راي توملينسون ابتكر البريد الإلكتروني دون مكافأة

السبت 2016/03/12
جعل لعلامة @ على لوحة المفاتيح معنى

إسطنبول - لم يعرف مستخدمو شبكة الإنترنت مجموعة خدماتها دون البريد الإلكتروني، منذ أصبحت شبكة الويب متاحة في منتصف تسعينات القرن الماضي، كانت الخدمة تشمل إمكانية إرسال الرسائل الإلكترونية بين المشتركين. لكنّ أحدا من هؤلاء لم يسأل عمّن قام بتصميمها أو اختراعها!

ربما يعود الأمر إلى تصور عام يقول إن خدمة الإنترنت لم تطلق للمستخدمين إلا بعد توفر كل معطياتها، لكن الوقائع تقول إن اكتمال عناصر هذا المزيج من الفوائد لم يأت دفعة واحدة، بل خضع لتراكم طويل، لعب في تكوينه عدد كبير من الأشخاص الذين ظلوا يعملون في مختبراتهم بصمت، بعيدا عن الإعلام، وبعيدا حتى عن تسجيل براءات الاختراع بأسمائهم.

ومن بين هؤلاء برز في الأيام الأخيرة اسم المبرمج الأميركي راي توملينسون، مخترع البريد الإلكتروني، الذي أعلن عن وفاته يوم الخامس من مارس 2016 عن عمر يناهز الرابعة والسبعين، بعد سنوات طويلة من العمل، مضت على طاولات المختبرات، وفي أروقة المؤسسات البحثية.

هنا لا يمكن لأيّ ممّن يستخدمون الإنترنت المرور بسرعة على هذا الخبر، فكل شخص يستفيد من الشبكة يقوم بإرسال وتلقي الرسائل الإلكترونية، ولعل التوقف عند تفاصيل حياة توملينسون، سيقودنا حتما إلى إعادة النظر بالمسلّمات، فالشبكة بنيت على إضافات، ساهم بها كثيرون، ويجدر بنا معرفة من هم ومعرفة أدوارهم التي قصرت المسافة بيننا وبين هذه التقنيات.

بالتأكيد فإن معرفة قصة اختراع هذه الخدمة سيمنح حيوات هؤلاء، شيئا من الفتنة، تقوم في تفاصيلها على بعضٍ من المصادفات، التي يروّج لها الإعلام على أنها كلّ الحكاية، ولكنها في الحقيقة جزء بسيط من سردية أكبر تقوم على التمحيص في العلم والمعرفة والدوافع العلمية.

حكاية البريد الإلكتروني

يتذكر القراء أن الإنترنت لم تكن مشروعا متاحا لجميع الناس في بدايتها، فقد نشأت كفكرة يتمّ البحث فيها وحولها منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، وقد جرت أول عملية توصيل بين أجهزة الكومبيوتر وباستخدامات بسيطة في العام 1969، عبر ربط أوائل الكومبيوترات من 4 جامعات أميركية، وليصبح العدد 23 في العام 1971 عبر شبكة أربانت أو مشروع وزارة دفاع الولايات المتحدة؛ والذي يعتبر النواة الحقيقة التي أدت إلى ظهور الإنترنت.

محطات في تاريخ البريد الإلكتروني
◄1971: مهندس الحاسوب راي توملينسون يخترع برنامج البريد الإلكتروني ويرسل أول رسالة إلكترونية في التاريخ.

◄ 1976: الملكة إليزابيث الثانية ترسل رسالة إلكترونية، لتكون أول زعيم في العالم يستخدم هذه الخدمة.

◄ 1978: شبكة تربط أجهزة حكومية وأخرى تابعة لعدد من الجامعات، تمرّر أول رسالة إلكترونية إعلانية، فيما بينها.

◄ 1982: كلمة إيميل أو بريد إلكتروني تدخل ضمن قائمة مفردات جديدة خلقتها شبكة الإنترنت.

◄ 1982: عالم الكمبيوتر الأميركي في جامعة كارنجي ميلون “سكوت فالمان” يخترع أول سمايلي أو التعبيرات الخاصة بالدردشة، ورسائل البريد الإلكتروني.

◄ 1997: مايكروسوفت تستحوذ على هوتمايل مقابل 400 مليون دولار أميركي.

◄ 1997: مايكروسوفت تطلق برنامج (آوت لووك) الذي يقوم بنقل البريد إلى جهاز المستخدم.

◄ 1998: فيلم You’ve Got Mail أو (وصلك بريد) للمخرجة Nora Ephron يحقق إيرادات كبيرة تفوق 250 مليون دولار أميركي في شباك التذاكر.

◄ 1998: إضافة كلمة سبام إلى قاموس أكسفورد للغة الإنكليزية.

◄ 1999: تداول الملايين من مستخدمي الإنترنت رسالة غير صحيحة مفادها أن بيل غيتس سيوزع ثروته على مستخدمي الإنترنت.

◄ 2003: هومر سيمبسون يقوم بالكشف عن بريده الإلكتروني في إحدى حلقات مسلسل الكارتون الشهير (عائلة سيمبسون).

◄ 2003: الرئيس الأميركي جورج بوش يوافق على القانون الخاص بتنظيم إرسال الرسائل الإلكترونية الإعلانية.

◄ 2004: إدراج الاختصارات الخاصة بالدردشة مثل لول وغيرها في قاموس أكسفورد للغة الإنكليزية.

◄ 2004: منظمة التجارة الاتحادية الأميركية تسن قوانين لمعالجة ظاهرة الرسائل المزعجة (السبام).

◄ 2004: تقديم الرسائل البريدية والتي تشمل الوسائط المتعددة ملتيميديا.

◄ 2005: تطوير أول تقنية للتحقق من هوية المرسل.

◄ 2007: غوغل تقدم خدمة البريد جيميل للمستخدمين حول العالم.

◄ 2007: استحداث تقنيات خاصة بمحاربة تصيّد معلومات المستخدمين عبر الإنترنت.

◄ 2008: باراك أوباما يستخدم في حملته الانتخابية قاعدة بيانات تضم 13 مليون عنوان بريد إلكتروني.

◄ 2011: وكالة أسيوشيتد برس تقوم بإزالة إشارة “-” من كلمة إيميل باللغة الإنكليزية.

◄ 2016: رحيل مخترع البريد الإلكتروني راي توملينسون إثر نوبة قلبية.

*العلامة @ تم احتكارها الان بعد أن صار تويتر يشارك الايميل فيها

في هذه المؤسسة ولدت فكرة البريد الإلكتروني، فقد كان الباحثون الذين يعملون على جهاز الكومبيوتر يقومون بترك الرسائل لبعضهم على الجهاز ذاته، من خلال برنامج بسيط ساهم راي توملينسون في تصميمه حمل اسم “SNDMSG”، ووفقا لما يقدمه البرنامج فإن على المستخدم أن يصنع ملفا توضع فيه الرسالة، التي يمكن تبادلها بين شخصين أو أكثر ممّن يشتركون في جهاز كمبيوتر واحد.

وبحسب راي توملينسون فإن صندوق البريد لم يكن إلا ملفا “يكتب فيه المستخدم رسالته، ولا يمكن للقارئ إعادة الكتابة عليه أو تحريره، بل يمكنه قراءته فقط”.

وتقول الوقائع إنه في الفترة ذاتها كان راي قد صمم برنامجا آخر يدعى “CYPNET” يسمح بنقل الملفات من جهاز كمبيوتر إلى آخر، على أن يكون الجهازان مرتبطين بشبكة أربانت. ومن خلال مقاربته لإمكانية دمج البرنامجين في صيغة واحدة، والعمل على التفاصيل التقنية تمكّن راي من نقل واقع الفكرة إلى مرحلة متقدمة عبر وضع النموذج الأول لبرنامج إرسال البريد الإلكتروني في العام 1971، ولكن هذا الاختراع كان يحتاج إلى إضافات مهمة، تتعلق بأوليات فكرة البريد ذاتها، فحينما يقوم المرء بإرسال رسالة ورقية تقليدية فإنه يقوم بتسجيل عنوانه كمرسل مع عنوان المرسل إليه، ليكون مخطط سير الرسالة واضحا، وبالنظر إلى أن شبكة أربانت كانت تقوم على عدد من الأجهزة الموزعة في أماكن متفرقة كان لا بد من البحث عن أدوات تمكّن المستخدم من التمييز بين المرسل والمرسل إليه، ومكان الإرسال ومكان وصول الرسالة، فوجد توملينسون الحل في ابتكار رمز يوضع بين اسم المرسل والموقع الذي يفترض أن ترسل منه الرسالة.

وهنا يقول “تأملت لوحة المفاتيح. حاولت العثور على رمز لا يستعمله الأشخاص عادة ضمن أسمائهم، لم أرد أن يكون هذا الرمز رقما، فكان الرمز @ هو ما اخترته من الرموز الموجودة على لوحة المفاتيح. إنه حرف الجر الوحيد الموجود على اللوحة”. وهكذا تمكّن من إرسال أول رسالة تجريبية بين جهازين.

يقول توملينسون عن تجربته هذه “أول رسالة كانت قابلة تماما للنسيان وفي الواقع نسيت ما جاء فيها. كانت على الأرجح تحوي الحروف الأولى من لوحة مفاتيح الكمبيوتر بالإنكليزية أو شيئا من هذا القبيل. أرسلت عددا من الرسائل إلى نفسي من جهاز إلى آخر وعندما تبيّن لي أن البرنامج يعمل على ما يبدو وجهت رسالة إلى بقية أفراد الفريق موضحا لهم كيفية توجيه الرسائل عبر الشبكة”.

وحين انتشر خبر النتائج التقنية التي توصّل إليها بين العاملين في الشبكة، تحوّل هؤلاء إلى استخدامها في سياق مراسلاتهم الداخلية، وضمن هذا السياق تحوّل وجودها إلى أمر طبيعي، دون أن يقوم مخترعها بتسجيلها لنفسه، حيث أن كل ما يتم إنجازه يندرج ضمن سياق العمل في الشبكة التي ساهمت في تكوينها شركة (بي بي إن) التي عمل بها راي بعد تخرجه في العام 1965 من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا. وشيئا فشيئا كانت خدمة البريد الإلكتروني تخرج من المختبرات، لتصبح عتبة لتطور تقني هائل سينطلق بعد قليل من الوقت، وهكذا في خطوة رمزية قامت الملكة إليزابيث الثانية في العام 1976 بإرسال رسالة إلكترونية، لتكون بذلك أول زعيم يستخدمها، وفي العام 1978 ظهر أول بريد إلكتروني إعلاني جرى تبادله عبر شبكة من الكومبيوترات الحكومية وكومبيوترات الجامعات.

تطور الفكرة

في العام 1982 ظهرت عبارة الشبكة العالمية التي صار اسمها لاحقا الإنترنت، وورثت كل ما تم إنجازه في شبكة أربانت، وتم استحداث كلمة إيميل أو بريد إلكتروني، ولكن هذا الاختراع ظهر دون مالك، ولم يسجّل كاختراع باسم أحد، وانتشر بين كل مستخدمي الإنترنت، ولكنّ الهندي صابر باتيا ومعه الأميركي جاك سميث اللذين قاما بتأسيس شركة هوتميل للبريد الإلكتروني عام 1995، وأطلقاها تجاريا في 4 يوليو 1996، كانا يعملان على ذات المخطط الأوّلي الذي أنجزه توملينسون، ولكن مع إضافات جديدة أساسية، خلقتها عملية تطور شبكة الويب. وهكذا اختارا اسم هوتميل “لأنه يتضمّن حروف ‘إتش تي إم إل’ وهي لغة الترميز المستعملة لكتابة قواعد صفحات الويب”.

وفي السابق كانت الخدمة تسمى (“HoTMaiL” الحروف المكونة لـ HTMLكبيرة). ولم يمض وقت قصير على إطلاق هذه الخدمة حتى وصل عدد المشتركين بها إلى 8.5 مليون شخص، ما فتح شهية شركة مايكروسوفت صوبها فقامت بشرائها لقاء 400 مليون دولار أميركي، ولتصبح بعدها جزءا من مجموعة ( إم إس إن) التي تديرها مايكروسوفت. ولتتوالى بعد ذلك عملية تطوير الخدمة وصولا إلى ما هي عليه حاليا.

هوامش توملينسون

التحولات التي أحاقت باختراع راي توملينسون البسيط، والذي كان يمكن له أن ينقله إلى عالم الأثرياء، كان يقابلها من جهته بالسخرية والقول “عادة ما ينتهي الابتكار بمكافأة. لكن هذا الابتكار كان استثناء!”. وهكذا بقي رغم عظمة إنجازاته العلمية، يعمل في الشركة ذاتها، “بي بي إن”، التي ابتاعتها شركة “جي تي إي” وضمتها إلى مجموعتها. وظل عمله منصبّا على تطوير برمجيات التجارة الإلكترونية، لجعلها أكثر أمنا. ولكنّ المؤسسات العلمية لم تتجاهل منجزات الرجل فتمّ منحه في العام 2000 جائزة جورج ر. ستيبيتز في ريادة الكومبيوتر من المتحف الأميركي للكومبيوتر بالتعاون مع قسم علم الكومبيوتر من جامعة ولاية مونتانا.

وفي عام 2001 حصل على جائزة ويبي من الأكاديمية الدولية للفنون الرقمية والعلوم بسبب إنجازه الاستثنائي الذي غير مسار حياة العالم للأفضل. وتمّ ادخاله في السنة ذاتها (2001) في قاعة مشاهير خرّيجي جامعة رينسيلار. وفي العام 2002 قامت مجلة Discover بمنحه جائزة الإبداع. بعد عامين من آخر جائزة حصل عليها في 2002، تلقى توملينسون من معهد مهندسي الكهرباء والإلكترونيات (جمعية مهندسي الكهرباء والإلكترونيات) جائزة الإنترنت مع زميله دايف كروكر. وفي عام 2009، تم منحه جائزة “أمير أسترياس” مع مارتن كوبر تكريما لجهوده في البحث العلمي في مجال العلوم والتقنيات.

وبحلول عام 2011 تم إدراجه على لوحة “أفضل 150 اختراعا وفكرة” من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وقد احتل المرتبة الرابعة من بين الـ150 مرتبة.

14