رباب نمر ترسم البحر مسكونا بضياء القمر

الإنسان هو محور الفكر الفني عند الفنانة المصرية رباب نمر منذ البداية، وتشغل المرأة جانبا كبيرا من هذا الفكر، على الرغم من أننا في كثير من الأحيان عندما نتأمل أعمالها نكاد نفرق بصعوبة بين الرجل والمرأة؛ كلاهما بالنسبة إلى الفنانة يشكل مفهوم الإنسان. فالبحر، والصياد، والسمك، وطائر النورس، والمراكب… كل ذلك يصوغ وجدان الفنانة بحكم ارتباطها بمدينتها الإسكندرية، وكل هذه العناصر تشكل عالمها.
الخميس 2015/06/04
الرسامة تنحت عناصرها على الورق

مبكرا تنبأت أعمال الفنانة المصرية رباب نمر بضرورة الثورة، بل بحتميتها، فازدحمت صورها بالإنسان في تكتل إيذانا بتجمعات ميادين الثورة، ولقد أشار نقاد كثيرون إلى أن هذا حاصل في أعمالها قبل قيام الثورة. أعمالها محرضة على الثورة ضد قهر الإنسان. ففي تلك الفترة تنحّى اللون جانبا وتصدّى للتعبير عن هذا فقط اللونان الأبيض والأسود. فزادت حدة التعبيرات وتحولت نظرات الصمت في الأعمال إلى صرخات تكاد تسمع بين ثنايا نسيج الصورة.

هذا التزاحم والتلاصق بين الناس يدعو إلى التكتل والاتحاد ضد الظلم، مطالبة بحقها في الحياة الكريمة. وقد راعها وأبهرها دور المرأة المصرية في الثورة بحضورها الطاغي، والذي أضاف إلى الثورة قوة فاعلة جديدة، فكانت البسمة على وجه الحياة في مصر، مبشرة بروعة المستقبل، وكانت المرأة بحق أيقونة الثورة. لكل هذا قدمت الفنانة رباب نمر أعمالا في معرضها تحية وتقديرا خاصا للمرأة المصرية.

وللفنانة رباب نمر طقوس خاصة في بناء العمل الفني، مفرداتها واضحة، وموضوعها هو الإنسان، من هنا فهي تبدأ مباشرة في التصميم بطرح مجموعة من العناصر على السطح، ترتبط ببعضها البعض ارتباطا محكما. إنها تمتلك خبرة واعية في كيفية خلق عمارة تشكيلية تحكم عناصر البناء في تماسك عضوي، محسوبة في توزيع الكتلة، والظل والنور، والأبيض والأسود… واللون.

كل هذا بميزان حساس دقيق، مما يخلق في النهاية صورة على هيئة سيمفونية تشكيلية محكمة البناء، حتى أن لحظات الصمت في الموسيقى والمقابلة لشكل الفراغ في التشكيل، تصبح عنصرا فعالا وحاضرا بقوة في بقية العنــاصر المشكلة للعمل الفني.

وبعد أن تطمئن الفنانة للتصميم، تبدأ المعالجة وفقا لطريقة خاصة جدا بها لا يضاهيها آخرون في هذا الأداء. فالمعروف أن مساحات الصور عند الفنانة شاسعة جدا إذا ما قيست بالتقنية المستخدمة، فهي تستخدم أداة في التنفيذ في غاية الدقة والصعوبة، وهي أقلام “الربيدوغراف” في أدق سمك لها.

وعندما تمسك الفنانة بهذا القلم، وتشرع في العمل تبدأ في الاندماج الكامل مع العمل كما تقول، فتبدو كما لو أنها تحتضن القلم بأناملها، إذ يتحول في يدها إلى ما يشبه إزميلا بيد نحات يعمل أمام قطعة الغرانيت.

فهي في الحقيقة تقوم بنحت عناصرها على الورق، وهي في حالة اندماج يصل إلى حدّ الاتحاد مع القلم وسطح الورق. وبعد أن تنتهي من توزيع مساحات الأبيض والأسود على المسطح محددة به مناطق الظل والنور، تصبح هنا الصورة مكتملة تماما.

فالبناء هنا قد عولِج كما لو أن الصورة قائمة على العلاقة بين الأبيض والأسود، ويمكن عرضها على المتلقي هكذا، لكن الصورة في حالتها هذه أي الأبيض والأسود تعتبر للفنانة مجرد مرحلة، تبدأ بعدها في طرح اللون على الأبيض والأسود، كما لو كانت منذ البداية تفكر في أن بناء الصورة قائم على القيمة اللونية. ثم تنتهي الصورة، وقد سيطر اللون كاملا عليها، أو كان مشاركا مع الأبيض والأسود في التصميم.

إن بناء الصورة عند الفنانة رباب نمر قائم على وعي كبير بعنصرين أساسيين في بناء العمل الفني، أحدهما يلتحم ويتسق مع المعاصرة، وهو الجانب القائم على العلم: عماد الحياة في العصر الحديث، ويتأكد هذا في التركيب الهندسي والرياضي، والذي بزغ من التطبيق العلمي بنظرياته في الإبداع الفني في التكعيبية، إبان بدايات القرن العشرين. ثم تلك الحالة الوجدانية التعبيرية التي تطل أمام عيون الناس في أعمال الفنانة. إن أعمالها بحق تؤكد على هذا الإشباع العقلي والوجداني معا، وهما المكونان الأساسيان للإنسان، ومن هنا فإن أعمال الفنانة رباب نمر إنما تؤكد عل هذه الحالة من التوازن التي فُطر الإنسان عليها.

16