رباعيات الخيام.. فلسفة الحياة في ديوان غير متفق على مؤلفه

عمر الخيام أسطورة وكل شيء في حياته معروف حتى مقبرته، ولكن إنجازاته العلمية لا يعرفها إلا المتخصصون.
السبت 2019/06/01
أم كلثوم أحدثت تغييرات كثيرة في أبيات الخيام

احتفل محرك البحث “غوغل”، السبت 18 مايو 2019، بعيد ميلاد عمر الخيام المولود في 18 مايو 1048، وهو غياث الدين أبوالفتوح عمر بن إبراهيم الخيام المولود في مدينة نيسابور عاصمة خراسان. وذكْر اسم عمر الخيام، أمام من له إلمام بشيء من الغناء، يستدعي على الفور “رباعيات الخيام” بصوت أم كلثوم. فإذا كان لهذا المستمع فضول معقول إلى القراءة، فربما يحتفظ بنسخة من ترجمة الشاعر أحمد رامي للرباعيات. ولن يتردد المسلم المتدين المصدق لما يقوله الواعظون في اتهام الخيام بالانحلال الأخلاقي والزندقة والإلحاد. وسيرى عشاق الحياة في سيرة الرجل ورباعياته اتساقا مع حيرة النفس الإنسانية وأشواقها، وتذبذب المسلم بين الإيمان بالغيب والقلق الوجودي والبحث عن يقين مراوغ، فتبدأ دورة الحيرة من جديد.

وأما الباحث الذي ينطلق من الغيرة على الدين، فهو يريح نفسه بنفي نسبة الرباعيات إلى عمر الخيام، ويعتبرها جزءا من المخطط الاستعماري الغربي لتشويه أحد أعلام المسلمين، ومن هذه الزاوية أو من هذا الاعتقاد قد يرى، في اهتمام “غوغل” بذكرى الخيام، ما يعزز هذا اليقين.

أن تحظى ثقافة ينتمي إليها عالم في الفقه والفلك والرياضيات، ولا يدّعي الشعر، بديوان بهذا العمق والرشاقة والإيجاز مثل “رباعيات الخيام”، فهي ثقافة محظوظة بثروة إبداعية، تعبُر الأزمنة واللغات وتدعو إلى الفخر؛ ومهما تعظم الإضافات العلمية التطبيقية فتظل منتمية إلى عصرها، لبنة في بنيان ذي طبيعة رأسية، ينسخ اللاحق فيه السابق الذي يحتفظ لنفسه بصفحة في كتاب “ذاكرة العلم”. وأما الإبداع الفلسفي والشعري والأدبي عموما فيسري في ضمير الكون، ويتجاور مع السابق، ويلهم اللاحق الذي لا ينسخه.

لا تفرّط الأمم في ذخيرتها من الإبداع الفني والمعرفي، ولا تتبرأ من أساطير ربما كانت ذات يوم حقائق وتفاصيل يومية عاشها أفراد، وشهد عليها معاصروهم. لا يجهد المصريون والعراقيون أنفسهم بالبحث لمطابقة أسطورتي إيزيس وأوزير وجلجامش بالحقائق التاريخية. ويقال إن الشاعر الإغريقي هوميروس أسطورة نسب إليها تأليف الأثر الملحمي “الإلياذة والأوديسا”.

وأما عمر الخيام فمعروف متى وأين ولد؟ وكتب عن حياته مؤرخو الأعلام، ووصفوا كل شيء بما في ذلك مقبرته. وهكذا لا يكون عمر الخيام أسطورة، ولكن إنجازاته العلمية لا يعرفها إلا المتخصصون، وما بقي منه لعموم الناس هو الرباعيات مقترنة باسمه، أيّا كان مؤلفها أو مؤلفوها.

بدأت حكايتي مع عمر الخيام منذ الصبا، ولم تكن عبر صوت أم كلثوم؛ فالأجواء السلفية تحرّم الموسيقى والغناء، وفي أحسن الحالات تضعهما في باب الكراهة، وأحتفظ بكتب في هذا المجال منذ قرابة أربعين عاما لابن تيمية وابن القيم وبعض تلاميذهما الروحيين. كانت البداية مع شريط كاسيت يسجل خطبة جمعة للشيخ عبدالحميد كشك، وفيه يصرخ ساخرا من عمر الخيام، “الخيام الشاعر الذي نادى بأعلى صوته”، قائلا:

أطفئ لظى القلب بشهد الرُّضاب/ فإنما الأيام مثل السحاب

وعيشنا طيف خيال فنلْ/ حظك منه قبل فوت الشباب

وفي وقت لاحق سأكتشف أن هذه الرواية كلثومية، لم يقلها الخيام، وإنما ترجمها أحمد رامي ومارست فيها أم كلثوم جبروتها الذكي المعتاد بالتصرف، تفاديا للحساسيات الدينية والأخلاقية. وأصل ترجمة رامي للبيت الأول “أطفئ لظى القلب ببرد الشراب”، ولو كان الشيخ قرأ النص المنشور للرباعيات لاستخدمه في المزيد من تسويغ الهجوم على شاعر يدعو صراحة إلى شرب الخمر.

خيارات أم كلثوم

أحمد رامي وأم كلثوم مكنا الرباعيات من صيت عربي واسع
أحمد رامي وأم كلثوم مكنا الرباعيات من صيت عربي واسع

قبل نحو مئة عام، كانت رباعيات الخيام مجهولة تقريبا في العالم العربي. وفي عام 1924 نشرت طبعتها الأولى بترجمة أحمد رامي. وفي هذا المقال أعتمدُ على طبعتها التي كتب رامي مقدمتها في مارس 1950، ويزيد عدد رباعياتها على 160 رباعية، وتبدأ بما غنته أم كلثوم وتختتم بها أيضا، ولكن المطربة المشهورة بالصرامة وجودة الانتقاء اختارت 15 رباعية لحنها رياض السنباطي، وغنتها للمرة الأولى في 2 فبراير 1950. وبداية الرباعيات المطبوعة:

سمعت صوتا هاتفا في السحَر/ نادى من الْحان: غفاة البشر

هبوا املأوا كأس الطلى قبل أن/ تفعم كأسَ العمر كفُّ القدر

ولكن أم كلثوم وضعت “الغيب” بدلا من “الحان”، وحذفت “الطلى” واستبدلت بها “المنى”، وكذلك اعتمدت “تملأ” مكان “تفعم”. والكلمة الأخيرة للتخفيف والتسهيل على المستمع بلفظ شائع. وأما كلمة “الطلى” فسبق لها أن أبقت عليها، في مطلع قصيدة أحمد شوقي “سلوا كؤوس الطلى”، حين غنتها في 7 فبراير 1937؛ لأن سياق الجملة استفهامي يفيد النفي: “سلوا كؤوس الطلى هل لامست فاها؟”، على العكس من السياق الخيّامي الداعي إلى إيقاظ “غفاة البشر”، وتنبيههم إلى ضرورة الاغتراف من الملذات قبل الموت.

أما نهاية الرباعيات المطبوعة فهي:

يا عالم الأسرار علم اليقين/ يا كاشف الضرّ عن البائسين

يا قابل الأعذار فِئْنا إلى/ ظلك فاقبل توبة التائبين

ولم يسلمْ البيت الأخير أيضا من تخفيف كلثوميّ يراعي الاختلاف بين قارئ قصيدة ومستمع أغنية يميل إلى “عُدْنا”، بدلا من “فِئْنا”. غيّرت أم كلثوم كثيرا في أغلب الأبيات، كما أعادت ترتيب الرباعيات في الأغنية انطلاقا من ذروة التمرد المصحوب بالرغبة من ارتشاف ملذات الحياة، واللامبالاة بأمس أو غد، اكتفاء باللحظة الحاضرة وما تتيحه من متعة، أو ما يجب أن يتقصى الإنسان في يومه من الملذات، قبل أن يأتي غدٌ يخبئ ما قد يخيب الظنون. ثم تخفت حدّة هذا الاندفاع فنرى التراوح بين التفاؤل والتشاؤم، القدرية والتصوف، التُّقى والعبثية، واليأس من جدوى الحياة. ثم يأتي بصيص من الحكمة وتبصّر العبر، في اقتراب من فلسفة أبي العلاء المعري، بالمشي في تواضع، “الهوينى”، فأديم الأرض ليس فقط من هذه الأجساد، وإنما “هذا الثرى من أعين ساحرة الاحورار”، وما أكوابنا إلا من طين تمتزج فيه رؤوس الملوك بأقدام السوقة. وبعد الثورة على القدر والشكوى من غياب الإرادة يطلب الرحمة، أملا في كرم الله، على الرغم من قوله في رباعية لم تغنها أم كلثوم:

فصُغْ وعاء الخمر من طينتي/ واملأه تسرِ الروح في جثتي

ما لم تختره أم كلثوم من الرباعيات للغناء، وإن احتفظ بعمقه الفلسفي وقوته التعبيرية، فإنه يفقد الكثير من حرارته ودفء الشعور به:

كان الذي صوّرني يعلم/ في الغيب ما أجني وما آثم

فكيف يجزيني على أنني/ أجرمت والجرم قضا مبرم

وكذلك مناجاته لله في ضعف وتوسل:

إن كنت لا تغفر ذنبي فما/ فضلك يا ربي على العالمين

عاش الخيام أغلب حياته في نيسابور، طالبا وعالما، وامتاز في علوم الطبيعة، وطبق علوم الرياضيات على الفلك، فدعاه السلطان ملك شاه مع جمع من العلماء إلى إصلاح التقويم فأخرجوا التقويم الجلالي الذي يبدأ من يوم النيروز (16 مارس 1079 ميلادي، 10 رمضان 471 هجري). ويقول رامي إن هذا التقويم لا يزال عيدا من أعياد الفرس إلى اليوم، وإنه ألّف “الكثير من الكتب العلمية ولكنه لم يعش للآن إلا في رباعياته”.

لن يتردد المسلم المصدّق لما يقوله الواعظون في اتهام الخيام بالانحلال الأخلاقي والزندقة والإلحاد. وسيرى عشاق الحياة في سيرة الرجل ورباعياته اتساقا مع حيرة النفس الإنسانية وأشواقها

لم يكن الخيام شاعرا محترفا يحرص على توثيق شعره، ويذكر رامي أن الخيام كان ينشد رباعياته لأصحابه في المجلس فتنتشر، كما يرجح أن يكون “جمعها أو جمعها أحد خلصائه ثم ضاعت” عندما تعرضت نيسابور للغزو والإحراق. ولا تسمح الرباعيات بوضع تصور لأطوار حياته، ومراحله الذهنية أو النفسية، إذ كان ينظمها كلما أوحى إليه خاطره بها، وقد ضاع الكثير من الرباعيات. وبعد موته تعاقب النساخ على مخطوطاتها، “فغيرّوا الكثير من معالمها.. ودسّوا من شعر غيره وأثبتوا له من القول ما برئ منه لسانه. وكيف لا يكون قد دبّ التحوير إلى هذه الرباعيات من أول الأمر، وأقدم مخطوط لها كتبه أحد سكان شيراز سنة 865 هجرية، أي بعد موت عمر بخمسين وثلاثمئة سنة؟”. ويرى أيضا أن عددها قد زاد عما نظمه الخيام، في ضوء المقارنة بين أقدم مخطوطات للرباعيات وعددها 158 في أكسفورد، ووجود 300 رباعية في أحد مخطوطات جامعة كمبريدج.

أما المنشور منها باللغات المختلفة فيتفاوت عدده أيضا، منذ ترجم الشاعر الإنكليزي إدوارد فيتزجيرالد 75 رباعية عام 1858. وفي عام 1867 ترجم نيقولا مترجم السفارة الفرنسية في فاس 64 رباعية، عن نسخة طهران المطبوعة على الحجر. فتشجع فيتزجيرالد ونشر طبعة ثانية عام 1868. وفي عام 1882 ترجم ونفيلد إلى الإنكليزية 58 رباعية جمعها من عدة نسخ. وذاعت شهرت الرباعيات فتأسس عام 1892 في لندن ناد باسم الخيام. وفي عام 1921 وجد الدكتور روزن في برلين نسخة قديمة للرباعيات تضم 329 رباعية ترجع إلى عام 721 هجري، “ولكن الخط والورق يدلان على حداثتها عن ذلك العهد”، ونشرها روزن عام 1922 فأمده محمد قزويني، أمين المخطوطات الفارسية بالمكتبة الأهلية بباريس، بصورة لمجموعة تشمل 13 رباعية.

دروب متشابكة

وفي عام 1930 اكتشف أول مخطوط مصور للرباعيات بخط أحد سكان مدينة مشهد سنة 911 هجرية. ومن أشهر الذين درسوا الرباعيات المستشرق الروسي زوكفسكي الذي وجد 82 رباعية “مدسوسة على الخيام، وردّ نسبتها إلى تسعة وثلاثين شاعرا من شعراء الفرس”، منهم عبدالله الأنصاري والعسجدي ونصرالدين الطوسي وجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. ولكن كريستنسن الدنماركي درس الرباعيات وقارن النسخ المخطوطة والمطبوعة، وتمكن من نسبة 210 رباعية “قطع بصحة نسبتها إلى الخيام”.

قبل نحو مئة عام، كانت رباعيات الخيام مجهولة في العالم العربي. وفي عام 1924 نشرت طبعتها الأولى بترجمة أحمد رامي

خلص رامي من هذه الدروب المتشابكة إلى صعوبة اختيار الصادق من هذه الرباعيات؛ “لأنها تتفق في الأسلوب والصياغة والعروض، ويزيد الصعوبة أن كل رباعية قائمة بذاتها، وأنها لا يجمعها تسلسل فكرة أو اضطراد تصوير، وأن المعاني المودعة فيها كثيرة التكرار… ولسنا نعرف الكثير عن حياة الخيام أو نجد شيئا من آثاره الأدبية الأخرى فنستدل به على فهم شخصيته أو نستعين به على تفسير ما غمض من الرباعيات”، وقد حار مؤرخو الخيام في فهمه فمنهم من رآه مستهترا بالأديان، ومنهم من رآه مؤمنا يؤدي فريضة الحج ويواظب على الصلاة.

يزيد عدد رباعياته على 160 رباعية
يزيد عدد رباعياته على 160 رباعية

وأمام هذا الخليط من المخطوطات والترجمات إلى عدة لغات، بدأ رامي ترجمة الرباعيات عن الفارسية، حين أوفدته دار الكتب المصرية عام 1922 إلى باريس لدراسة اللغة الفارسية، فرجع إلى نسخ الرباعيات المخطوطة في دار الكتب الأهلية بباريس، وسافر عام 1923 إلى برلين لمراجعة نسخة مخطوطة في مكتبتها الجامعية، وعاد إلى باريس فراجع مخطوطات مختلفة للرباعيات في مدرسة اللغات الشرقية. وفي العام التالي سافر إلى لندن لمراجعة مخطوطات في المتحف البريطاني، ومخطوطات جامعة كمبريدج، ثم عاد إلى باريس وانقطع للترجمة. ورجع إلى مصر ونشر الطبعة الأولى لترجمته في صيف 1924. ثم اكتشف مخطوطات جديدة أضافها إلى الطبعة الثانية عام 1931.

وفي الصفحة الأولى من مقدمة، بتاريخ في 14 يوليو 1984، للطبعة الثانية من كتاب “كشف اللثام عن رباعيات عمر الخيام” يقول مؤلفه التركستاني أبوالنصر مبشر الطرازي الحسيني “لم يتيقن أحد من الباحثين أن رباعية واحدة” للخيام، وإن هذه الرباعيات المزعومة “مؤامرة على الإسلام ومبادئه الحكيمة… الهدف من وراء هذه الرباعيات الخطيرة التي دبرها خصوم الإسلام من الغربيين المستعمرين وأتباع المذهب الباطني، تلك الرباعيات التي تدفع الشباب المسلم إلى الانحلال وتعاطي الخمور والتمسك بملذات الحياة والإباحية… هناك من الأغراض المذهبية والمكايد الاستعمارية في ترجمة تلك الرباعيات الخليعة الخمرية الإلحادية”. واحتلت “التقاريظ” على الطبعة الأولى (1957) نهاية الطبعة الثانية، وفيها رسائل من عبدالوهاب عزام يحيى المؤلف على “إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وقد أحسنتم إلى الخيام وإلى المسلمين”. أما الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق فنفى أن يكون الخيام صاحب “رباعية من هذه الرباعيات الماجنة الخليعة المتحللة من قيود الفضيلة”.

ما الذي يمنع أن يكون الخيام من الشخصيات القلقة في الإسلام؟ ينقل أحمد رامي من كتاب “جهار مقاله” للنظامي السمرقندي، أقدم مصدر لتاريخ الخيام الذي توفي نحو عام 617 هجري، أن الخيام هبط مدينة بلْخ سنة 506 هجرية، “ونزل في قصر الأمير أبي سعد، وكنت في خدمة الأمير فسمعت حجة الحق عمر يقول “سيكون قبري في موضع تنثر الأزهار عليه كل ربيع″، وظننته يقول مستحيلا، ولكني كنت أعلم أنه لا يلقي القول جزافا. ثم هبطت نيسابور سنة 530 هجرية. فقيل لي إن “ذلك الرجل العظيم قد مات، وكان له عليّ حق الأستاذ، فرأيت من واجبي أن أزور قبره. وصحبت من يدلني عليه، فأخرجني إلى مقبرة الحيرة. وهناك رأيت على يسار الزائر في سفح سور حديقة موضع دفنه، ورأيت أشجار الكمثرى والمشمش وقد تدلت أغصانها من داخل الحديقة ونثرت على قبره النوار حتى كادت تخفيه عن الأبصار، فعدت بالذكرى إلى تلك القصة التي سمعتها منه في بلْخ، وغشيني الحزن وغلبني البكاء؛ لأني لم أعرف له ندا بين الرجال. ولكني تأسيت وفهمت أن الله تعالى أسكنه فسيح جناته”.

وكما توقع الخيام قبره، يبدو أنه ألهم بنهايته، فيقول رامي إنه كان يتأمل الإلهيات في كتاب “الشفاء” لابن سينا، فلما وصل إلى فصل “الواحد والكثير” وضع الكتاب، ونهض إلى الصلاة، ثم أوصى، فلما فرغ من صلاة العشاء سجد لله وقال في سجوده “اللهم إني عرفتك على مبلغ إمكاني فاغفر لي، فإن معرفتي إياك وسيلتي إليك”، ثم أسلم روحه إلى الله.

16