رايمون كارفر تشيخوف واشنطن

السبت 2015/03/28
رايمون كارفر حارس ليلي وصياد ونزيل مصح عقلي كان أفضل من صور أميركا

يتفق النّقّاد بغالبيتهم على أنّ الكاتب الأميركي رايمون كارفر الذي ولد عام 1938، وتوفّي عام 1988 عقب صراع مرير مع مرض السّرطان، هو الوريث الشّرعيّ لكلّ من أرنست همنغواي وأنطون تشيحوف، ومثلهما هو يجسّد عبقريّة الإيجاز في جلّ القصص القصيرة التي كتبها، والتي ترك منها الكثير لكي يذيع صيته لا في بلاده فقط، وإنما في جميع أنحاء العالم.

ولد رايمون كارفر في ياكيما، وهي مدينة صغيرة في الجزء الشرقيّ من ولاية واشنطن. وكان والده عاملا في مَنْجرة محليّة. أمّا والدته فقد كانت مهتمّة بشؤون البيت فقط بين وقت وآخر تعمل بائعة في أحد المحلاّت التّجاريّة أو نادلة في مقهى، لكن لوقت محدود.

وقائع الحرب الأهلية

عن مناخ العائلة وتأثيره عليه، يقول رايمون كارفر “البيت الأوّل الذي أتذكّر أني عشت فيه كان يوجد على حافّة ميدان المعرض في ياكيما، كان ذلك في أواخر الأربعينات. وكنت بين الثامنة والعاشرة من عمري. كلّ يوم عند ساعة الخروج من العمل كنت أذهب لملاقاة والدي في موقف الحافلات.

في الأيّام العادية كان دائما منضبطا في مواعيده. لكن بعد كلّ أسبوعين تقريبا، لم يكن يأتي في الحافلة المعتادة. وكنت أنتظر الأخرى وأنا على يقين أنه لن يأتي فيها أيضا.

وعندما يحدث ذلك، يكون واضحا أنه ذهب مع أصدقائه ليمضي معهم وقتا طويلا في الشراب. لا زلت أتذكّر جوّ اليأس والمرارة الذي يخيّم على البيت في اللّيالي التي نجلس فيها نحن وحيدين أمام طاولة العشاء، أمي وأخي الصّغير وأنا”.

وكان والد رايمون كارفر يروي لابنه الصّغير حكايات كثيرة تتناول مواضيع مختلفة، والبعض منها تتحدّث عن وقائع الحرب الأهليّة التي عرفتها الولايات المتّحدة الأميركية خلال القرن التاسع عشر، لأن جدّ رايمون كان قد شارك في تلك الحرب وقاتل على الجبهتين. في البداية كان مع الجنوبييّن، ولمّا عاين أنهم على وشك أن ينهزموا، انتقل إلى الجبهة المعادية ليقاتل في صفوف الشمالييّن.

وكان الوالد يضحك كثيرا عندما يروي لابنه هذه الحكاية. ويقول رايمون كارفر “كنت أحبّ أن أكون مع والدي، والحكايات التي كان يرويها لي كانت تعجبني وتسعدني كثيرا، وكان يقرأ لي بصوت عال، ولم يكن يقرأ غير الكتب التي تتحدث عن رعاة البقر والتي كان يكتبها زان غراي. وكانت تلك الكتب هي الأولى في حياتي”.

ويواصل رايمون كارفر حديثه قائلا “مع مرور الوقت، تبيّن لي أن والدي يمتلك حديقة سريّة. وهو أمر لم يكن باستطاعتي أن أدرك كنهه، أو أن أفهمه. وكان ذلك في الأوقات التي أكون فيها مستغرقا في القراءة”.

كارفر الصياد

دارسو كارفر يشيدون بطريقته الآسرة في تناول المواضيع المتصلة بالحياة الأميركية الجديدة من خلال تفاصيلها وجزئياتها البسيطة والتي لا تلفت انتباه الآخرين

مبكّرا عشق كارفر الصبيّ الصّيد. ومرّة كتب قصّة قصيرة عن سمكة اصطادها غير أنها فرّت منه. وقد قبلت والدته أن تكتبها له بالآلة الكاتبة، ثمّ أرسلتها إلى إحدى الصّحف المتخصّصة في الصّيد.

ورغم أنّ القصّة أعيدت له عقب بضعة أسابيع، فإنّ الطفل شعر بسعادة كبيرة إذ أن أناسا آخرين، إضافة إلى والدته، قرأوا القصّة وأبدوا حولها ملاحظات راقت له.

ولم يكن رايمون كارفر ميّالا إلى الدراسة وكان أمله أن يعمل ذات يوم في المنجرة مثل والده. وقد عمل فيها بالفعل لمدّة سنتين، ثمّ غادرها غير آسف إذ اكتشف أنه ليس مؤهّلا للقيام بمثل ذلك العمل الشّاق.

ولم تكن فترة الشّباب أقلّ شقاء من فترة الطفولة. فقد تزوّج رايمون كارفر وهو في سنّ الثامنة عشرة من فتاة تصغره بعامين. وكان عليه أن يعمل في اللّيل، وفي النّهار يذهب للدراسة. وكانت زوجته تقوم هي أيضا بأعمال شاقّة.

وقد ازدادت الأوضاع تعقيدا عندما أنجب الزّوجان الشابان طفلين، عندئذ وجدا نفسيهما مضطرّين إلى السّفر إلى كاليفورنيا بحثا عن عمل أفضل. وهناك عمل كارفر حارسا ليليّا في أحد المستشفيات، وفي النّهار كان يستمع إلى المحاضرات في الجامعة.

ليالي ساكرامانتو

ذات يوم قبلت إحدى المجلاّت الأدبيّة نشر قصّة له، وبعضا من القصائد. وقد سعد رايمون كارفر بذلك كثيرا حتى أنه طاف بصحبة زوجته في المقاهي التي كان يرتادها في “ساكرامانتو” حيث كان يقيم ويعمل، عارضا المجلّة على أصدقائه ومعارفه.

ومنذ ذلك الحين اختار أن يكون كاتب قصّة قصيرة. ومفسّرا اختياره نجده يقول “في تلك السنوات التي كنت فيها أكتب، وفي الآن نفسه كنت مضطرّا إلى القيام بأعمال شاقّة ومهينة، أدركت أنه عليّ أن أكتب أشياء قصيرة لا تأخذ منّي الكثير من الوقت. إنّ كتابة روايات تتطلّب عاما أو عامين إن لم يكن أكثر من ذلك، لذا قرّرت أن أكتب فقط قصصا قصيرة وقصائد”.

وبسبب الأوضاع المادّية الصّعبة، أخذ رايمون كارفر يكثر من الشراب حتى أن “القنّينة أصبحت مركز حياته” كما كان يحلو له أن يقول، وبسبب ذلك كان عليه أن يمضي بعض الوقت في مصحّة “دي فيت” التي تستقبل المصابين بالأمراض العقليّة وعتاة المجرمين الذين يصابون بالجنون.

كانت منشورات “لوليفيه” الفرنسية قد قرّرت تخصيص مشروع كبير لرايمون كارفر يتمثل في إصدار أعماله الكاملة، وتناولت مجلة “باروسيون” أعمال الكاتب وحياته في إحدى مقالاتها وممّا ذكرته أنه ينجح في أن يروي العديد من الأشياء بكلمات قليلة

وعن تلك الفترة الصّعبة من حياته يقول “بسبب الإدمان عل الكحول أصبحت شخصا محطّما ومهدّما تماما. وبدأت أنسى ما كنت قد قلت أو فعلت. وكان بإمكاني مثلا أن أقود سيّارة أو أن أقرأ قصصا أمام الجمهور وأن أنام مع امرأة غير أني أنسى كلّ هذا بعد ذلك”.

وفي مطلع الثمانينات، بدأ رايمون كارفر يعرف الشّهرة، وأخذت المجلاّت الأدبيّة المرموقة تنشر قصصه وأشعاره. كما اهتمّ به النّقّاد وعنه شرعوا يكتبون مقالات تنوّه بكتاباته وبطريقته الآسرة في تناول المواضيع المتّصلة بالحياة الأميركيّة الجديدة من خلال تفاصيلها وجزئياتها البسيطة، والتي لا تلفت انتباه الآخرين. وأغلب شخصيات هذه القصص موظفون صغار يعانون من ضجر الحياة اليومية ومن رتابتها ومن خيبات في الحب وفي مجالات أخرى.

وراصدا مواصفات ما كتب من قصص في تلك الفترة يقول كارفر “إنّ شكل القصص الذي يستثيرني شخصيّا هو ذلك الذي يحتفظ بصلات وثيقة مع الواقع، مع العلم أن جميع الأشياء التي رويتها في قصصي لم تحدث أبدا غير أنها تحتوي دائما على عنصر من عناصر الواقع مثل جملة سمعتها أو مشهد حضرته أو شيء من هذا القبيل.

ويكون ذلك نقطة الانطلاق بالنسبة إلى القصّة التي أنوي كتابتها. والكتابة القصصيّة والروائيّة التي تهمّني أكثر من غيرها، سواء كان الأمر متعلّقا بتولستوي أو تشيكوف أو همنغواي أو إسحاق بابل، هي تلك التي تحتوي على بعض العناصر من السّيرة الذّاتيّة للكاتب أو تلك التي تحيلنا إلى بعض الوقائع المعيّنة، ولا يمكن أن تولّد رواية طويلة كانت أم قصيرة من الفراغ”.

ويضيف كارفر قائلا “في القصص التي أكتبها أحبّ أن يكون هناك خطر ما غير ملموس لكن يمكن أن نستشعره وهو يطوف حولنا ليحدث ما يمكن أن يصيبنا بشر ما. لا بدّ أن يكون هناك توتر في الهواء”. وقد أعجب المخرج السينمائي الكبير روبرت ألتمان بقصص رايمون كارفار، لذلك مزج البعض منها لتكون موضوعا لفيلمه الشهير “Short Cuts”.

وعن الكتّاب الذين أثّروا فيه يقول رايمون كارفار “هناك همنغواي وخصوصا قصصه الأولى. وهناك تشيكوف الذي يعجبني أكثر من غيره من الكتّاب. لذا كتبت قصّة مستوحاة من احتضاره في مستشفى ألمانيّ بحضور زوجته.

وعنوان هذه القصة هو “ثلاث زهرات صفراء”. وما أظنّ أن هناك أحدا في العالم لا يحبّ تشيكوف. وأنا أتحدّث هنا عن قصصه وليس عن مسرحيّاته التي لا أحبّها كثيرا.

وهناك تولستوي وأنا شديد الإعجاب بجميع الروايات والقصص القصيرة التي كتبها، فـ”أنّا كارنينا” و”الحرب والسّلم” طويلتان. أمّا “موت إيفان إيليتش” و”السّيد والخادم” فهما عملان عظيمان. وهناك إسحاق بابل الذي لم يكتب غير قصص فصيرة مثلي .وعليّ ألاّ أنسى “أناس من دبلن” لجيمس جويس وقصص كونراد و”مدام بوفاري” لفلوبير”.

وعن التّأثيرات التي فعلت فيه يضيف كارفر قائلا “عليّ أن أقول أيضا إن من بين التّأثيرات التي فعلت في حياتي بشكل حاسم كانت تأثيرات ابني البكر. فعندما ولد كنت قد بلغت سنّ العشرين وعلى مدى سنوات طويلة عشنا تحت نفس السّقف. وتأثيرات تلك الفترة الثّقيلة والمضرّة أحيانا شملت جميع جوانب حياتي”.

كارفر الصبي يعشق الصيد مبكرا، ويكتب قصة قصيرة عن سمكة اصطادها ثم فرت منه. وقد قبلت والدته حينها أن تكتبها له على الآلة الكاتبة، ثم أرسلتها إلى إحدى الصحف المتخصصة في الصيد. ومع أن القصة أعيدت إليه عقب بضعة أسابيع، إلا أن الطفل شعر بسعادة كبيرة صنعت مستقبله

وكانت منشورات “لوليفيه” الفرنسية قد قرّرت تخصيص مشروع كبير لرايمون كارفر يتمثل في إصدار أعماله الكاملة، وتناولت مجلة “باروسيون” أعمال الكاتب وحياته في إحدى مقالاتها وممّا ذكرته أنه ينجح في أن يروي العديد من الأشياء بكلمات قليلة، مختارة بعناية كبيرة، عبر جُملٍ قصيرة، وضمن مزيج من الخطاب الشفهي والتأملات الفلسفية.

كذلك ذكرت أن محتوى العمل الأدبي عنده يساهم بقوة في إبداع هذا المناخ الخاص والمتفرد جدا. حيث يرسم مناخات أميركا العميقة، البشر قليلي الحظ، الناس العاديين الذين يقعون أسرى لأوضاع، كان من المفترض أن تكون أوضاعا بسيطة وعابرة، إلا أنها تتحول إلى أحداث درامية، وقالت باروسيون إن أبطال رايمون كارفر أشخاص تعساء، بيد أنهم يعرفون كيف يتركون بصماتهم علينا، يصارعون طيلة الوقت كي يهربوا من أوضاعهم غير المحتملة، الدرامية التي يدخلون إليها بأقدامهم في بعض الأحيان ويقعون في شركها حيث لا مناص، وأرجعت ذلك إلى حياة كارفر نفسه، حيث عرف طيلة حياته هذا البؤس السيكولوجي والمالي.

رايمون الذي كتب القصة مع الشعر نجد أن من بين القصائد الأثيرة إلى نفسه تلك التي كتبها عن موت والده مستعيدا صورته عندما كان في سنّ العشرين وفي مطلعها كتب يقول:

“أكتوبر

في هذا المطبخ الرطب

الأليف قليلا

أتأمل الوجه الخجول والشاب لوالدي

ومبتسما بارتباك

كان يمسك بيد خيطا تتدلى منه ثلاث سمكات نهريّة

وبالأخرى زجاجة غالسباغ”.

15