رايات طائفية الولي الفقيه وتمذهبه ترفرف في سماء العراق

عراق ما بعد الاحتلال الأميركي في العام 2003 وجد فيه الولي الفقيه تربة خصبة للاستحواذ عليه وتقسيمه وفق الانتماءات المذهبية والطائفية كما وجد في السياسيين التابعين له الأداة المثلى لتنفيذ مشروع تصدير ثورته والتحكم في العراق وأهله ومستقبلهم الذي لن يكون إلا دورة في الحروب التي تترى على بلاد الرافدين وصولا إلى داعش والحشد الشعبي.
الجمعة 2015/06/26
نار الطائفية تأكل العراق تاريخا وحضارة ووجودا

هناك حرب في العراق، حرب هي ليست كالحروب الأخرى. ربما يذهب الذهن مباشرة إلى تلك الحرب التي تدخل في إطار الجهد العالمي لمكافحة الإرهاب. غير أن حرب العراق لا يمكن اختزالها في الغارات الجوية التي تقوم بها طائرات تحالف عربي ودولي أنشئ من أجل حدث طارئ.

تنظيم داعش الذي من أجله أنشئ ذلك التحالف يتمدد على الأرض ويتعامل بخفة وتمكّن مع ما يحيط به من مخاطر، صار يخترقها مثل شبح. أما الحشد الشعبي الذي هو عبارة عن تجمع لميليشيات شيعية فهو يراهن من جهته على نصر، ستكون مساراته غامضة، ذلك لأن صورة العدو بالنسبة إلى ذلك الحشد لا تتطابق تفاصيل ما هو معلن منها مع ما يرغب فيه الناس المتضررون من داعش.

أولئك الناس الذين توزعوا بين النزوح والتهجير واللجوء هم في حيرة من أمر ما يجري من حولهم. فلا داعش كانت قد سمت عدوّها ولا الحشد الشعبي كان قد استقر على هدف بعينه.

فهل أجّل المتحاربون جولتهم القادمة إلى أن ينكشف ذلك الغموض؟ ولكنّ حربا أخرى كانت قد وقعت من غير أن تنتهي إلى نتائج بيّنة. تلك هي حرب الهويات المتناحرة التي وضعتها سلطة الاحتلال الأميركي على الطاولة باعتبارها الخيار الوحيد لتعايش، سيكون هشا ومسموما إلى أن يدير العراقيون ظهورهم، بعضهم إلى البعض الآخر، لتبدأ بعدها حرب، يكون هدفها تقاسم ما تبقى من جثة العراق.

الحرب التي لن يكون بعدها التفكير في عراق موحد لن تكون ميسرة لكل الأطراف. فمن ثقلت موازينه سيمنّي النفس بأن يصل إلى نهاية السباق أولا. ولكن الوقائع تؤكد أن ما من طرف سيصل. استحقاق سيكون صعب المنال.

سيكتشف العراقيون أن عدوهم يقيم بينهم، وأن سياسييهم حفنة عملاء يتاجرون بدمهم في ظل رايات طائفية رخيصة

فالمهمّشون والمهجّرون والمشردون صاروا اليوم الرقم الصعب في عراق تخلى دستوره عن تاريخيته فصار عراق المكونات، الذي وضعت عروبته على الرف، وصارت العين التي تدمع من أجل عروبتها تُذم كما لو أنها نذير شؤم.

ولكنّ حربا على المهمشين، الذين هم بالملايين ستكون بابا لفرج، لن يكون العراقيون قادرين على استيعاب عناصره. تلك الحرب ليست جديدة، فهي خلاصة كل الحروب التي عاشها ويعيشها العراقيون. ما مضى منها وما لم يقع بعد.

في تلك الحرب لن يحصي العراقيون قتلاهم، ذلك لأنها ستكون مناسبة للكشف عن حقيقة أن عدوهم كان يقيم بين ثنايا ثيابهم، يقاسمهم سبل العيش، بل إنه كان يدير أزماتهم بما يجعلها قابلة للاستمرار إلى وقت غير معلوم.

الحرب على المهمشين هي أشبه بالقدر الذي لن يفلت منه أمراء الحرب، متعهدو الوصفات الطائفية الجاهزة. بالرغم من كل ما سيتخللها من أكاذيب، غير أن تلك الحرب ستكون أكثر حروب العراقيين صدقا. ذلك لأنها ستضع العراقيين كلهم في مواجهة المرآة. فإما أن يكونوا شعبا موحدا قرر أن يقاوم انقراضه الذي هو الفقرة الأخيرة في أجندة الاحتلال أو أن يذهبوا عبرة في التاريخ كما هو حال الأمم الغابرة ليكونوا حينها مجرد نفاية طائفية يلهو بها أمراء الحرب.

ليس لدى العراقيين من خلاص سوى الحرب. الحرب التي ستقربهم من خلاصهم وهم الذين أتعبتهم الحروب. ولكن العدو لن يكون سهلا هذه المرة. متى كان العدو سهلا؟ سيكتشف العراقيون يومها أن عدوهم يقيم بينهم، سياسيوهم الذين أضلوهم وخدعوهم وغرروا بهم.

حفنة العملاء الذين صاروا يتاجرون بدمهم في ظل رايات طائفية رخيصة، لا يفصح رفعها إلا عن التخلف والجهل وتغييب العقل وفقر الخيال. وما لم يخض العراقيون معركتهم الأخيرة ضد مَن أفقروهم ماديا وثقافيا، فإنهم سينقرضون.

13