راهن الكاتب الكردي

الثلاثاء 2014/05/27

خلف تقاسم الأكراد بين عدّة دول تأثيرات عميقة في بنية المجتمع الكرديّ الذي تحوّل إلى مجتمعات، أو إلى جزر بشريّة معوّمة في جغرافيّة جبليّة، وقد مورست بحقّهم مختلف أشكال التزييف، واستخدم في ذلك عدد من وسائل القمع الجسديّ والفكريّ سعياً لإمحاء ذاكرتهم ودفعهم إلى تبنّي ذهنية وثقافة ولغة الدول التي تحكمهم، فلا مدارس ولا ثقافة ولا لغة معترفاً بها، لذلك فإنّ الكتابة باللغة الأمّ كانت تعتبر بحدّ ذاتها جريمة، وقد عدّ الكاتب الكرديّ خطراً على أمن الدولة حيث كان، واتّهَم بالسعي لتقسيم الوطن وإيجاد شرخ في المجتمع الواحد كوحدانيّة الحاكم المطلق.

اختلفت ظروف الكتّاب الكرد من منطقة لأخرى، لكنّها اشتركت في تعرّضهم للتهميش والإقصاء والإدانة، ما راكم المعاناة لديهم، وخلق فجوة بينهم وبين القرّاء القلائل أيضاً، والذين بدورهم كانوا يتعرّضون للتضييق، إذ أنّ حيازة كتاب كرديّ كانت بمثابة جنحة ذات يوم. وراهناً تغيّرت ظروف الكرد، وأصبح إقليم كردستان العراق يتمتّع بنفوذ واسع ولديه مؤسّسات ووزارات تهتّم باللغة الكردية والكتّاب الكرد، لكن ذلك بدوره يكون محكوماً بالمحسوبيّات الحزبيّة، حيث “كلّنا في الهمّ شرق”، بحسب تعبير الراحل أحمد شوقي في “سلام من صبا بردى..”.

حورب الكاتب الكرديّ في لقمة عيشه، اتّهم بمعاداته للأنظمة والشعوب، لا لشيء فقط لأنّه يكتب عن شعبه وهمّه ويدافع عن وجوده الإنسانيّ وإرثه الحضاريّ. وقد حاول بعض الكتّاب الكرد التواصل مع الآخر بلغته، ونقل همومه من خلال اللغة التي اتّخذها أداة للتواصل وحاملاً ثقافيّاً وحضاريّاً في الوقت نفسه.

الكاتب الكرديّ الذي يكتب بالعربيّة، يفكّر بلغته الأمّ حين الحديث وفي تفاصيل الحياة اليوميّة، وحين يكتب فإنّه يستعين بالعربيّة، أيّ أنّ اللغة الأمّ لديه مزدوجة، واحدة للمحادثة والتواصل مع أسرته وبني جلدته، وثانية للكتابة والتواصل مع أبناء وطنه ومحيطه العربيّ.

كلّ لغة هي وطن، هي ثروة وإرث وحضارة، والتعايش في ظلّ لغتين ومعهما، ثراء للشخصيّة، وكلّ لغة تجمّل الأخرى في الذات، وتشكّل نهراً متدفّقاً من الجماليات، بحيث أنّ الآخر يغدو النعيم للمرء لا الجحيم كما وصفهم سارتر ذات مرّة.

لغة الآخر هي لغة الكاتب الكرديّ، ولكن الإشكاليّة ما تزال أنّ الآخر الذي يعيش داخل الكرديّ ومعه وشريكه في الوطن والإنسانيّة ما يزال يجهل لغة الكرديّ، ويجهل تاريخه، ويما يزال أسيرَ أحكام مسبقة روّجتها الأنظمة المعادية لشعوبها عن الكرد لأغراض سياسيّة، على طريقة فرّق تسد. لغة الآخر ليست رهان الكاتب الكرديّ ولا ملجأه أو منفاه، بل هي مؤسّس من مكوّنات هويّته التي تغني كينونته الإنسانيّة والحضاريّة.


كاتب من سوريا

15