رامي مالك قبطي يرفض تشويه صورة العرب

الأحد 2016/10/02
أغلب الممثلين العرب محصورين في أدوار الشر أو الإرهاب

بوخارست - كان يوم الأحد الـ18 من سبتمبر الماضي يوم السعد للممثل الأميركي ذي الأصل المصري رامي مالك، حين فاز بجائزة “إيمي” لأفضل ممثل عن دور رئيسي في المسلسل الدرامي “مستر روبوت” في حفل أعلنت فيه جوائز الدورة الـ68 للجائزة المرموقة والمخصصة للأعمال التلفزيونية، والذي أقيم في هوليوود.

جاء فوز الفنان صاحب الخمسة والثلاثين عاما مفاجأة للجميع. لأنّ السباق كان محموما بين مرشّحين من ممثلين من الصف الأول، وعلى رأسهم المخضرم كيفن سبيسي، الذي يقوم بدور الرئيس الأميركي فرانك أندروود في الدراما السياسية الشهيرة “هاوس أوف كاردز”، وبطل مسلسل “من الأفضل الاتصال بسول” الممثل بوب أودنكيرك. كما تفوق مالك على كل من الممثلين كيل تشاندلر بطل مسلسل “السلالة”، وماثيو ريس من عمل “الأميركيون”، و أخيراً ليف شرايبر من مسلسل “وري دونوفان” .

فرعون مصري مهاجر

تحديات كثيرة واجهها مالك قبل تحقيقه هذا النجاح الكبير. كان أوّلها من والديه اللذين هاجرا من مصر إلى لوس أنجلس في أوائل ثمانينات القرن الماضي، لتحقيق الحلم الأميركي لأغلبية العرب المهاجرين وهو أن يصبح أولادهم أطباء أو علماء أو مهندسين وغيرها من المهن العلمية، ولكن رامي كان دائما يريد شيئا آخر.

منذ طفولته كان رامي يحاول خلق شخصيات مختلفة في حياته ليقوم بتحركيها في مخيّلته، ويطلق عليها الأسماء، وينتقي لها أصواتاً مختلفة، ليذهب في خياله الواسع إلى بناء قصّة وحوار بين تلك الشخصيات، ويبدأ بتغيير صوته تبعا لحديث كل منها، ليكتشف في ما بعد أن تلك الطفولة المختلفة كانت البنية التحتية لموهبته في عالم التمثيل.

في سن المراهقة توجه رامي إلى والديه وأخبرهما برغبته في ممارسة التمثيل، وشرح لهما حلمه الكبير وثقته بمهاراته الفنية، في البداية لم يوافق والداه على ذلك ولكنهما فشلا في إقناعه بتغيير فكره.

دخل مالك مدرسة “نوتردام” الثانوية في شيرمان أوكس بكاليفورنيا، وحصل على درجة البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة أيفانسفيل في ولاية إنديانا. وقد بدأ مشواره الفني في العام 2004 عندما شارك بأدوار ثانوية في العديد من المسلسلات مثل “جيلمور الفتيات” و”المتوسط”، حتى جاء مسلسل “الحرب في المنزل” من إنتاج فوكس، ليكون نقلته الكبيرة نحو المزيد من الشهرة والنجومية.

لم يطل الأمر حتى شارك مالك في فيلم الكوميديا العالمي “ليلة في المتحف” بجوار نجوم كبار مثل بين ستيلر وأوين ويلسون وروبين وليامز، وكان يجسّد في الفيلم دور الملك المصري الفرعوني “أخمن رع” الذي يستيقظ من سباته ويعود إلي الحياة بعد قرون طويلة، وكثيراً ما افتخر مالك بأنه جسّد دور فرعون مصري، رغم أن المصرين لا يعرفونه كثيرا.

تحديات مالك كعربي في هوليوود تختلف كليا عن بقية الفنانين. فمثل غيره من الممثلين العرب في هوليوود، كان عرض العمل الأول له هو تأدية دور إرهابي، وما كان أمامه غير القبول بتأدية ذلك الدور، ولكنه رفض

وسريعا منحت إليه أدوار قوية في مسلسلات مثل “الهادئ” الذي كان من إنتاج قناة “إتش بي أو”. حيث حصل المسلسل على جوائز كثيرة، وكان مالك نفسه مرشحاً لجائزة إيمي عن دوره في المسلسل، وقد أعجب بأدائه الممثل العالمي توم هانكس فأعطاه دورا في فيلمه “لاري كراون”، وكانت مفاجأة كبيرة للجميع ولمالك نفسه عندما دخل ضمن طاقم تمثيل فيلم الفنتازيا والرومانسية “ملحمة الشفق: بزوغ الفجر”، الذي حققت سلسلته شهرة عالمية.

دخل مالك في العديد من الأفلام التي حاز أغلبها على جوائز عالمية ودخل ترشيحات أكاديمية للأوسكار، وشارك في أكثر من فيلم من أفلام الأكشن أشهرها “نيد فور سبيد”.

في ليلة تتويج مالك بجائزة “إيمي” لأفضل الأعمال التلفزيونية، قال في كلمته أثناء تسلّم الجائزة “يشرّفني أن أكون ضمن هذه المجموعة من الممثلين المخضرمين، ويشرّفني أن أقف هنا وأمثّل عائلتي وكلّ من ساعدني لأصل إلى هنا، ويشرّفني العمل مع صاحب الرؤية الفذة سام إسماعيل، وما كنت لأتواجد هنا لولا شخصك وكذلك عملي مع الممثلين زملائي الموهوبين وكتّاب المسلسل وكل فريق العمل”. المثير أن مالك نفسه بدا غير مصدق لفوزه بالجائزة حين قال على المسرح لحظة تسلّمها “أرجوكم قولوا لي إنكم أيضا ترون ما أرى” مقتبسا جملة معروفة من شخصية إليوت التي يلعبها في المسلسل.

أفردت مجلة “فانتي فير” الفنية الشهيرة تقريرا عن مالك، مؤكدة أن فوزه كسر قاعدة البطل ذي البشرة البيضاء، مذكرة بأصوله المصرية واصفة اللحظة “عندما صعد مالك إلى المسرح لأخذ جائزته، منحنا رؤيا لما سيكون عليه شكل التلفزيون في المستقبل”.

رامي مالك يثير إعجاب توم هانكس فيسند إليه دور بطولة في فيمله “لاري كراون” مع جوليا روبيرتس

ووصفت المجلة كلمات مالك بأنها مختلفة عمّا يقوله الممثلون البيض عادة من “كلمات وضحكات وصراخ مليء بالتبجح والتعالي” إذ قال “ألعب دور شاب، يمثل الكثيرين من المهمّشين، أريد أن أعبّر عن تقديري لكل شبيهي إليوت. فهناك إليوت في كل شخص، وبفضل التلفزيون يستطيع كل الذين يحملون صفاته التواجد والسطوع في العالم”. كما ذكر موقع “فيوجن” أن مالك أول ممثل غير أبيض يفوز بالجائزة المرموقة منذ 18 عاما.

يُذكر أن مسلسل “مستر روبوت” حاز على جائزة “غولدن غلوب” التي وزّعت في شهر يناير 2016 عن أفضل مسلسل تلفزيوني في موسم عرضه الأول متفوقا على المسلسل الشهير “لعبة العروش”.

يتمحور مسلسل “مستر روبوت” حول شخصية مهندس أمن المعلوماتية وهو إليوت، الذي يقضي لياليه في اختراق الحسابات الشخصية لبعض الناس، فاضحا جرائمهم، ولكن هدفه الأكبر هو فضح الشركات الكبرى وزعمائها الأثرياء، ومن أجل تحقيق ذلك ينضم إلى جماعة سرية تكرّس جهودها لتحطيم الشركات العالمية الضخمة.

قصة من أحداث العالم العربي

الكاتب والمخرج الأميركي المصري الأصل سام إسماعيل يقول للصحافة الأميركية، إنه استلهم قصة “مستر روبوت” من أحداث الربيع العربي، من قصة مبرمجين جلسوا أمام كومبيوتراتهم وحققوا ما فشل في تحقيقه ثوريون عسكريون في الشرق الأوسط. إذ نجحوا في حشد الجماهير من خلال نداءات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أدّى إلى الإطاحة بحكامهم الطغاة.

استطاع إسماعيل بذلك ابتكار شخصية إليوت الذي يريد أن ينقذ العالم من تسلط الشركات الضخمة عليه. ومن أجل عرض صورة حقيقية وواقعية لقرصان الحاسوب، لم يختر إسماعيل نجما هوليووديا لامعا ذا ملامح حديدية لتجسيد شخصية إليوت، بل جنّد مالك الذي قام بأداء رائع يعكس بدقة حياة وطريقة عمل مبرمج حاسوب، إذ أنه شخص غير اجتماعي ويعيش منعزلا عن غيره وليس منفوخا بالعضلات أو متمكّنا من فنون القتال.

وبعكس أفلام هوليوود التي تجعل من قرصان الحاسوب ساحرا يخترق شبكات إلكترونية بضربة واحدة على مفتاح الكمبيوتر، نشاهد مالك في “مستر روبوت” يتبع عملية الاختراق الصحيحة وذلك بداية بجمع المعلومات عن الضحية ومن ثم الاختراق نفسه، وأحيانا تفشل العملية ممّا يعزّز من واقـعية البرنامج ومـصداقيته.

نوعية المسلسل الدرامي وشخصيته كانتا أمرا مهما لمالك، فبدلا من قضاء وقته في قاعة رياضية مع مدربين مختصين لتنمية عضلاته، كرّس وقته يتشرب بقدر ما يستطيع من معلومات من قراصنة حواسيب، والذين حضر البعض منهم التصوير كمرشدين، وفي دراسة مهنتهم.

مفاجأة كبيرة للجميع ولمالك نفسه عندما تم اختياره ضمن طاقم تمثيل فيلم الفنتازيا والرومانسية "ملحمة الشفق: بزوغ الفجر"، الذي حققت سلسلته شهرة عالمية

وفي تصريح صحافي وصف مالك المبرمج بالقول “هو منعزل، غاضب وحزين، أنا أظن أنه يشعر بأنه مسجون بطريقة ما ومعزول. ولكن رغم ذلك يتجاوز كل هذه المشاعر ويساعد الناس المقربين إليه”. ويضيف مالك “عزلة وغضب إليوت ليسا أمرا غريبا على شباب اليوم الذين يحاولون أن يعيشوا ويتقدموا في مجتمع مربك يستصعبون الانصياع لقوانينه وبالتالي يثورون ضد القوى التي تسيطر عليه، كما فعلوا في العالم العربي حيث ثاروا ضد حكامهم. أما في أميركا فغضب الشباب يوجّه عادة إلى الشركات الضخمة التي تتمتع بنفوذ أقوى من نفوذ البيت الأبيض والكونغرس. إذ أنها تفرض سلطتها على المؤسسات الحكومية من خلال شراء دعم السياسيين، متحكمة بقرارات سياسية تؤثر على حياة كل مواطن أميركي، المشكلة هي أن هذه القرارات تخدم مصالح الشركات وليس متطلبات الإنسان البسيط مثل إليوت”.

لا خضوع للإرهاب

تحديات مالك كعربي في هوليوود تختلف كليا عن بقية الفنانين. فمثل غيره من الممثلين العرب في هوليوود، كان عرض العمل الأول له هو تأدية دور إرهابي، وما كان أمامه غير القبول بتأدية ذلك الدور، ولكن سعي مالك إلى تطوير سيرته الفنية على مستوى مهني حتّم عليه الابتعاد عن تلك الأدوار التي تحصر الفنان في مكان جدرانه مغلقة تماما. حينها أخبر وكيله بأنه ليس معنيا بتلك الأدوار وأن يبعده عنها تماماً.

ما حققه مالك من نيل دور بطولة مسلسل تلفزيوني في هوليوود، لم يحققه ممثل من أصل عربي غير طوني شلهوب اللبناني الأصل، وهو نجم مسلسل “مونك”، إذ ما زال أغلب الممثلين العرب محصورين في أدوار الشر أو الإرهاب، وربما سوف يلهم هذا النجاح الفنانين العرب الذين ما زالوا يحاولون اختراق أسوار هوليوود.

9