"رايات بيض" تقلق العراقيين: داعشية أم بعثية أم كردية؟

تمكنت الحكومة العراقية خلال عام 2017 من الإطاحة بـ”دولة الخلافة” واستعادة المحافظات التي سيطر عليها تنظيم داعش، لكن لم يكد العراقيون يهنأون يإعلان الانتصار على داعش حتى عاد القلق ليساورهم مع تصاعد الحديث عن ظهور جماعة جديدة تحمل اسم “أصحاب الرايات البيض”، ويتضاعف القلق مع تضارب الأنباء حول هذه الجماعة الجديدة بين قائل إنها من فلول داعش الهاربة إلى الصحراء، وبين حديث عن أنها عناصر من داعش اعتقلتها قوات البيشمركة التابعة لمسعود البارزاني في الموصل وهي تستخدمها اليوم ضمن الصراع مع بغداد، ورأي ثالث إن هذا التنظيم الذي يرمز إلى نفسه براية بيضاء تتوسطها صورة رأس أسد، دون استخدام أي رمز ديني أو شعار طائفي أو عرقي، يحمل مواصفات بعثية، وبين هذا وذاك ومهما كانت هوية هذا التنظيم، إن وجد حقا، ولم يكن جماعة وهمية وفق ما يذهب إليه رأي رابع، إلا أن الأكيد أن البيئة العراقية مازالت تمثل أرضا خصبة لظهور مختلف التنظيمات والرايات.
الأربعاء 2018/01/03
لم يهنأوا بالعودة إلى الديار

بغداد - تنشغل الأوساط الإعلامية في العراق، بأنباء عن جماعة مسلحة جديدة، تنشط شمال البلاد، وتطلق على نفسها “أصحاب الرايات البيض”، وسط تفسيرات متعددة لأصولها وتساؤلات حول دوافع الظهور فيما لم تلملم البلاد جرح داعش بعد وتعيش على وقع جدلين؛ الأول يتعلق بمصير ميليشيات الحشد الشعبي وسلاحها، والثاني حول الانتخابات وإمكانية تأجيلها، ناهيك عن الأزمة المعقّدة في إقليم كردستان العراق.

وبالنسبة إلى مراقبين، فإن توقيت ظهور هذه الجماعة أتاح استخدامها في الصراع السياسي المتعلق بنوايا انفصال الإقليم، والجدل الذي تمخّض عن استفتاء الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي. وظهرت هذه الجماعة، إبان تنفيذ القطعات العسكرية التابعة لبغداد خطة انتشار واسعة سيطرت بموجبها على مناطق شاسعة كانت تخضع لسلطة قوات البيشمركة الكردية منذ أعوام.

واستغلت بغداد إقدام كردستان على إجراء استفتاء بشأن الاستقلال، ودفعت بقواتها إلى أراض تحت السيطرة الكردية منذ العام 2014، الذي شهد اجتياح تنظيم داعش لمدينة الموصل.

ومع انسحاب القوات الكردية إلى مناطق قرب حدود الإقليم المعروفة قبل العام 2003، ظهرت فراغات في جيوب جغرافية معقدة التضاريس استغلها مسلحو داعش الهاربون من الموصل للاختباء.

ولكن قوات الحشد الشعبي، التي أسهمت في خطة تنفيذ إعادة الانتشار ما أتاح لها الاقتراب كثيرا من المناطق الكردية، اتهمت مسعود البارزاني، وهو زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، أعرق الأحزاب الكردية وأكبرها، وعرّاب استفتاء الانفصال، بدعم عناصر من تنظيم داعش في مناطق الفراغ الناجم عن انسحاب البيشمركة.

بقايا داعش

وفقا لمصادر اسختباراتية عراقية، فإن داعش ما زال يحتفظ بجزء من قوته في البلاد، بالرغم من إعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي، في التاسع من ديسمبر 2017، “النصر النهائي” على التنظيم.

وتقول المصادر لـ”العرب”، إن “مقاتلين من تنظيم داعش ما زالوا يختبئون في مجاهل تلال حمرين التي تمتد على أراضي 3 محافظات عراقية، هي ديالى وصلاح الدين وكركوك”.

مصادر استخباراتية تؤكد أن مقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية ما زالوا يختبئون في مجاهل تلال حمرين التي تمتد على أراضي ديالى وصلاح الدين وكركوك وفي صحراء البعاج التابعة لمحافظة نينوى

وتضيف أنه فضلا عن ذلك، فإن التقديرات تشير إلى وجود تجمعات لعناصر داعش في صحراء البعاج التابعة لمحافظة نينوى ووادي القذف في غرب الأنبار.

ويربط خبراء أمنيون ومراقبون بين هذه التقديرات، وهجمات وقعت مؤخرا قرب كركوك. ويقول خبراء أمنيون لـ”العرب”، إن “تنظيم داعش يمكنه مواصلة عمليات المشاغلة في محيط مناطقه الوعرة في 5 محافظات عراقية، لكن تأثيره الأكبر سيكون قرب كركوك”، الغنية بالنفط ويسكنها خليط قومي.

ويقول الخبير الأمني هشام الهاشمي، إن “المثلث المحصور بين مناطق شمال وشرق محافظة ديالى وشمال محافظة صلاح الدين وجنوب غرب محافظة كركوك، الذي تبلغ مساحته نحو 18 ألف كم2، شهد مؤخرا انتكاسة أمنية”.

وأضاف أن “هذه المنطقة شهدت مقتل 6 عناصر من الحشد العشائري، في مواجهات مع داعش، فضلا عن عمليات خطف واغتيال لشخصيات عشائرية وموالين للحكومة العراقية”.

ويقول الهاشمي، إن “تهديد الفلول الداعشية المختبئة في أنفاق وتلال وصحاري العراق والمنتشرة في حوضي دجلة والعظيم وفي تلال وحوض حمرين ومطيبيجة وفي حوض الثرثار وصحراء الحضر وصحراء البعاج وأودية حوران والأبيض والقذف، ومناطق جنوب سنجار، سيبقى حاضرا في المدى المنظور”.

وبين يومي الجمعة 29 ديسمبر والأحد 31 من الشهر نفسه، شنت عناصر من داعش هجمات على مناطق جنوب صلاح الدين، قتلت وجرحت خلالها ما يزيد على الثلاثين شخصا من قوات الأمن والمدنيين.

وما يزيد صعوبة العمل الأمني في هذه المناطق، تركيبتها الجغرافية التي تحضر فيها التلال الصغيرة والوديان والمساحات الزراعية الواسعة، وتنوعها الديموغرافي، حيث تسكنها جماعات من أعراق وأديان ومذاهب مختلفة.

ويقول الخبراء إن هذه المناطق لا يمكن السيطرة عليها من خلال عملية واحدة، بل هي بحاجة إلى حضور عسكري مستمر لتفكيك أي جهود للجماعات المسلحة لبناء قواعد خلفية فيها قد تستخدمها في شن هجمات على مدن قريبة.

وتقول مصادر استخبارية لـ”العرب” إن “أطرافا سياسية ووسائل إعلام تبتكر أسماء لمجموعات مسلحة تظهر في هذه المناطق”. وتضيف المصادر أن “التقديرات الميدانية تؤكد أن المسلحين الذين شوهدوا في مناطق تلال حمرين، هم من تنظيم داعش فروا من الموصل والحويجة، قبل وأثناء عمليات استعادتهما”، مشيرة إلى أن “أحزابا سياسية وصحافيين بالغوا في وصف قوة هؤلاء المسلحين، وأطلقوا عليهم تسميات مختلفة، أشهرها: أصحاب الرايات البيض”.

خبراء حللوا صورة تداولها نشطاء على أنها لراية التنظيم الجديد، وهي بيضاء يتوسطها رأس أسد، وقالوا إنها معدلة بالفوتوشوب

اتهامات متبادلة

تابعت المصادر أن “هذه المجموعة هي من بقايا داعش، وكل ما يدور بشأن ربطها بتنظيم جديد تأويلات لا تستند إلى معرفة ميدانية”. وبسبب ظهور هذه المجموعة في مناطق الفراغ بين المواقع التي تنتشر فيها القطعات الاتحادية والمناطق التي تحت سيطرة البيشمركة يتقاذف كلا الطرفين اتهامات بالمسؤولية عن دعمها.

ويقول قادة في قوات الحشد الشعبي، إن قوات البيشمركة التابعة للبارزاني، تستخدم مقاتلين من داعش اعتقلتهم في الموصل، لتهديد القوات الاتحادية في كركوك. ويضيف هؤلاء، إن “قوات البارزاني، جهّزت هؤلاء بمعدات حديثة، وطلبت منهم العمل تحت عنوان وراية جديدين، وسهّلت وصولهم إلى مناطق وعرة تشرف على مواقع تسيطر عليها القوات الاتحادية”.

لكن البيشمركة تنفي هذه المزاعم، وتقول إن فصائل مسلحة موالية لإيران تسعى إلى نشر شائعات في كركوك، بهدف تبرير وجودها فيها، وتخويف سكانها الأكراد، ودفعهم إلى مغادرتها.

ويعبر ساسة أكراد في أربيل عن مخاوفهم من أن “يتّخذ الحشد الشعبي من أصحاب الرايات البيض ذريعة لتوسيع مساحة انتشاره في مناطق محاذية لإقليم كردستان”.

ويؤكد القيادي التركماني في قوات الحشد الشعبي، أبورضا النجار، “قرب انطلاق عمليات تطهير الجبال المطلة على قضاء طوزخورماتو”، للقضاء على جماعة الرايات البيض. وقال النجار إن “الأيام المقبلة ستشهد انطلاق عمليات مشتركة بين القوات الأمنية والحشد الشعبي لتطهير الجبال المطلة على القرى التركمانية بقضاء طوزخورماتو”.

ويضيف أن “القرى التركمانية بالقضاء تشهد استهدافات عدة بين فترة وأخرى بقذائف الهاون”، مشيرا إلى أن “قواتنا بدأت بقصف موقع الانفصاليين بالراجمات محققة إصابات دقيقة في صفوفهم كخطوة أولى إلى حين انطلاق العمليات والتقدم بعمق المناطق التي يستهدفون المدنيين من خلالها”.ويستخدم النجار مصطلح “الانفصاليين”، لوصف قوات البيشمركة والمتطوعين معها، في إشارة إلى استفتاء الاستقلال الذي كان خطوة كردية في طريق الانفصال عن العراق.

وأوضح النجار، أن “هذه المجاميع تتكون من مجموعات من الانفصاليين وأنصار السنة ومجاميع من البيجاك وأحرار السنة أطلقوا على أنفسهم مسمى جماعة الرايات البيض”.

صراع بغداد وأربيل

لم تقف اتهامات الحشد الشعبي عند البيشمركة بدعم هذه المجموعة، بل امتدت لتشمل القوات الأميركية، التي تتهم الآن بإلقاء تجهيزات عبر الجو لعناصرها، ونقلهم جوا إلى مواقع تسهل لهم تنفيذ عمليات في كركوك.

وتقول مصادر صحافية في أربيل، عاصمة الإقليم الكردي، إن ساسة وصحافيين يخلطون بين “أصحاب الرايات البيض”، وبين “متطوعين” من القومية الكردية، أعلنوا حمل السلاح ضد القوات الاتحادية التي تسيطر على مدينة كركوك.

إن قوات البيشمركة التابعة للبارزاني، تستخدم مقاتلين من داعش اعتقلتهم في الموصل، لتهديد القوات الاتحادية في كركوك

وتداول نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة تظهر مسلحين ملثمين يتحدثون اللغة الكردية توعدوا القوات العراقية والحشد الشعبي في كركوك، ووصفوها بـ”القوات المحتلة”. وتعهد هؤلاء بقتال هذه القوات حتى إخراجها من كركوك، التي يعتقدون أنها يجب أن تخضع لإدارة كردية.

وقبل تنظيم استفتاء الاستقلال الكردي في سبتمبر ثم خطة إعادة الانتشار الاتحادية في أكتوبر، كانت كركوك تخضع كليا لسلطة الحزبين الكرديين الرئيسيين، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني، لكن هذا الحال تبدل كليا، وأصبحت المدينة تخضع لسلطة القوات العراقية والحشد الشعبي كليا، الآن.

وتقدم اللجنة الأمنية في محافظة ديالى، تفسيرا مختلفا لهذا الموضوع. ويقول مسؤولون أمنيون في المحافظة، إن مصادرهم الاستخبارية تشير إلى “بدء حزب البعث المنحل بتأسيس قوة مسلحة جديدة تستقطب أعوان الحزب وقياداته ومؤيديه في 6 محافظات يتم نقلهم بشكل سري إلى مراكز تدريب لغرض تشكيل فصائل ومفارز مسلحة”.

وقال صادق الحسيني، وهو رئيس اللجنة الأمنية في محافظة ديالى، إن “القوة المسلحة الجديدة، التي تحمل شعار راية بيضاء يتوسطها أسد، تمثل الجزء الثاني من مؤامرة كبرى تستهدف العراق بعد انتهاء فصل الجزء الأول والذي مثله داعش”، مشيرا إلى أن “التنظيم الجديد ليس له نشاط الآن في ديالى، لكن لا نستبعد بروزه في أي وقت في ظل وجود نشاط للحزب المنحل في بعض المناطق”.

لكن خبراء في مجال التقنيات حللوا الصور التي تداولها نشطاء على أنها لراية التنظيم الجديد، وهي بيضاء يتوسطها رأس أسد، ووجدوا أنها مفبركة. وقال هؤلاء، إن “جميع المواقع التي تناقلت صورة مفترضة لراية هذه الجماعة اعتمدت نسخة معدلة بالفوتوشوب”، ما يرجح فرضية أن “هذه الجماعة فكرة افتراضية، تستخدم لأغراض النزاع بين بغداد وأربيل”، على حد وصف مراقبين.

لكن، يؤكد مراقبون آخرون أنه حتى لو كانت هذه “الرايات” مجرد خيال، كما يقول البعض، ما الذي يضمن أن لا تتحول إلى حقيقة في بلد مثل العراق يكمل كل المقومات المثالية لنشأة التنظيمات الإرهابية، وكما نشأ داعش من رحم قاعدة الزرقاوي يمكن أن تتطور الرايات البيض إلى تنظيم داعشي جديد في ظل دولة المحاصصة والفساد واستمرار سيطرة إيران وميليشياتها الشيعية لدعم هذه الدولة.

7