الراهنة مشكلاتها وأبرز الحلول، يقول: “النقد العربي شاسع، وممتد، ومتباين الاتجاهات والمدراس، وهو كذلك يصدر عن جغرافيات متعددة، فالنقد في المغرب العربي له لغة خاصة به، أو لنقل مقاربة. وهنالك النقد في المشرق العربي، والخليج، وهنالك كذلك النقاد العرب في الغرب، ومع أن السياق الذي يجعلهم واحدا، أي الثقافة العربية إلا أن هنالك منظورات، وتصورات، كونها تصدر عن حالة فهم خاصة لتيارات النقد التي نتأثر بها، وهي في معظمها غربية كالبنيوية، وما بعد البنيوية، والسيميائية، ونظرية التلقي، والتاريخانية الجديدة، والنقد الثقافي، إلخ.. غير أن الإشكالية تكمن في ذلك البتر، والاقتلاع عن السياقات التي أنشأت تلك التيارات”.

يكفي أن تمتلك جهاز حاسوب متصلا بالشبكة الرقمية لتتحول إلى أديب أو ناقد

ويضيف أبو شهاب قوله: “إن مشكلة النقد العربي تكمن في عدم اتضاح الوظيفة النقدية التي لا تزال ملتبسة إلى الآن. فالمنصات النقدية مسكونة، أو عالقة بثنائية الأيديولوجية والأنساق المجردة، بينما نتناسى بأن النقد هو أفق ورؤية لفهم العالم من خلال النص”.


لا توجد تقاليد


يذهب أبو شهاب إلى أنه من أبرز مشاكل النقد العربي صعوبة تبلور منهج نقدي مؤثر، إلا إذا استثنينا البنيوية، يقول: “لا توجد تقاليد لاتجاهات نقدية يمكن أن تصمد، وأن تبقى قائمة ضمن فلسفة التجاور، فتيارات النقد الماركسي والنفسي والوجودي والنقد الجديد، والأسطوري، لم تعد مؤثرة، على الرغم من أن هذه التيارات ما زالت مستمرة، وتشهد تحولات تتصل بتبدلات العصر، ولكن في النقد العربي فقد تلاشى حضورها بغياب روادها، فنحن لا نعترف بمشروع متكامل، فالأشياء تبقى عالقة ومبتورة، ناهيك عن إشكاليات تتصل بالمصطلح، ومستويات اللغة النقدية التي باتت عبارة عن أنساق من الزاد اللغوي المراوغ لكون الرؤية، والوعي بالأسس المنهجية مبتور، أو مشوش، وهذا نتيجة عدم النضج الكافي لتقديم مقاربة نقدية جلية، وهذا ربما يتصل بفوضى الكتابة عامة، وإشكالية الترجمة، وبروز الكتابة الرقمية، فيكفي أن تمتلك جهاز حاسوب متصلا بالشبكة الرقمية لتتحول إلى أديب أو ناقد”.


أزمة حضارية

أبوشهاب أن أهمية كتابه تأتي من أنه انشغل بالاستعمار وتداعياته على الثقافة العربية


يؤكد أبوشهاب أن أزمة العلاقة بين النقد العربي والنقد الغربي تتجاوز مسألة التابعية، فهي أقرب ما تكون أزمة حضارية، يقول: “نحن مسكونون بالآخر الغربي، وما النقد سوى جزء يسير من منظومة متكاملة يصوغها الآخر الغربي، ومع ذلك فإن مركزية النقد الغربي باتت موضع تساؤل، فالنقد حاليا لم يعد غربيا خالصا، فهو ربما يصدر عن، أو في الغرب “جغرافيا” ولكن الرؤى باتت متعددة، وهنا تكمن أهمية نقد ما بعد الكولونيالية الذي هو عبارة عن مشروع هجين، نشأ على يد إدوارد سعيد، بمساهمة نقاد وكتاب من أفريقيا والهند وباكستان، وكذلك من الغرب، فالقيمة تكمن في المنظور، وليس في اللغة التي يصدر بها، وكي لا يبقى النقد أسير ثقافات أخرى، مع أن العالم بات أقرب إلى التجانس في ظل هيمنة الصورة، والواقع الافتراضي، والكتابة الرقمية باختلاف أشكالها”.

ويضيف قائلا: “كل ذلك يشي بخصوصية المزاج العربي، وهنا تبدو المشكلة في دائرة الإبداع، وكيفية التعبير عن هذا التنافر، فنحن نعيش عصر تحوّلات، وانهيار ما كان سائدا من قيم”.


بين الشعر والنقد


وردا على تساؤل بشأن جمعه بين الشعر والنقد، يشير أبوشهاب إلى أن النص الإبداعي هو النص الأقدر على البقاء والديمومة والخلود، يقول: “الكتابة النقدية أزاحت لذة الشعر لفترة من الزمن، خاصة في ظل انشغالي بكتاب الرسيس والمخاتلة، ومع ذلك فإنني لم أتوقف عن الكتابة، ولكن مفهومي عن الشعر ووظيفته باتا في طور المراجعة، وعلى الرغم من كل ذلك فإن إثم الشعر ما زال قائما، فثمة مجموعة شعرية شبه مكتملة، وهي تنشغل بالإنسان الفلسطيني، وما يتصل به من أزمة التشظي الهوياتي، إلا أنها تحتاج إلى المزيد من العمل كونها خرجت مرة واحدة، وبسياق متصل، فهي أشبه بتقيّؤ لغوي، اعتمل بداخلي لفترة من الزمن، ولعل هذا التشكيل المفاجئ، والحاد يدعوني إلى التمهل، وإعادة النظر في هذا العمل، وفي مناسبة نشره”.

15