راو يكره كل شيء في روايته ويدفع بشخصياتها إلى الموت

الكاتب قاسم مرواني يستخدم روايته "السقوط من عدن" كوسيلة لجعل الموت مبررا ومنطقيا عبر خلق ظروف تجعله يبدو طبيعيا لا مصطنعا.
الجمعة 2018/04/06
تماثيل تذوب كلما اشتد الرقص (لوحة للفنان أنس سلامة)

نقرأ في رواية الكاتب اللبناني قاسم مرواني الأولى “السقوط من عدن” عن الموت بوصفه محركا لحياة الأفراد، يصيبهم ومن حولهم، هم محكومون به، وبتقلباته وآليات هيمنته، إذ لا فرار منه، يتركهم يصنعون الحكايات، ويدونون أفكارهم، لعل الكلمات ذاتها، إن تراصت بشكل ما، يمكن أن تصل إلى أولئك الذين رحلوا عنهم.

موت الآخرين

 

كيف يمكن للكاتب أن يبني شخصيات محكوما عليها بالموت، هو يدرك مصيرها، وهي ذاتها مدركة لنهايتها، ضمن هذه الإشكاليّة، يبدو فعل الكتابة أشبه بعزاء لهؤلاء الأحياء المؤقتين، ومحاولة لجعل موتهم منطقيا، أو مبررا، أو تقاد للإقرار بأن الحياة ليست إلا خطأ منهجيا في ماكينة الموت المهيمنة. لكن، يمكن للكتابة أيضا، أن تكون ترويضا للذات على فنائها، أو تمرينا على الفقدان، بحيث يكون الموت الطبيعي مشابها لذلك الروائي، ينتهي بمجرد انتهاء القصص والحكايات التي يمكن تدوينها عن شخص ما، لتصبح الحياة ذاتها، مجرد نص على وشك الانتهاء

تنتحر راسيل في فندق في أسكتلندا، دون أي سابق إنذار، يعود حبيبها إلى صيدا في لبنان، هناك يحاول أن يشغل نفسه عنها، يركض على الكورنيش البحريّ، ويكتب لها ليفهم سبب ما حصل، يقرر بعدها الذهاب إلى مستشفى غسيل الكلى، هناك حيث مات طيف، الذي لا يعرف عنه أي شيء سوى ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعيّ من إشاعات حول انتحاره وتجرعه للسمّ، بعدها يأخذنا مرواني إلى الموت الرئيسي في الرواية، موت طيف، الذي يغسل كليتيه أسبوعيا، لنتعرف على أسرته وأصدقائه المرضى ومن هم حوله، والذين يتساقطون تباعا، دون أن يكون لأي منهم هدف في الحياة سوى انتظار حتفه.

نقرأ في الرواية، الصادرة هذا العام عن دار نوفل-هاشيت أنطوان، عن عدة فضاءات للموت، المستشفى، مدينة صيدا، غرف حقيرة في أحياء شعبيّة، منازل ريفية، وكأن الجميع معلّقون ضمن ظروف، محكوم عليهم ضمنها بأن يكونوا أمواتا، كأشباح بانتظار التلاشي، فطيف وأصدقاؤه المرضى منصور والبركة وشيماء، والطبيب هاني والممرضة جيهان، كلهم أسرى شبكة الموت، وظروف ظهورهم في هذا العالم، تقودهم حتما إلى موتهم المبكر لا محالة، هم معطوبون جسديا بسبب مرض ما أو ماض ما، أو فكريا، كونهم ضحايا حروب، فصيدا التي شهدت حرب 2006 في لبنان ضد إسرائيل، تحولت إلى مدينة لأشباه الموتى، فالحرب وإن أخطأت أجساد بعضهم أصابتهم بلوثتها.

يستخدم مرواني الرواية كوسيلة لجعل الموت مبررا ومنطقيا، عبر خلق ظروف تجعله يبدو طبيعيا لا مصطنعا، إذ نقرأ في الرواية تساؤلات عن الموت الزائف، ذاك الذي يحضر في الروايات السيئّة، والذي يصيب الشخصيات التي لا تريد الموت، وهنا يبرز التساؤل الروائيّ، كيف نسرد موت شخصيات نعلم أنها لا بد ميتة، لتبدو الرواية حينها محاولة للإجابة عن هذا السؤال، إذ يخلق مرواني شروطا متنوعة للموت، يتحرك ضمنها أولئك الذين يريدون الموت إلى جانب من ينكرونه.

استراتيجيات الإماتة التي يبنيها مرواني تتنوع من الشخصي إلى السياسي والاقتصاديّ، فهناك حزب الله وحروبه “المقدسة”، التي شارك فيها منصور، وهناك الحرب مع إسرائيل، والتي أصيب إثرها طيف بحمّى تضررت من بعدها كليتاه، وهناك أيضا المدينة نفسها، صيدا التي تنفي قاطنيها عن الحياة، وبيروت الماكينة الخاضعة لشروط الاستهلاك والتي تسحق القاطنين فيها، لتغدو أجسادهم  فيها كتماثيل شمع تذوب كلّما اشتد الرقص وتسارع إيقاع الموسيقى، ثم هناك الانتحار، كما حدث مع علياء التي قتلت نفسها وجنينها، وكأنّ كلّ موت يولّد موتا آخر، فهناك خيط سري يربط بين كل الشخصيات، يقودهم نحو حتوفهم، فالموت لو أراد لأخذ الجميع دفعة واحدة، لكنه روائيّ سيء، يصنع حكايات سيئة لضحاياه المتشبثين بالحياة.

نزق الراوي

فضاءات للموت
فضاءات للموت

هناك بعض الملاحظات المرتبطة بالراوي ذاته وعلاقته مع الشخصيات، إذ يتدخل ويعقب ويعلق ويتحدث بلسان الشخصيات، بصورة تجعلها متشابهة في الكثير من الأحيان، وتعكس مزاجيته وكراهيته المجانية لما حوله، والتي تطغى على كل شيء، فهو يكره المدينة وسكانها ونساءها ورجالها وأطفالها وشخصياته وعوالمها، وفي أحيان أخرى نراه يلاحق استطرادات رومانسية عن معاني الحياة واللغة والدين، وتعليقات سطحيّة متداولة عن مجتمع الاستهلاك دون تحليلها بصورة عميقة أو جعلها محركات للشخصيات، وكأن هناك أطنانا من الكراهية توزع على كل ما يمكن أن يكتب عنه، فالرواي مصاب بنزق من الموجودات، وهذه اللوثة التي فيه تفقد الرواية انسيابها، وكأن الجميع يستحقون الموت لمجرد أنهم أحياء أو مستهلكون مثاليون، تُمتص منهم الحياة دون أن يدركوا ذلك.

يتلاعب مرواني بالزمن، ويجعل موت طيف لا مجرد علامة تقسم زمن السرد، بل يراوح قبله وبعده، فحياة طيف نقرأها حتى بعد موته، وكأن رحيله هو الذي يغير حيوات من هم حوله، حتى القطة التي اعتاد أن يداعبها، نقرأ عن علاقتها مع الموت، لتبرز في النهاية السخرية من الموت، بل ومحاولة كسر شروطه، فالطبيب هاني يحاول أن ينقذ منصور وينجح في ذلك، ليبدو موت طيف أشبه بنكتة سمجة، تدفع الجميع إلى الضحك، لا ذاك النابع عن أمل في الحياة أو استمرارها، بل ضحك هيستيري، وكأن لا شيء سيتغير، والأفضل أن نضحك، لا لشيء، فقط لأن طيف ذاته كان سيضحك لو أن واحدا منهم قد مات قبله.

14