رانده فخري: أبحث في رواسب الوعي الإنساني مستندة إلى الخيال والفلسفة

الفنانة التشكيلية المصرية تستعين بممثل "البانتومايم" لرصد أعماق البشر.
الأحد 2020/11/22
خيط سري بين الظاهر والباطن

 ليس الفن بمعزل عن الفكر والفلسفة، إنهما عالمان متكاملان بشكل كلي، على عكس ما يعتقده البعض من تناقضهما مستشهدا بالتناقض بين الخيال والمنطق، وهذا خطأ دارج، يكرر خطأ أفلاطون في طرد الشعراء من مدينته الفاضلة. إن الفن التشكيلي مثلا والفلسفة يكمل بعضهما البعض، والكثير من اللوحات والأعمال الفنية تقوم أساسا على الفكرة الفلسفية المنتقاة والمجسدة بعمق وبصيرة إبداعية، بينما تعتمد الفلسفة الفن إما لفهم الظواهر وإما لتجسيدها وإما الكشف عن مفاهيم وعوالم جديدة. تكامل الفلسفة والفن التشكيلي هو ما تؤكد عليه الفنانة التشكيلية المصرية رانده فخري، التي كان لـ”العرب” هذا الحوار معها حول تجربتها الفنية ورؤيتها للمشهد التشكيلي في مصر.

تتمتع التجربة الفنية للتشكيلية رانده فخري، بخطوطها وألوانها وأبعادها ورؤاها وأفكارها الإنسانية والروحية، حيث تستغرق لوحاتها في عمق العلاقة بين الإنسان ومفردات الحياة، بحثا وتساؤلا وتفكرا في ماهية الوجود المضطرب أحيانا والمستقر أحيانا أخرى.
تحتفي الفنانة بالوجوه خاصة وجوه النساء باعتبار الوجه مدخلا أصيلا لرؤية حقائق الذات وما تحمله من عوالم.

الدراسة الأكاديمية

العرب: ما هي المؤثرات التي أحاطت بنشأتك والتي تجلت بشكل مباشر أو غير مباشر على رؤيتك الفنية؟

 رانده فخري: ولدت وعشت طفولتي وشبابي ابنة لأم عظيمة ولأب رائع يعمل أستاذا بكلية الزراعة يهوى الجمال والطبيعة، نهوى الموسيقى والمغامرات وخوض التجارب الجمالية مع الطبيعة؛ كل ما كنا نحب تجربته نجربه؛ صيد الأسماك، صناعة مكتبة، طلاء جدران المنزل، زراعة النباتات والزهور بأنواعها، كنا نمتلك حديقة كبيرة بشرفة منزلنا، نربي الحيوانات من قطط وعصافير وببغاوات وبط وسلاحف وأرانب وأسماك.. نتابعها ونراقب تفاصيل حياتها المستمرة في حب وشغف، الأمر الذي زاد من حساسية مشاعري وتدفقها بغزارة.
 شجعني أبي مبكرا على ممارسة الفن، منذ كنت طفلة حتى صرت شابة، فالتحقت بكلية الفنون الجميلة، ثم توفاه الله لأكمل المسيرة على دربه وعلى ما اتفقنا عليه من مبادئ. أعتقد أن كل ذلك أثر بشكل مباشر على بلورة رؤيتي الفنية واختياري لعناصر أعمالي التي دائما ما تكون علاقات خاصة جدا بين الإنسان والحيوان أو الطير لإيصال شعور ما خاص بشخصية بطل اللوحة أو ليبرز قيمة كبرى أو هدفا ساميا.
ثم إن الدراسة الأكاديمية كان لها عظيم الأثر على تجربتي الفنية. علوم اللون وتعلم أسس التصميم والتكوين ودراسة تاريخ الفنون وتكنولوجيا فن التصوير والرسم والخامات، إلخ. كل ذلك كان له أثر واسع. كانت الدراسة على يد أساتذة من كبار أساتذة التصوير بكلية الفنون الجميلة في قسم التصوير. مع دراسة تاريخ الفنون وفلسفاته في مراحل الماجستير والدكتوراه وما بعدهما بالتأكيد تبلورت الرؤية الفنية والفكرية والفلسفية في أعمالي خاصة فلسفات التخفي بين الباطن والظاهر للإنسان، وماهية الرمز ودلالاته والأبعاد التعبيرية ودلالات اللون وحركة الخط.

الفنانة رانده فخري تستعين في أعمالها بفلسفات الإيهام البصري، أي إثارة العقل بالكثير من الحيل والطرق المؤدية إلى الإمتاع البصري
الفنانة رانده فخري تستعين في أعمالها بفلسفات الإيهام البصري، أي إثارة العقل بالكثير من الحيل والطرق المؤدية إلى الإمتاع البصري

الظاهر والباطن

 العرب: تبحث لوحاتك عن كل ما هو جواني في علاقة الإنسان، سواء كان امرأة أو رجلا مع ذاته أو مع الطبيعة والحياة، كيف يتجلى ذلك؟

 رانده فخري: أستعين في أعمالي بفلسفات الإيهام البصري أي إثارة العقل بالكثير 
من الحيل والطرق المؤدية إلى الإمتاع البصري ما يمهد الطريق لاستحداث رؤى فنية إبداعية من مصادر بسيطة مثل الخداع بالمنظور. إلا أن ذلك الإيهام البصري لم يكن هو الهدف المقصود، ولكنه نوع من استثارة ذهن المتلقي فيشترك اشتراكا فعالا وإيجابيا في عملية التذوق الفني للعمل، فمع الشكل ذي المغزى والدلالة المثيرة للانفعال الجمالي والوجداني والعلاقة الرمزية بين الدال والمدلول، وتآلف الخطوط والألوان وعلاقات الأشكال بين الظاهر والمختفي، تبدأ محاولتي لإثارة الحس والذهن معا من خلال الشكل والمضمون وصدق التعبير.
أستعين أيضا بالإيهام البصري المحقق في فن “البانتومايم” لإظهار الجوانب الخفية وإخفاء الظاهر من شخصيات البشر. أناس بعينهم أحاول التوغل في أعماق دواخلهم والتعبير عن حقائقهم، أما الظاهر والشكل الخارجي للجسد فقد اختفت ملامحه بينما الوجه قد اكتسى بقناع المهرج وغلّف كلّا من الكفين قفاز أبيض. اقتداء بممثل “البانتومايم” في لعبة التجلي والاخفاء وما بينهما من تساؤلات.
أحاول الاقتراب من أبعاد النفس البشرية واستكشاف علاقاتها المتشابكة بين الظاهر والباطن، ثم ترجمة تلك العلاقات فكريا وفنيا ووجدانيا من خلال ما يحويه “البانتومايم المعاصر” من تقارب في فكرة الظهور والاختفاء، وكذلك هيئة الفنان المؤدي وحركاته وإيماءاته السيميائية الدلالية، ثم استخدام الإيهام البصري لتحقيق الفكرة والرؤية المتبناة من خلال عدد من القيم التشكيلية مثل: الإعلاء، إثارة العمق الفراغي، الإيحاء بالحركة الإستيتيكية، التأثير الدرامي.
وأقوم باستخدام تقنية “الديكوباج” مع الألوان الزيتية على التوالي في معظم أعمالي لما يتمتع به “الديكوباج” من إثراء للسطح التصويري سواء كان من ناحية الملمس أو اللون أو كزخارف منتظمة وغير منتظمة يضفي تكرارها إيقاعا وحركة تكتمل بها الرؤية التصويرية للأعمال، بينما استبدلت فضاء المسرح الأسود بفضاء اللوحات الثري وبالزخارف الهندسية أو الزهور، ليختفي ويتوارى بين جنباتها أبطال الأعمال فلا يظهر من أجسادهم غالبا إلا الوجه المطلي بالمساحيق والكفين بقفازيهما البيضاء.

الاستعانة بالفلسفة

أعمال فنية فلسفية
أعمال فنية فلسفية 

 العرب: ما هي علاقة أعمالك بالفلسفة؟

 رانده فخري: في جل أعمالي أبحث في ما يرسب في وعي وإدراك الإنسان من خلال العديد من التجارب الحياتية مستندة إلى الخيال الواعي. تلك المساحة التي تسكن فيها قصدية العمل الفني، مستعينة بمنهج فلسفي معاصر ذي طابع تساؤلي متفتح ومرن، وهو أحد مناهج البحث الفلسفي “الفينومينولوجيا” (Phenomenology) للفيلسوف إدمون هوسرل (1859 – 1938)، منهج يستبعد وصف الظواهر أو المواقف أو الأشياء أو العناصر في ذاتها، ويقتصر في البحث على الأشياء كما تحددت وتكونت في “الوعي الإنساني”، وكما يفترض المنهج بأن هناك أشياء في الوعي، ينتج عنها وعي بالأشياء، وأن الوعي لا وجود له خاليا بل يكون متعلقا دائما وأبدا بموضوع معين، وأن العمل الفني ليس ثمرة قدرة الفنان على وصف الأشياء على ما هي عليه، بل هو ثمرة قدرته على إدراكها وخلق تصورات جديدة لها.
هو منهج فلسفي ويصلح للتجريب الفني لدراسة ما ترسب في الوعي الإنساني من مواقف فعلية، ومن مواقف تترتب عن قدرة إدراك الإنسان، وهذا ما يسمى مخزون أفعال الوعي، كما يسميها هوسرل إنها “فينومينولوجيا للوعي” باعتبار إن الوعي نشاط سيكولوجي وحس داخلي، إذ يمنحنا الوعي “معطيات الحس” (Sense Data)  وتنتج عنها العديد من الأفكار يستفيد منها كل منتجي الإبداع الفني.
انطلاقا من هذا المبحث الفلسفي أحرص على طرح تكوينات مركبة تكشف عن ما يسكن في “السرداب النفسي للإنسان” الذي يتكون من “الوعي وأفعال الوعي” وهو متاح للاقتراض منه، إنها قروض إبداعية، فالأعمال تمثل الحكايات كجزء من رصيد تراكمي حفظ في أدراج سراديب الوعي، حكايات تسرد في تكوينات تمثل لقاء غرائبيا بين شخصيات يصعب تحديدها أحياء أم شهداء أحياء من أجل البقاء، شخصيات تبدو ملائكية السمات، تبوح بقدسية المضمون والمثالية والطاقة والشحنة الانفعالية المستمرة المستقرة.
 وإن كانت الملامح تشريحيا تعبر عن حالات بين الفرح والحزن، إلا أنها ليست إلا حالة تعويضية ومحاولة للخروج من مأزق فقدان شيء ما، شخصيات متناقضة الأعمار خصلات شعر دائرية “كتلة” مثقلة بالهموم تعبر عن صبر ومعاناة، شخصيات ترتدي أقنعة متلاصقة متلاحمة منسوجة بملامحها، يصعب نزع القناع حتى وإن رحلت الشخصيات، أقنعة خداع من أجل الاختباء والاحتماء والاستمرار، أعين دامعة باكية ضاحكة.. مندهشة من مجهول ومن معلوم، وتكمل الشخصيات غموضها بمحور آخر هو ارتداء “قفاز أبيض” قفاز فنان البانتومايم، كل هذه الشخصيات بانفعالاتها وتأثيراتها تبدو في علاقة مترابطة ومتشابكة بينها وبين عناصر حية؛ حيوانات، أليفة، القط، الكلب، العصافير، السلحفاة وعناصر أخرى، وإن اختلفت الكائنات في صفاتها إلا أنها بصفاتها ونقائها يمكن اعتبارها العناصر الوحيدة في عالمنا التي لا تزال تحتفظ ببراءتها.

التشكيل في مصر

شخصيات يصعب نزع أقنعتها
شخصيات يصعب نزع أقنعتها

 العرب: كيف ترين الساحة التشكيلية المصرية اليوم؟

 رانده فخري: الساحة التشكيلية المصرية الآن في حالة ثراء كبير وتنوع وحرية في الاتجاهات والأساليب والرؤى الفنية والفكرية التي يتجه الكثير منها إلى الفنون المعاصرة بكل اتجاهاتها الحديثة. وإن هناك تأثيرا متبادلا بين واقع الفنان وواقع بلاده وأهله واتجاهاته الفنية في أعماله. ففي آخر ثورة مصرية اتجه الكثير من الفنانين إلى التعبير عن آرائهم وآلامهم وثورتهم الداخلية في الكثير من المعارض الفنية القوية التي عدت حينها ثورة خاصة. وكذلك فالكثير من 
فناني مصر يعبرون عن آلام ومعاناة وأحلام وآمال وتطلعات المصريين باختلاف اتجاهاتهم وانتماءاتهم وأيديولوجياتهم.
إن المشهد التشكيلي المصري في حالة نشاط وتوهج كبيرين، قاعات فنية جديدة تفتتح، ومسابقات وصالونات للفن التشكيلي تزداد المشاركات فيها وتشجيعها لكل الأجيال خاصة الأجيال الشابة.. وبدوره المثقف المصري يتابع كل تلك الممارسات بشغف ومتعة.
أما الحركة النقدية التشكيلية فهي فاعلة إذ لدينا العديد من النقاد المخضرمين ممن نحترم آراءهم النقدية لما فيها من إثراء لمسار الفنان في تجربته الفنية، من خلال تحليل مقوماته وفلسفته واتجاهه الفني. وهناك أيضا جيل جديد من النقاد الواعين الدارسين على دراية كبيرة لسبل النقد ويتابعون عن كثب كل المعارض والمسابقات الفنية ويتحاورون ويكتبون وتنشر آراؤهم النقدية بوسائل إعلامية كثيرة مطبوعة وإلكترونية.

11