رامي رضوان إعلامي يقبض على ميكروفون السلطة في مصر

الإعلامي رامي رضوان يتمتع بقدر من المهنية والحياد، ويحظى بثقة واحترام قطاع كبير من المؤيدين والمعارضين للسلطة، رغم كونه المذيع المدلل من جانب السيسي.
الثلاثاء 2019/09/10
رامي رضوان نجح في استمرارية البقاء

أن ينجح إعلامي في حجز مكان له وسط ساحة مليئة بالبرامج والوجوه الإعلامية، فذلك تحدٍ يبدو صعبا على كثير من أبناء المهنة، أما أن ينجح إعلامي في استمرارية البقاء في المشهد عموما، ويتجاوز مراحل متلاحقة من إقصاء مذيعين بالجملة واستبدالهم بآخرين، فهو التحدي الأصعب على الإطلاق، لأنه يحتاج إلى مهارات وملكات وسمات شديدة الخصوصية.

في المشهد الإعلامي المصري، على وجه الدقة، لم يعد تكوين صداقات مع مسؤولين كبار والانفراد بطرح قضايا هامة أو إجراء لقاءات تلفزيونية مع شخصيات نادرة الظهور على الشاشة، بوابة الشهرة والمنافسة والبقاء، بقدر ما تحتاج الاستمرارية إلى توازن الإعلامي في علاقته مع السلطة، وملامسة نبض الشارع، مع معدل ذكاء مرتفع وشجاعة استثنائية.

من هؤلاء، الإعلامي الشاب رامي رضوان مقدم البرنامج الحواري الرئيسي على فضائية “دي.أم.سي” بعد استبعاد زميله أسامة كمال دون أسباب معلومة، لأن رضوان من المذيعين القلائل الذين بدأوا الظهور على الشاشة إبان فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما زالوا مستمرين ولم يتم إقصاؤهم، مع أن هناك توجهات تميل نحو تنحية الحرس القديم من المشهد الإعلامي، واستبداله بآخرين يتناغمون مع متطلبات السلطة الحالية.

مدرسة إعلام مبارك

قائمة المذيعين الذين ظهروا في عهد مبارك ورحلوا -اختيارا أو قسرا- خلال السنوات الأخيرة التي أعقبت ثورة 30 يونيو 2013، مليئة بأسماء إعلاميين لهم ثقل وتاريخ وشهرة، ولم يعد من هذا الجيل سوى فئة قليلة يكاد عددها لا يتخطى عدد أصابع اليد الواحدة، من هذه الفئة رضوان، الذي عرفه الناس عبر فضائية “أو.تي.في” عام 2006، حين كانت مملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس.

اعتمدت إستراتيجية تغييب الحرس القديم في الإعلام المصري على إزاحة من كانوا يمجدون نظام مبارك ويتقربون من السلطة ويستفيدون منها، وبعضهم هاجم ثورة 25 يناير 2011، ثم دعمها، وآخرون حاولوا تبييض وجه جماعة الإخوان ثم انقلبوا عليها لمجاراة موجة الغضب في الشارع، وبالتالي أصبحت مصداقيتهم محل شك، لكن رضوان استطاع عبور هذه المطبات، ربما لأنه من الإعلاميين المقبولين لدى الحكومة والشارع معا، وهذه معادلة لم يستطع الكثير من زملائه تحقيقها.

ميزة رضوان أن قناعاته السياسية لا تنعكس على مهنيته كإعلامي يفترض به أن يوجه كلامه لمختلف فئات المجتمع. بمعنى أنه لا يمجد السلطة بشكل أعمى، ولا ينتقد المعارضة بطريقة فجة، فهو اعتاد اختيار كلماته بعناية شديدة

يقدم رضوان نفسه دائما على أنه إعلامي يتمتع بقدر من المهنية والحياد، لذلك تراه يحظى بثقة واحترام قطاع كبير من المؤيدين والمعارضين للسلطة، رغم كونه المذيع المدلل من جانب الرئيس عبدالفتاح السيسي.

هو من أشد المعارضين للفوضى التي يعيشها الإعلام المصري، ويدعم غضب الناس على بعض الوجوه، ويطالب بتطبيق “الحساب العسير” على المتجاوزين في حق المشاهد، ومن تسببوا في ضياع مصداقية وهيبة المهنة، حتى لو كانوا قامات كبيرة ولهم تاريخ وثقل وشهرة.

لم يعتد الدفاع عن أيّ إعلامي أخطأ، بل يطالب بالمزيد من المحاسبة لإعادة هيبة ومصداقية المهنة، ويقول عن ذلك “من يخالف ميثاق الشرف الإعلامي يجب مساءلته ومعاقبته، لأن الإعلام وظيفته أن يعلم الناس بالحقائق وليس نشر وإذاعة أخبار ومعلومات مزيفة.. لو سُئل أي شخص عادي عن رأيه في الإعلام خلال هذه الفترة أتمنى أن لا يسبُّه، ولا بديل عن تطبيق مبدأ العقاب قبل الثواب للحفاظ على ما تبقى من رصيد مهنة الإعلام عند الناس”.

اعتاد أن ينأى بنفسه عن وصمه بلقب “المطبلاتي”، لإدراكه أن الجمهور أصبح اليوم أذكى من أي وقت مضى، ولديه القدرة على تصنيف الإعلاميين بسهولة؛ هذا ابن السلطة، وذاك معارض الحكومة، وهذا طابور خامس. وهو توصيف أطلق على من يدعمون الإخوان في الخفاء، ويقول “لن يصل إعلامي إلى القمة ويستمر، وهو يتمسك بسياسة العداء للشارع”.

كانت أقوى وأشهر معاركه الإعلامية بعيدا عن الشاشة بسبب اتهامه بعدم المهنية وتنفيذ تعليمات حكومية مع ساويرس حين كان مالكا لقناة “أو.تي.في”، بسبب تصريح للأخير عن سبب استبعاد رضوان من العمل في القناة، بأنه يقوم بتنفيذ تعليمات جهات رسمية، مثل الهجوم على محمد أبوالغار رئيس الحزب الديمقراطي بعد تلقيه اتصالا من أحد المسؤولين يطالبه بالتصعيد ضد أبوالغار.

من الصفر إلى السلطة

المصريون يصنفون رضوان على أنه مذيع السلطة، لكونه الإعلامي الأكثر مشاركة في تقديم المناسبات والفعاليات التي يشارك فيها الرئيس السيسي وقيادات الدولة
المصريون يصنفون رضوان على أنه مذيع السلطة، لكونه الإعلامي الأكثر مشاركة في تقديم المناسبات والفعاليات التي يشارك فيها الرئيس السيسي وقيادات الدولة

دخل رضوان في مواجهة حامية مع ساويرس عبر حسابه الرسمي على فيسبوك، وقام بتكذيب صاحب القناة، وقال “كل هذه الاتهامات عارية من الصحة، وأنا لم ولن أتلقى تعليمات أو توجيهات من كائن من كان، مهما كان منصبه، ولن أقول إلا ما يمليه عليّ ضميري، ومن يدّعي غير ذلك طوال مسيرتي الإعلامية، فليخرج بالدليل”.

ميزة رضوان أن توجهاته السياسية لا تنعكس على مهنيته كإعلامي يفترض أن يوجه كلامه إلى مختلف فئات المجتمع، بمعنى أنه لا يمجد السلطة بشكل أعمى، ولا ينتقد المعارضة بطريقة فجة، فهو اعتاد اختيار كلماته بعناية شديدة، وكثيرا ما يقوم بإيصال الرسالة من بين السطور، بحيث لا يغضب أحدا.

يعادي سياسة الصوت العالي والصراخ والتجريح التي يدمنها الكثير من الإعلاميين، وعندما يطرح أي قضية للنقاش تراه يتحدث بهدوء، ويتكلم بطريقة بسيطة للغاية، ويكون متوازنا بين التأييد والنقد، فهو لا يفرض وجهة نظره على الجمهور، ولا يتمادي في إقناع الناس بأن وزراء الحكومة ملائكة، لذلك لا تسير فقرات برامجه على وتيرة واحدة، عنوانها التأييد المطلق، بل ينتقد بهدوء أوضاعا وقرارات، ولا ينتمي إلى مدرسة الهجوم على أشخاص وأسماء، بل ينقد المواقف نفسها.

قد يشعر الناس بالضجر عندما يشاهدون مذيعا بعينه يتحدث عن إنجازات الحكومة، لأن هذه الفئة من الإعلاميين يتعاملون معها بقدسية شديدة، وهي فئة تخاطب الناس بطريقة تعتمد على التهليل والتطبيل والتمجيد، في حين يمكن أن يعرض رضوان الإنجازات نفسها بطريقة متزنة، معتمدا لغة الأرقام والصورة وأسلوب التعليق ومدى أهمية المشروعات.

معارك رضوان الإعلامية بعيدا عن الشاشة تدور حول ملفات عديدة. يخسر ويربح، لكنها لم تؤثر على انتصاره في معركة الحياة التي فاز فيها بالارتباط بالنجمة دنيا سمير غانم
معارك رضوان الإعلامية بعيدا عن الشاشة تدور حول ملفات عديدة. يخسر ويربح، لكنها لم تؤثر على انتصاره في معركة الحياة التي فاز فيها بالارتباط بالنجمة دنيا سمير غانم

بدأ العمل في المهنة من الصفر، ونجح في الوصول إلى القمة بمجهود ذاتي، وليس عن طريق الواسطة مثلما دخل كثيرون سوق الميديا. فبعد حصوله على ليسانس الآداب في الصحافة والإعلام من الجامعة الأميركية، تقدم للتدريب بقطاع الأخبار في التلفزيون المصري، لكنه ترك ماسبيرو سريعا، بعدما وجد الأجواء لا تساعد على اكتساب خبرات هامة.

تقدم للعمل في قناة “أو.تي .”، وتم قبوله في الاختبارات وعمل مراسلا للتقارير التلفزيونية، وبعد نجاحه اختير لتقديم فقرة عن الأفلام القصيرة، بعنوان “اكتشف مصر”، ثم قدم حلقة أسبوعية ضمن البرنامج اليومي “صباحك سكر بزيادة”، وبعدها اختير لتقديم البرنامج الاقتصادي الرئيسي في القناة، ثم قدم “أون تيوب”، بعدها انتقل إلى قناة “تن” وقدم برنامج التوك شو الرئيسي “البيت بيتك”.

يصنف البعض رضوان على أنه مذيع السلطة في مصر، لكونه الإعلامي الأكثر مشاركة في تقديم المناسبات والفعاليات الرسمية -الدينية والثقافية والسياسية- التي يشارك فيها الرئيس السيسي وقيادات الدولة، ناهيك عن اللقاءات التي تنظمها الحكومة للتقارب مع الشباب وتقوية العلاقة معهم. وعندما يقوم بتقديم فاعلية رسمية، يتحدث بثقة ولا يخشى أنه يقف أمام قادة السلطة، ويتعمد الخروج عن النص دون خوف، حتى إذا شارك في إدارة الجلسات، يبدو حازما، ويجبر الجميع على الالتزام بالوقت المحدد حتى لو كانوا وزراء.

حظي رضوان بثقة وإعجاب السيسي، ويرى فيه نموجا للإعلامي المثقف المهني الذي يتمتع بمصداقية وحرفية، حتى أنه لم يُخف هذا الإعجاب، وأثنى على أدائه على الهواء في المؤتمر الشبابي الأخير الذي أقيم في العاصمة الإدارية بشرق القاهرة، بعدما قدم فقرة “اسأل الرئيس” بشجاعة وحاوره ببراعة.

يميل الرئيس المصري إلى متابعة فئة المذيعين أمثال رضوان، ويدعم بقوة فكرة أن يكون هناك جيل جديد من الإعلاميين، لأنه يريد إعلاميا “ابن النظام الحالي”، لم يسبق له أن عمل مع أنظمة سابقة أو عليه علامات استفهام ترتبط بمصالح مع أحد.

عدو المنافقين

يصعب عند البحث في أرشيف رضوان أن تجد عبارات أو مشاهد تضعه في خانة المنافقين لسلطة مبارك أو الإخوان، ما جعله يبتعد كثيرا عن عاصفة الإقصاء من المشهد الإعلامي الراهن، والأهم من ذلك أن يجيد الاستفادة من أخطاء الآخرين، ولا يكررها، لأنه يدرك تماما أن الحكومة في الوقت الراهن لها الكلمة العليا على الفضائيات. لذلك فالبقاء في المشهد سيكون إما للمؤيد بالدوام أو للمتوازن ببراعة.

يحسب لرضوان أنه من مؤسسي مدرسة البرامج الحوارية الصباحية في الإعلام المصري، حيث لم تكن هذه النوعية من البرامج مألوفة لدى أصحاب القنوات، ولم يتعود عليها رجل الشارع، ومن المجازفة أن يوافق مالك محطة على إطلاق برنامج حواري في الثامنة صباحا والناس في عملهم أو لم يستيقظوا بعد.

رامي رضوان يعادي سياسة الصوت العالي والصراخ والتجريح التي يدمنها الكثير من الإعلاميين، وعندما يطرح أي قضية للنقاش تراه يتحدث بهدوء، ويتكلم بطريقة بسيطة للغاية

يعتبره البعض شخصا يعادي النمطية في الإعلام، وتستهويه فكرة أن يكون مختلفا عن الآخرين. قدم برنامجا صباحيا في “أو.تي.في”، وبعدها في “دي.أم.سي”، وبرر ذلك بأن “التوك شو” الصباحي هو افتتاحية اليوم مع الجمهور، ويعرض خلاله الأخبار والمستجدات، كما يحدث في بلدان أوروبية كثيرة. وهذه ثقافة مطلوب نشرها.

ذهب إلى الولايات المتحدة وقام بتصوير مجموعة حلقات صباحية كانت إحداها بجوار استوديو برنامج “صباح الخير أميركا”، في محاولة لتوجيه المشاهد المصري إلى أن برنامج الـ8 صباحا على فضائية “دي.أم.سي” ليس بدعة، بل يبدأ متأخرا عن نظيره الأميركي، ويجب أن يستيقظ الجمهور مبكرا لمتابعة الأحداث السياسية قبل الذهاب إلى عملهم.

يستيقظ فجر كل يوم، ويبدأ بتجهيز الحلقة الصباحية، ويتابع ما ينشر في الصحف والمواقع ومنصات التواصل، ويجتمع بزملائه في البرنامج، ويخرج على الجمهور في الثامنة صباحا، ما جعل الإعلامي عمرو أديب يصف رضوان بأنه حالة استثنائية، ولو دفعوا له -أي عمرو- مليار جنيه حتى يستيقظ فجرا ليقدم برنامجا لرفض رفضا قاطعا.

انعكست النشأة الأسرية الصارمة والجادة على شخصية رضوان، ومن نتائج ذلك التزامه بالجدية المهنية وبحثه عن كل جديد حتى يكون مميزا عن باقي زملائه. فوالده رجل أعمال بارز في قطاع المواد الغذائية، واعتاد منذ الصغر أن يربيه على أن النجاح صعب، والوصول إلى القمة يأتي بالتعب والجهد والتميز، إلى درجة أن والده كان يطلب منه أن يعمل بالشركة التي يمتلكها خلال فترة إجازته الصيفية من الكلية، بمقابل شهري أقل من باقي الموظفين.

تكوين الإعلاميين لصداقات مع مسؤولين كبار والانفراد بطرح قضايا هامة على الشاشة، لم يعودا بوابة كافية للشهرة
تكوين الإعلاميين لصداقات مع مسؤولين كبار والانفراد بطرح قضايا هامة على الشاشة، لم يعودا بوابة كافية للشهرة

لا ينكر رضوان أنه من عائلة مقتدرة ماديا، لكن والده كان يريد أن يحمّله المسؤولية ويجعله يشعر بمعاناة الطبقة الكادحة والعاملين والموظفين البسطاء، فعندما يحتك بالطبقة الغنية ومجتمع الأعمال والسلطة، لا يتحدث باسمهم فقط، بل تكون كل الطبقات الأخرى في وجدانه وثقافته.

لم تنعكس تنشئته على استقراره المهني كإعلامي فحسب، إنما امتدت لتحفظ له الاستقرار الأسري بحكم أنه تربى على الانضباط وتحمل المسؤولية والالتزام، فهو زوج الفنانة الشابة دنيا سمير غانم، وتصنف هذه العلاقة بأنها ضمن الحالات الاستثنائية في الوسط الإعلامي والفني التي حافظت على تماسكها ونأت بنفسها عن المشكلات والأزمات والغيرة والحقد، وهي العوامل التي غالبا ما تنتهي بالانفصال، خاصة إذا كان الزوجان نجمين.

ربما يصعب على كثيرين تحقيق التوافق والتكامل بين السياسة والإعلام والفن، لكن رامي رضوان نجح إلى حد بعيد في الجمع بين الثلاثة بشكل بسيط دون أن يقحم نفسه في أزمات تقصيه من المشهد مثل كثيرين، حتى أصبح نموذجا للشاب المكافح الذي يجيد توظيف ذكائه وخبرته ونمط تربيته بشكل صحيح لتحقيق ما يصبو إليه، بعيدا عن الركض وراء السلطة ونيل رضاها، لأن مثل هؤلاء لا يحصدون كما يتخيلون، بل يتوارون عن الأعين مع أبسط خطأ يرتكبونه عن غير قصد.

13