رامي العاشق: المافيا تحكم عقلية الوسط الثقافي السوري

الاثنين 2014/03/24
رامي العاشق: ديواني توثيق للثورة السورية بكل تفاصيلها

عمّان - مهما كتب ونشر الشاعر في الصحف والمجلات إلا أنه يولد بولادة ديوانه الأول، وفي هذه الأيام يولد الشاعر الغنائي الشاب رامي العاشق، محاولا إيجاد حيز لكلمته في خضم فوضى الكلام على الساحة الثقافية العربية، وعلى خارطة القصيدة المصاغة للثورة والمعجونة بألم وأمل. على هامش حفل توقيع ديوانه الشعري “سيرا على الأحلام”، التقت به “العرب” وحاورته في مسائل ثقافية وإبداعية عديدة.

الشاعر الشاب رامي العاشق -من مواليد 1989-، هو ابن مخيم اليرموك، وصديق الشهداء والمعتقلين، ورفيق الغائبين والمغيبين، أصدر مؤخرا عن منشورات دار الأيام بالأردن كتابه الشعري الأول الموسوم بـ”سيرا على الأحلام”. وقد أهداه لأرواح الشهداء والمعتقلين والمحاصرين، وإلى كل من مرّ يوما فوق تراب سوريا وظل ينتمي إليها، وإلى السوريين أينما كانوا حاملين بلادهم معهم.

رامي العاشق يعتبر أن إصدار ديوانه الأول هو بدايته الحقيقية، بالرغم من أنه نشر قصائد عدة في الصحف والمجلات وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، التي كانت منبرا حقيقيا أوصلت كلمته إلى عدد ممن غنوا ويغنون للثورة السورية: خاطر ضوا، وائل نور، نورا أبو ماضي، وأصالة نصري التي غنت له أكثر من مرة وفي أكثر من مناسبة، بل كانت أولى أغانيها للثورة السورية “آه لو الكرسي بيحكي” من كلماته.


لاجئ ويعيد

العاشق الذي لاقى صعوبة مادية كبيرة في نشر ديوانه الأول، لكونه لاجئا ويعيد، كما يحلو له وصف وضعه، بعد أن خرج كفلسطيني من بلد لجوئه الأول سوريا إلى لجوء ثان في الأردن، يقول متحدثا عن صعوبات أخرى: “الوسط الثقافي مازال في معظمه تحكمه عقلية المافيا، وهذا ينطبق أيضا على معظم مؤسساتنا الثقافية المحسوبة على المعارضة، والتي مازالت تعمل بعقلية حزب البعث، وتحكمها العلاقات والمحسوبيات والواسطة، حيث كان من المفترض أن يصدر الديوان عن إحدى دور النشر المعارضة.

وكانت هناك موافقة مسبقة على نشر الديوان من تلك الدار، ولكن اللجنة، بعد المتابعة والإلحاح، أجابت بأن الدار استوفت المتاح لها من نشر دواوين الشعر لهذا العام، لكن الدار بعد عدة أيام وقعت عقد نشر لشاعرة معروفة بعلاقاتها القوية وبصداقتها لمدير الدار، حاولت مع دار أخرى، كان قد قام بتزكية كتاباتي لديها شاعران مهمان على الساحة العربية، لكن دون جدوى، وتسببت تلك المحاولات الفاشلة للنشر بتأخير الإصدار، وصولا إلى دار أيام التي عملت مشكورة على أن يرى هذا الديوان النور”.

الديوان الذي تضمن ثماني وعشرين قصيدة كل قصيدة منها مهداة إلى تفصيل من تفاصيل الثورة السورية، وكانت القصيدة التي تحمل عنوان “الفدائي يصنع حدود الأرض” مهداة إلى المفكر سلامة كيلة، ويقول فيها:

“أنت الفدائي/ المُحاصَر باليمين وباليسار/ أطلق سراحك/أنتَ أنتَ/ ولست أنت إذا تمكنت السجون/ أو الذقون/ من اختراق عقيدتك”.

نحن في زمن الإنتاج الشعري الغزير -ربما لسهولة تناول الشعر- وبالرغم من أن الكم ينتج نوعا، إلا أن هذه الغزارة، قد تتسبب في ردّة فعل غير إيجابية من قبل المتلقي تجاه الشعر والقصيدة، وهذه العشوائية أدت وتؤدي إلى عزوف القارئ عن الاهتمام بالشعر كنوع أدبي، بحيث تكاد تكون مغامرة أن ينشر شاعر شاب ديوانه الأول ضمن هذه المعمعة.

لولا الثورة السورية لكنت ربما كما الكثير من الشباب السوري جيلا ضائعا وتائها ومهمشا

وهنا يقول العاشق: “عملية نشر الديوان الآن كانت بالنسبة لي تحديا أكثر مما هي مغامرة، بداية من كتابة قصيدة التفعيلة، بعد أن قرأت الكثير من “الشعر” للكثيرين من “الشعراء” في ما يسمى القصيدة النثرية، ومن ثم كان التحدّي بأن أخذت شعر التفعيلة إلى حيز اليوميات، بعد أن جرت العادة على أن تُكتب اليوميات نثرا”.


التوثيق شعرا

لا بدّ أن من تغني له أصالة نصري يستطيع الاعتماد على ارتباط اسمه باسمها في لحظة ما لتسويق وانتشار ديوانه الأول، إلا أن رامي العاشق الذي يفخر بكل من غنى كلماته، وعلى رأسهم أصالة، يعتبر الأمر “سلاحا ذا حدين فأنا الذي عرفني المتلقي من خلال الأغاني ككاتب قصيدة محكية، والقصيدة المحكية هي السهل الممتنع بحيث إذا لم تقدّم للقارئ شيئا جديدا بكلماته التي يتحدث بها، فلا بدّ أن يدير لك ولقصيدتك ظهره، وها أنا أنشر ديواني الأول بالفصحى، بما تحمله الفصحى من خصوصية وصعوبة، يضاف إليها أن الديوان أقرب ما يكون إلى التوثيق للثورة السورية بكل تفاصيلها: لجوء، خيمة، اعتقال، معاناة، مخيم اليرموك، شهداء جوع وغيرها من التفاصيل الموجعة..”.

ابن مخيم اليرموك، المخيم الذي شهد، كما كل رقعة من سوريا، أحداثا نادرا ما تشهدها الثورات على مرّ التاريخ من حصار وقصف وتهجير ساكنيه وتجويعهم، واستشهاد شبابه واعتقالهم، المخيم الذي يحتل الحيز الأكبر من حياة رامي العاشق ومن ديوانه يقول عنه: “كل تفاصيل المخيم بحواريه وشوارعه وأحجاره هي ذاكرتي، شباب اليرموك من استشهد منهم ومن يقبع في معتقلات النظام أصدقائي وإخوتي، وقد عملت على ترجمة علاقتي بمخيم اليرموك وبأناسه من خلال الديوان.

الديوان يتضمن ثماني وعشرين قصيدة كلها مهداة إلى الثورة السورية

وبالرغم من محاولاتي بأن أكون سوري الانتماء إلا أن أشياء كثيرة جعلتني أنحاز إلى انتمائي لمخيم اليرموك الذي عايشت تفاصيل الثورة فيه بكل حيثياتها”. وعن مخيم اليرموك ملعب طفولته ومرتع صباه وساحة مقارعته للنظام السوري أو للعصابة الحاكمة في سوريا كما يحلو له أن يسميها، يقول العاشق: “بالرغم من أنني أكره كلمة مؤامرة إلا أن هناك مؤامرة حقيقية من النظام السوري وحزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية العميلة والمتواطئة -القيادة العامة، فتح الانتفاضة ومعظم اليسار الفلسطيني- بأنه لا بأس من موت فلسطينيي مخيم اليرموك مقابل عدم التخلي عن حق العودة ولو بقي العدد القليل منهم حيا.

ومن هنا أعتبر أيضا أن السلطة الفلسطينية الحالية عصابة، من واجبنا إسقاطها، نحن الذين نعرف أنه بكلمة من محمود عباس ممكن أن يتيح للفلسطينيين السوريين الحصول على جوازات خارجية، والطلب من الحكومة الأردنية السماح بالدخول المؤقت للفلسطينيين السوريين، ومن ثمّ تسفيرهم خارجها إلى أية دولة أوروبية، إلا أنه لا يكترث للموت الواقع على الفلسطينيين السوريين المحاصرين بالنار والجوع من كل الجهات، ومن هنا يأتي واجب إسقاطه ومن معه”.


الثورة قرار


وحول فضل الثورة السورية، بتشكيل الوعي السياسي لجيل الشباب، الوعي الذي كان ربما يحتاج إلى أكثر من عشر سنوات حتى يتشكل، إذا تشكل!، يقول: “لولا الثورة السورية لكنت ربما كما الكثير من الشباب السوري جيلا ضائعا، تائها مهمشا؛ لم يكن لدى جيلنا وعي ولا قدرة على بناء المجتمع، وليس لديه فكرة عن كيفية إعادة إعمار مجتمع هدمه معنويا النظام السوري على مدى خمسين عاما، اليوم وصل الجيل الشاب إلى مرحلة طرح رؤى سياسية ومجتمعية إلى حدّ ما.

كما يساهم في تشكيل حركات سياسية ناشئة من أحزاب وتكتلات، ويحاول كذلك تشكيل مؤسسات ثقافية ترعى الفكر الحر، كل هذه المصطلحات كانت بعيدة وغريبة عن جيل بأكمله، الجيل الذي قرر أن يبدأ ببناء ذاته، فقرر القيام بثورة منطلقا من الإيمان بأن هذا الوضع يجب أن يتغير.

وبالرغم من كل المساوئ والتشوّهات التي لحقت بالثورة وحولتها إلى حرب، إلا أن أهداف الثورة التي دفع من أجلها خيرة الشباب السوري أغلى الأثمان لا تنتهي ولا يصيبها التشوّه ويجب أن نبقى متمسكين بها، لأنها أهداف تتفق عليها غالبية المجتمع السوري وتتمثل في بناء دولة ديمقراطية مدنية، وكل ما عداها تفاصيل تترك إلى حينها وإلى قرار الشعب”.

15