رباعيات الخيام نصوص جدلية أغلبها وهمي

الباحث والمترجم الأردني يوسف بكار يوضح أن مشكلة الرباعيات المنسوبة إلى الخيام لم تنتهِ بعد ولم يُحسم أمرها.
الثلاثاء 2021/05/04
الخيام كان مفكرا حرا في زمن مضطرب

عمان - قدم الباحث والمترجم الأردني يوسف بكار ترجمة جديدة لرباعيات الخيام تتضمن 75 رباعية نقلها مباشرة عن اللغة الفارسية.

 وجاء في مقدمة بكار أن هذه الترجمة هي الأحدث عربيا لرباعيّات الخيام وأقلّها عددا، وهي التي يرجّح الأديب والباحث الإيراني علي دشتي أصالتها، متتبعا إياها تاريخيا ونقديا في مصادرها المختلفة، وذلك بعد أن درس الخيّام من خلال ما خلّف من آثار في موضوعات شتى، ووجهات نظر معاصريه فيه، دراسة علمية عميقة جادة، في شخصه ومسلكه وفكره وعقيدته، تختلف كثيرا عن جلّ ما هو متداول من أفكار تصل إلى حد الأوهام والتزييف.

ويشير بكار إلى أنه ترجم عشرين رباعية سبق أن أدرجها في كتابه “الترجمات الأردنية لرباعيات الخيام: دراسة نقدية”، وكانت الترجمة الأردنية السابعة بعد ترجمات كل من الشاعر مصطفى وهبي التل عام 1922، ومحمد الظاهر عام 1967، وتيسير سبول عام 1973، ومحمود شلباية عام 2013.

وحول اختياره الرباعيات يقول المترجم “من أجل إثبات الأصول الفارسية لها، من أجل تسهيلها على القارئ، وترجمتها ترجمة نثرية اتصالية ضمنية دقيقة غير خفية، تفي بالغرض نفسه في اللغة العربية، مثلما يفعل الغرض الأصل في اللغة الفارسية، حيث يحسب القارئ أنه يقرأ عمالا مؤلفا لا مترجما”. وهذا ما حرص عليه المترجم، لافتا إلى أنه حافظ على فكرة كل رباعية، وبؤرتها المركزية التي هي عماد “فن الرباعية” الفارسي الذي يهدف إلى إيصال فكرة واحدة دقيقة تامة، لافتا إلى أنه راعى في الترجمة المصطلحات بمفاهيمها الدقيقة في اللغة الفارسية وآدابها.

لكل رباعية بؤرتها المركزية التي هي عماد "فن الرباعية" الفارسي الذي يهدف إلى إيصال فكرة واحدة دقيقة تامة

ويوضح بكار أن مغامرة الترجمة في المختارات، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ساعدته في الاطلاع على حقيقة رباعيات الخيام التي ما زالت غامضة ومشوشة، إذ لم يكن في آداب الأمم كافة شخصية جدلية كعمر الخيام، سواء أكان ذلك في سيرته أم في رباعياته؛ فنحن ما زلنا لا نعرف تاريخ ميلاده ووفاته الدقيقين، ولا تفصيلات حياته العامة والخاصة، ولا حقيقة رباعياته الأصيلة، ولكن لا جدال في أن منشأ شهرة الخيام في العصر الحديث هو الرباعيات التي لا يُعرف على وجه التحقيق عددها، وما هو ثابت النسبة منها إليه، وقد طارت شهرته إلى الغرب، ثم انتقلت إلى الشرق، فصار معروفا في الخافقين، في حين أنه لم يكن معروفا بها قديما، بل تأتت شهرته من جهوده العلمية البحتة، وما عُرف عنه من مكانة في العلوم الشرعية والإنسانية.

ويؤكد المترجم أن مصدر المشكلات التي يتعرض لها “الباحثون الخياميون” هو عدم وجود “ديوان” أو “مجموعة” أصيلة موثقة بعنوان “رباعيات الخيام”، مكتوبة بخطه، أو مدونة في عصره، أو في مدة قريبة منه. وقد غدا استخراج رباعياته الأصيلة والاهتداء إليها واحدة من أكبر مشكلات الأدب الفارسي إلى اليوم، لافتا إلى أن المجموعات التي أخذت تصل إلينا بكثرة، بعد حوالي أربعة قرون من وفاة الخيام لا يمكن الركون إليها والاعتماد عليها، لما يُعتقد فيها من دس ووضع وتداخل.

ويتحدث بكار عن جهد بعض الباحثين العرب المعاصرين الذين حاولوا أن يفسروا اختلاط الرباعيات، اعتمادا على مؤلفات الغزالي الذي كان معاصرا للخيام، بإرجاعها إلى طوائف الإباحية التي كانت تنتشر في عصره، ووصفها وصفا دقيقا، وذكر الشُبه التي أوقعتهم في الإباحية، وردها.

ويوضح بكار أن مشكلة الرباعيات المنسوبة إلى الخيام لم تنتهِ بعد، ولم يُحسم أمرها، والمسألة “أن الخيام نظم رباعيات أولا لأنه من غير المعقول افتراض أن عددا كبيرا من أهل الفكر والأدب والتاريخ اتفقوا أو تواطأوا على مدى قرنين أن ينسبوا إليه هذه الرباعيات. كذلك مسألة عدد الرباعيات التي تصح نسبتها إليه، أي العثور على رباعيات يكون ظن الأصالة فيها أكثر، لذلك أخذ عدد الرباعيات يزداد كلما ابتعدنا عن تاريخ وفاة الخيام، ولاسيما بعد النصف الأول من القرن الثامن الهجري، وعُثر منذ ذلك التاريخ على مجموعات منها يتراوح عددها بين 158 و500 رباعية”.

ويقول المترجم إن الأديب والباحث الإيراني علي دشتي اعتنى عناية شاملة بالخيام والرباعيات، إذ درس شخصية الخيام وأخلاقياته العصية علميا وأدبيا ومسلكا وعقيدة، مستعينا بأدوات علمية ومصادر عدة، ومهتديا بقرائن أخضعها جميعا لمنهج علمي دقيق صارم، بحثا عن عمر الخيام من خلال ما خلّف من آثار علمية وأدبية وفلسفية، ومن آراء معاصريه ومن بعدهم فيه، ومن مسلكه الحذر المحتاط، ونمط خطابه، وفكره، وسوءات عصره الكثيرة التي كانت تستوجب ذلك.

 واستطاع بكار أن يزيل القناع إلى حد كبير عن شخصية الخيام، فخلص إلى أنه كان “مفكرا حرا في مضطرب متلاطم الأمواج، دون أن ينتمي إلى أي مذهب أو فرقة، وإن كان أقرب إلى الصوفية التي تجمع بين الشريعة والفلسفة. أما الرباعيات، فقد تقصاها تقصيا علميا جادا، تفحصها بدقة وعناية من خلال المصادر الموثوقة الأقرب إلى عصر الخيام، فاستقر اختياره على خمس وسبعين رباعية، رآها الأقرب إلى خطاب الخيام وفكره وفق ما تقدم”.