رامي مخلوف.. خازندار الأسد الذي يكافح من أجل النجاة

رجل الأعمال رامي مخلوف يعيد الصراع في سوريا إلى طبيعته.
الخميس 2020/05/28
ظاهرة واسعة الانتشار

لم تبدأ قصة رامي مخلوف ابن خال رئيس النظام السوري بشار الأسد، التي تشغل الجميع اليوم، عند بثه لمقاطع فيديو يشكو فيها من اضطهاد يتعرض له على يد من سماهم بـ“الطاقم المحيط بالرئيس” والذين ينوون الإطاحة به من عرشه الاقتصادي الذي تربع عليه طيلة حكم الأسد الابن، لاسيما في رئاسته لإدارة شركة ”سيريتل“ للاتصالات.

غير أن مخلوف، ودون أن يقصد، قام بإعادة الصراع الدائر في سوريا منذ تسعة أعوام إلى طبيعته الأولى، بعيداً عن الحروب الدينية والفتوحات التي رفع شعاراتها الإسلاميون والفتوحات الإيرانية المضادة الطاحنة بين سنة وشيعة.

تلك حكاية تعود إلى خمسينات القرن العشرين، حين قرر حافظ الأسد الرئيس السوري السابق، الارتباط بعمة رامي، ابنة واحدة من الأسر المرموقة في منطقة الساحل السوري، عرفت بقربها من الحزب القومي السوري الاجتماعي.

بين صفقتين

واجه الأسد الأب حينها رفضاً شديداً من ذوي أنيسة مخلوف. ليس بسبب انتمائه لحزب البعث العربي الاشتراكي كما يشاع، ولكن في الواقع لاختلاف الانتماء الطبقي لأسرته عن أسرة مخلوف. ولكنه أصر على الزواج منها، وتم الأمر. ليتوارى آل مخلوف كما توارى غيرهم من أعيان العلويين سنين طويلة وسط التغييرات الهائلة التي عصفت بسوريا، ورفعت الطبقات المسحوقة لتحل محل نظيراتها البرجوازية والإقطاعية. كان شكلاً من أشكال الانتقام ساد في عالم القرن العشرين، دكتاتورية الفقراء التي سحقت الجميع. سحقت هندسة اجتماعية ما كان يمكن ترميمها إلا بصفقات عقدت هنا وهناك لتعيد تشكيل الواقع وفق توازن أتقن الأسد الأب صناعته وقيادته لاحقاً، حين ردّ الجميل لشقيق زوجته محمد مخلوف، وأطلق له العنان ليتولّى مناصب رفيعة في عالم المال، بدأها من إدارة مؤسسة التبغ السورية، المؤسسة الثرية والتي حققت أرباحاً هائلة، ناهيك عمّا حصدته من هيمنة مخلوف الأب على سوق تهريب التبغ بالتوازي. وكانت تلك بوابته للعبور إلى عالم الثروة، التعويض الاجتماعي عن تلك المصاهرة التي رأى والده أنها لم تكن متكافئة من بدايتها.

كانت تلك المعادلة التي ابتكرها الأسد الأب كافية حينها، لرد الاعتبار لكثيرين أحاطوا به، ترك لبعضهم حقول النفط ولآخرين الأمن والجيش وصفقات السلاح، ولغيرهم الصناعة والتجارة وحتى النفوذ الديني بمختلف مذاهبه وطوائفه. لكنه كان المحور الذي تتقاطع عنده جميع الخطوط. وهذا ما لم يستمر في عهد ابنه بشار الذي كان وصوله إلى السلطة صفقة في حد ذاته، أديرت بعناية من قبل أطرافها المحدودة.

ابن الأسد إلى الكرسي، وابن مخلوف إلى الاقتصاد، وابن وزير الدفاع مصطفى طلاس إلى قسط من الجيش وأبناء نائب الرئيس عبدالحليم خدام إلى الاستثمارات وهكذا بالنسبة إلى آخرين يعرف السوريون بعضهم ويجهلون كثيرين منهم. ليتم التخلص بالتدريج مما عُرف حينها بالحرس القديم، باللين حيناً وبالقسوة في أحيان أخرى.

إيران تشن في هذه الأيام حرباً من نوع آخر عبر وسائل الإعلام التابعة لها، هدفها مخلوف ومشاريعه وجمعياته. كما تفعل قناة "العالم" التي تصفه بـ"المدعي الذي يتصدق على السوريين من جيوبهم"

رأى كثير من المنشغلين بالمشهد السوري أن صعود مخلوف رجل الأعمال الشاب تزامن مع اشتداد عود الرئيس الشاب. ففي الوقت الذي كان نفوذ الأول يتعاظم مكتسحاً الاستثمارات والشركات العاملة في سوريا، كان الثاني يذلل له العقبات، مسهلاً هيمنته على كل من حاول افتتاح مشروع جديد، حتى درجت طرفة تقول إن مخلوف لم يتورع عن مشاركة أصغر بائع فلافل بدمشق في تجارته.

لكن التحليل والوصف من بعيد، ليس مثل العيان، كما يقال. ومن سمع شكاوى رجال الأعمال السوريين والأجانب الهامسة التي كانت تتردد في المدن والأرياف السورية منذ العام 2000 وحتى انفجار الأوضاع السورية، يدرك الحجم الحقيقي للسرطان المالي الذي ضرب البلاد بسبب ذلك التحالف بين بشار ورامي.

كان ابتلاع سوريا اقتصادياً نهجاً أساسياً حثيثاً تجاوز الغرض منه مسألة جمع الثروة، إلى ربط الأمن بالاقتصاد. فمجرد السماح بالاستقلال المالي لأي نشاط في سوريا بات يشكل تهديداً من وجهة نظر النظام. كما كان تعهيد شركة الهواتف المحمولة لمخلوف ضرورة أمنية على حد تعبير المقربين من رأس السلطة، وليس مجرد مزايدة حكومية.

ومع الوقت أخذ دور الخازندار الذي لعبه محمد مخلوف الأب، ينتقل إلى ابنه رامي، وبقي هو مكتفياً بإدارة مؤسسات مالية موازية مثل البنك العقاري وشؤون القروض وسواها. أما رامي فقد اتجه إلى تطويق المزيد من الأعمال الاقتصادية السورية عبر بسط نفوذه على الأسواق الحرة في المناطق الحدودية السورية، براً وبحراً وجواً. علماً أن جميع المحافظات السورية هي محافظات حدودية يعتمد سكانها على التبادل التجاري مع العراق ولبنان وتركيا والأردن. وهكذا خنق العمل الخاص بيد من حديد، لذلك لم يكن مستغرباً أن يكون اسم رامي أول اسم تهتف ضده المظاهرات المطالبة بالتغيير في العام 2011.

أمن النظام

بداية استهداف الأسد وفريق زوجته أسماء لمخلوف عبر الحجز على شركة “بتروليوم سيرفيسز”
بداية استهداف الأسد وفريق زوجته أسماء لمخلوف عبر الحجز على شركة “بتروليوم سيرفيسز”

كانت أول ردة فعل سياسية فوق عادية لنظام الأسد، بعد انفلات الأمور، تصريح شهير لمخلوف في مثل هذا الشهر قبل تسع سنوات، أدلى به لصحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية قال فيه ملوحاً إنه ”لن يكون هناك استقرار في إسرائيل، إذا لم يكن هناك استقرار في سوريا“، مؤكداً أن النظام سيقاتل حتى النهاية ولن يستسلم بسهولة. وموضحاً ما يدور في ذهن النظام قبل حدوثه، وقبل ظهور أي مقاتل لا جهادي ولا غير جهادي، عبر قوله إن ”السلفيين هم البديل عن النظام”.

ويبدو أن من عرف ساعة البداية يدرك متى ستكون ساعة النهاية لهذه الحرب العبثية غير المبررة التي تدور في بلد كان يمكن إصلاحه فيما لو استمع رئيس النظام فيه لنصائح طالبته أولاً بالتخلي عن رامي مخلوف ذاته.

أمن النظام تعرض بدوره لسلسلة من التقشير، أزاحت عنه الدروع التي كانت تحميه، حتى بعد أن لجأ إلى الإيرانيين الذين يعانون اليوم بسبب العقوبات وطول الحروب التي شنّوها في المنطقة العربية، وإلى الروس الذين أخذوا يتململون من حرب لا هدف لها. قد يدفعون فيها أكثر مما كسبوا بكثير.

وكل ذلك كان يمكن أن تجري معالجته، إذا ما قرر الأسد ومن حوله مواصلة سياسة تدوير المشكلات وإعادة إنتاجها، لولا أن الصدع هذه المرة طال الحلقة الضيقة ذاتها. فضربُ رامي مخلوف سيعني ضرباً للأسد ذاته، ولا يهم من هو الطرف الذي يوجه الضربات، سواء كان زوجة الأسد أسماء الأخرس وفريقها وأقاربها، أو الروس أو الإيرانيين أنفسهم. لأن النتيجة ستضعف الأسد وحده.

وقبل أقل من ثمان وأربعين ساعة، بدأت حرب من نوع آخر أعلنتها وسائل الإعلام الإيرانية، هدفها مخلوف ومشاريعه وجمعياته. فقد انتقدت قناة “العالم” مخلوف، ووصفته بـ“المدعي” واستنكرت أعماله الخيرية بالقول إنه “يتصدق على السوريين من جيوبهم”، بعد إعلانه مع نهاية شهر رمضان عن تحويل مبلغ مليار ونصف مليار ليرة إلى “جمعية البستان” لتوزيعها على المحتاجين. ونقلت القناة الإيرانية عن مصدر خاص زودها بالمعلومات من داخل “جمعية البستان” قوله إن “مخلوف يسعى ومن خلال استغلال اسم الجمعية لدس السم في العسل واستمالة شريحة واسعة من الشارع السوري، وأنه على ما يبدو محشور في الزاوية”.

ومنذ أن بدأ النزاع ما بين مخلوف وخصومه، أخذت تتفكك من حوله دوائر لم يكن يتوقع أحد أن تكون وجوهها من المغضوب عليهم ذات يوم، وكانت ذروتها تبرؤ شقيقه إيهاب مخلوف منه وإعلانه ولاءه التام للأسد. ليبدو أن أمن ”أسرة النظام“ هو اليوم في أسوأ أحواله ما بين تقارب وتباعد في المواقف التي تسبب بها وضع مخلوف الجديد.

يتحدث مخلوف بالإشارة، عن شيء مّا حصل منتصف العام الماضي، بعده بدأ ما سماه بالانهيار. وما حدث حقاً في الواقع، كان بداية استهداف الأسد لمخلوف، عبر الحجز على شركة آبار “بتروليوم سيرفيسز”، وحين فرضت عليه غرامات تقدر بأكثر من 10 مليارات ليرة. ولم يكن ذلك الإجراء حينها سوى تلويح أولي، لكن مع الوقت اكتشف، كما يقول، أن الأمر مبرمج، وأن هناك من يترصده وينوي القضاء عليه.

 لكن من هو عدو مخلوف الحقيقي في الصورة السورية المعقدة؟ هل هي بالفعل أسماء الأسد؟ أم ماهر شقيق بشار؟ أم الروس الذين يرى البعض أنهم بعد استيلائهم على ميناء طرطوس وقاعدة حميميم وتوقيعهم لعقود استثمار النفط، بقيت أمامهم غنيمة كبيرة يدركون جيداً أنها بانتظارهم عند مخلوف.

حطب رامي مخلوف

صعود مخلوف رجل الأعمال الشاب تزامن مع اشتداد عود الرئيس الشاب
صعود مخلوف رجل الأعمال الشاب تزامن مع اشتداد عود الرئيس الشاب

يراهن رجل الأعمال الذي كان يهيمن على ثلاثة أرباع الاقتصاد السوري، عبر خطابه المستجد المطعم بالآيات القرآنية والنوايا الطيبة على استدراج جمهور اشتغل عليه بحكم وظيفته كواجهة للأسد، هو جمهوره داخل الطائفة العلوية ذاتها، والتي ما زالت تكنّ لأسرته الاحترام والتقدير لأسباب عشائرية دعمتها التقدمات المالية والحصص التي وزعها على غالبية أفرادها من بسطائهم إلى كبارهم.

يحاول إرسال برقيات عديدة من خلال ظهوره البصري بتلك الطريقة، ليقول إن إحراقه سيعني إحراق النظام، وحين لم ينفعه ذلك في وقف الإجراءات المتخذة ضده تحدث صراحة عن انهيار ما لا يعلم إلا الله أين سيكون. صحيح أن الأسد لم يستجب لنداءاته، إلا أن مخلوف لا يبالغ في تقدير حجمه ضمن بنية النظام، فهو ليس غازي كنعان الذي لا يتجاوز سقف الضابط المأمور، ولا محمود الزعبي رئيس الوزراء الأسبق الذي كاد يمزق ثيابه بكاء في جنازة باسل بكر الأسد الأب ومعروفة حدود قدرته على التمرد.

مخلوف يمثل ظاهرة واسعة يمكن رؤية آثارها في العديد من عواصم العالم، فأمواله تنتشر من خلال شركاته وشركات أخرى يمولها ويملكها آخرون، حتى روسيا التي يشكك البعض في موقفها من مخلوف، قام بالاستثمار فيها في الماضي، وجدد استثماراته السنة الماضية وفقاً لصحيفة ”فايننشال

تايمز“ التي تحدثت عن أملاك جديدة لمخلوف وسط موسكو، عبر شراء أكثر من عشرين شقة سكنية بقيمة أربعين مليون دولار. لكن الروس يعلمون أن هذا المبلغ لا يشكل سوى بعض ”الفكة“ في جيب مخلوف الذي تصل أرصدته وحساباته إلى بنما وغيرها والعديد من الملاذات الآمنة متعددة الجنسية. وكل ذلك يجعل من ثمن رأسه أغلى بكثير مما يتصور البعض، ميزة تجعل المحافظة عليه حياً أهم بكثير من التخلص منه على طريقة الزعبي وكنعان وغيرهما. وهذا أهم ما في حطب مخلوف الذي يعرضه لمتابعيه عبر مقاطع الفيديو التي ينشرها على صفحته على فيسبوك.

12