رانييري المتواضع ينوّم منافسيه

الأحد 2016/03/13

تحول المدرب الإيطالي كلاوديو رانييري هذا الموسم إلى مصدر إلهام وإعجاب لدى الجميع، ليس في إنكلترا فحسب، حيث يقود نادي ليستر سيتي إلى تحقيق نتائج لافتة ويسير به نحو منصة التتويج بلقب الدوري بخطى ثابتة، بل في أوروبا والعالم بأسره.

هذا المدرب البالغ من العمر 65 عاما يتأهب إلى تحقيق إنجاز أسطوري من النادر حدوثه في عالم كرة القدم التي تنبني في عصرنا الحديث على القوة المادية ومدى القدرة على استقطاب أبرز النجوم بمبالغ طائلة، بيد أن رانييري اختار سياسة مغايرة تماما ومختلفة بالمرة عن بقية المنافسين.

هذه السياسة جعلته اليوم وحتى قبل الوصول إلى تحقيق هذا الإنجاز التاريخي يتحول من مدرب منبوذ من قبل وسائل الإعلام إلى مدرب ناجح وذكي، والأهم من ذلك أنه مدرب يتخذ التواضع صفته الرئيسية خلال هذه التجربة الفريدة والمنفردة مع ليسر سيتي.

رانييري الذي كانت تصفه وسائل الإعلام بمدرب النجاح المنقوص، و”مستر” المركز الثاني نسبة لحصوله في عدة تجارب تدريبية سابقة على المرتبة الثانية، بات اليوم يتفوق على جميع منافسيه، بمن فيهم مورينهو الذي نعته منذ سنوات بالمدرب الفاشل.

اليوم، يحصد المدرب الإيطالي المحنّك ثمار سنوات طويلة قضاها في إعادة ترتيب عدة بيوت متصدعة وآيلة للسقوط، ففي أواخر التسعينات من القرن الماضي أشرف على تدريب فالنسيا الأسباني وتمكن من تكوين توليفة رائعة من اللاعبين الذين تمكنوا بعد ذلك من الوصول إلى نهائي دوري الأبطال في مناسبتين.

رانييري منحت له مهمة إعادة فيرونتينا إلى الواجهة بعد أن عانى الفريق في الدرجات السفلى إثر إبعاده عن الدرجة الأولى لأسباب مالية، لكنّ هذا المدرب نجح في مسعاه وكوّن فريقا قويا تمكن معه من الحصول على بعض الألقاب.

قام بالأمر ذاته مع اليوفي منتصف العشرية الأخيرة، فرانييري درّب الفريق في فترة صعبة للغاية تلت نزوله إلى الدرجة الثانية بسبب العقوبة، لكنه أفلح في مساعدة يوفتنوس ونافس على الألقاب وتفوق في بعض الأحيان على مورينهو الذي أشرف على تدريب إنتر ميلان آنذاك.

تجارب عديدة عاشها كلاوديو، لكن في كل مرة يخرج من الباب الصغير ولا يتم الاعتراف بما قدمه لهذه الفرق، غير أن هذا المدرب لم يتجرأ ولو في مناسبة على التبرم، بل كان دوما يقول إن المدرب هو المسؤول الأول في حالة الإخفاق، كان متواضعا وخجولا حتى لو كان مظلوما.

رانييري سار على الدرب ذاته هذا الموسم، عندما جاء إلى ليستر سيتي، مؤكدا أن هدفه الرئيسي، هو تفادي النزول، قال أيضا إنه يريد أن يضمن لهذا الفريق مكانا دائما ضمن الدرجة الإنكليزية الممتازة، وبدأ في العمل.

حافظ على أغلب اللاعبين الذين ساهموا الموسم الماضي في نجاة الفريق من الهبوط، ودعّم مجموعته ببعض اللاعبين الجدد، كانت فلسفته هي تأمين الجانب الدفاعي ومن ثمة الحرص على إصابة المنافسين بـ”سلاح” الهجومات الخاطفة والمباغتة، معوّلا في ذلك على نجمين رائعين هما الجزائري رياض محرز والإنكليزي جيمي فاردي، فسارت الأمور مثلما اشتهى رانييري وأراد.

ومع ذلك، فالأهم من هذه الفلسفة أن المدرب الإيطالي اتبع دوما سلاحه القديم، وهو التواضع ونبذ الغرور إلى درجة أنه تغلب على كل منافسيه بهذا السلاح.

فوز يتلوه انتصار، والفريق يتقدم في الترتيب، تجاوز أعتى الفرق واحتل الفريق مكانا أرقى من فرق قوية مثل تشيلسي ومانشستر يونايتد، وصعد إلى المركز الأول منذ الجولات الأولى لدوري هذا الموسم.

وفي المقابل، حافظ رانييري على هدوئه وتواضعه، وكان يكرر بعد كل فوز ونجاح أن هدفه الأساسي هو ضمان البقاء، مضيفا أن الهدف الأساسي هو إنهاء مرحلة الذهاب بحصد 30 نقطة.

ومع ذلك، حقق الفريق أكثر من ذلك بكثير، وواصل ثورته الهادئة بثبات، سار الفريق بخطى ثابتة نحو القمة وحافظ عليها منذ جولات عديدة، غير أن رانييري المتواضع لم يكن متفائلا إلى درجة الغرور، بل قال أيضا إن الهدف الرئيسي بعد ضمان البقاء هو احتلال مركز في وسط الترتيب، مؤكدا أن الفرق الأخرى هي الأكثر حظا للظفر باللقب.

هذه التصريحات بقدر ما ساهمت في وضع لاعبيه على أرض الواقع وجنّبتهم الانجراف نحو متاهة الغرور وفقدان التركيز، بقدر ما كانت بمثابة المنوّم الذي دفع بقية منافسيه إلى التقليل من شأن ليستر سيتي، بل وسلّطت عليهم ضغوطا مضاعفة.

الآن، وقبل الوصول إلى المنعطف الأخير من السباق، مازال رانييري مصرّا على التحلي بالتواضع رغم أن ليستر مازال في المركز الأول بفارق مريح عن أقرب ملاحقيه، رانييري أكد أن الفريق لم يضمن الحصول على اللقب، بل لم يضمن احتلال مركز مؤهل لمسابقة دوري الأبطال.

وفي المحصلة، فإن السير على النهج نفسه قد يجعل رانييري الذي نجح في تحويل الضغوطات إلى معاقل “الخصوم” يجني ثمار تواضعه، ويتحول من مدرب مظلوم ومنبوذ إلى مدرب رائع ساحر مساهم في صنع المعجزات.

كاتب صحافي تونسي

23