ربة بيت قبل الأوان: عزلة كورونا تبقي الشابات الباحثات عن عمل في المنزل

الوباء يكشف حجم الحواجز أمام فتيات عربيات أجبرن على التخلي عن طموحاتهن المهنية.
الأحد 2021/02/21
عبء مضاعف

الحجر الصحي غيّر وتيرة حياة الشابات الباحثات عن عمل في مختلف مجتمعات العالم، إلا أن معظم الفتيات العربيات العاطلات تراكمت أمامهن الحواجز التي حولتهن إلى حبيسات في المنازل، ومجبرات أكثر من أيّ وقت مضى على القيام بالأعمال المنزلية بعد أن تبددت أحلامهن في الحصول على وظائف تمنحهن نوعا من الاستقلالية.

أدى انتشار وباء كورونا وتدابير الإغلاق إلى تحمل الشابات الباحثات عن عمل الوزر الأكبر لتبعات هذا الوباء العالمي الذي حرمهن من إيجاد وظائف وشق طريقهن في سوق العمل وعيش حياة أفضل من حياة أمهاتهن.

ومع فقدان الوظائف وانهيار القدرة الشرائية، أصبحت الكثير من الشابات حبيسات المنازل ومجبرات على تحمل أعباء الأعمال المنزلية والعناية بالأطفال والمسنين.

وتحمل الكثير منهن شهادات علمية ومؤهلات جامعية، إلا أن الوباء فرض عليهن دور “ربات المنزل”، فيما واجهت البعض منهن في المناطق الريفية مجموعة متنوعة من الأعباء الإضافية، تشمل مهام جلب المياه وتوفير الحطب الذي يستخدم كوقود لأغراض الطهي والتدفئة.

وكشف تقرير لمنظمة الأمم المتحدة أن جائحة كوفيد – 19 قد عمقت أوجه عدم المساواة الموجودة من قبل، وكشفت عن نقاط الضعف في النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي بدورها تضخمت آثارها بفعل الجائحة في جميع المجالات، من الصحة إلى الاقتصاد والأمن إلى الحماية الاجتماعية، فيما تفاقمت آثارها على النساء والفتيات بسبب جنسهن.

وقال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن جائحة كوفيد – 19 تؤثر على الجميع في كل مكان، لكنها تؤثر على مجموعات مختلفة من الناس بشكل مختلف، مما يعمق عدم المساواة القائمة.

وتطرق غوتيريش إلى البيانات الأولية التي تشير إلى أن معدلات الوفيات بسبب كوفيد – 19 قد تكون أعلى للرجال، لكن الوباء تترتب عليه عواقب اجتماعية واقتصادية مدمرة على النساء والفتيات.

وأشار الأمين العام إلى ازدياد الأعمال غير مدفوعة الأجر بشكل كبير نتيجة لإغلاق المدارس وازدياد احتياجات كبار السن.

وأكد أن هذه العوامل تجتمع بشكل غير مسبوق لهزيمة حقوق المرأة وحرمانها من الفرص المتاحة لها.

إيمان سليطي: كورونا عمق الفجوة بيني وبين العالم الخارجي
إيمان سليطي: كورونا عمق الفجوة بيني وبين العالم الخارجي

مجبرة لا بطلة

يبدو هذا الوضع محبطا للتونسية إيمان سليطي، الحاصلة على شهادة جامعية في حفظ الصحة والسلامة المهنية، والمتزوجة حديثا، التي أكدت أنها لم تحزن على كونها صارت ربة بيت بقدر ما استاءت من ملازمة البيت بشكل دائم.

وقالت سليطي التي فقدت عملها منذ فترة وجيزة لـ”العرب” إنها “تشعر بضيق شديد من جهة بسبب زيادة الأعباء المنزلية ومن جهة أخرى بسبب الملل والضجر وروتين الحياة اليومية الذي يكاد يكون هو نفسه منذ أن تفشى الوباء وأعلن الحجر المنزلي”.

وأضافت “بعد أن فقدت عملي حاولت بشتى الطرق إيجاد وظيفة أخرى تتوافق مع شهادتي الجامعية، وأصبح همي الوحيد إيجاد أي عمل، المهم يوفر لي فرصة الخروج من سجن البيت الذي بات مع الوقت يطبق على أنفاسي”.

وتابعت “كورونا لم يقض فقط على أحلامي في الحصول على الوظيفة وإنما عمق الفجوة بيني وبين العالم الخارجي، وجعلني موظفة من درجة ثانية أتخبط في روتين العمل المنزلي لساعات طويلة من اليوم، وهو ما يجعلني أتحسر على طموحي الذي كنت أنتظره بعد سنوات من الجلوس بمقاعد الدراسة”.

ودفع الوباء فتاة تونسية إلى قبول الزواج برجل يكبرها بعقدين كحل عاجل للوضع الاجتماعي الصعب الذي تعيشه.

وقالت الفتاة التي فضلت عدم ذكر اسمها في تصريح لـ”العرب” إن قرار زواجها بهذه الطريقة كان بمثابة “إجهاض” لأحلامها، لكنها اتخذته بعد إدراكها حقيقة أنه يمثل “الخيار الوحيد”، حاليا، لمواجهة أوضاع معيشية صعبة جعلت أسرتها تقبل بتزويجها من رجل أكبر منها لكنه ميسور الحال.

وعلقت معظم النساء الآمال في البداية على أن يؤدي الحجر المنزلي إلى تحقيق بعض المساواة بين الجنسين في توزيع المهام المنزلية، لكن دراسات عديدة أجريت أثناء الوباء كشفت أن العبء الأكبر من الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال الصغار تقوم به النساء والفتيات.

1.7

مليون وظيفة فقدت بسبب الوباء في المنطقة العربية، من بينها 700 ألف وظيفة تشغلها نساء

ويختلف اضطلاع النساء بشكل عام بالمهام المنزلية من مجتمع إلى آخر، إلا أن دور “ربة المنزل” بالنسبة إلى المرأة العربية مازال دورا مفروضا عليها ويتم تدريب الفتيات عليه في  مراحل الطفولة المبكرة، ولا يمكنهن التنصل منه مثل الفتيان، حتى بعد أن يتعلمن ويحصلن على درجات علمية مرموقة.

وحتى قبل بدء الوباء، اعتادت النساء والفتيات على القيام بالأعمال المنزلية، وتمثل هذه الأعمال غير مدفوعة الأجر واحدة من أكبر العوائق التي تحول دون مشاركة المرأة في القوى العاملة في جميع أنحاء المنطقة العربية.

ويرجع جزء من المشكلة إلى عدم رغبة الرجال في القيام بحصّتهم العادلة من العمل المنزلي.

ويقول تقرير جديد لهيئة الأمم المتحدة تضمن بيانات إقليمية لسياسات الدول العربية إن المرأة حتى وإن كانت تعمل بأجر خارج المنزل، فإنها تقضي نفس القدر من الوقت في رعاية غير مدفوعة الأجر مثل النساء غير العاملات.

كما سلط التقرير الضوء على الفجوات الموجودة في سياسات وخدمات الرعاية في منطقة الدول العربية، حيث تشير الدلائل المستجدة إلى أن مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر قد زادت خلال الجائحة وتقع في الغالب على عاتق النساء.

للنساء فقط

الصورة الذهنية لأدوار الجنسين تتشكل منذ مراحل الطفولة المبكرة
دور المرأة الذي تقوم به ما هو إلا صورة ذهنية كباقي الصور التي تم تخزينها في الذاكرة

 يرى بعض خبراء علم النفس أن الأعراف الاجتماعية السائدة رسخت في الأذهان أن دور “ربة المنزل” من اختصاص النساء دون الرجال، مما جعل الكثير من الأسر تستخدم ذلك كعذر للإلقاء بالأعباء المنزلية وبشكل غير عادل على عاتق النساء والفتيات.

وقالت مروة بن عرفي المختصة التونسية في علم النفس السريري إن الصورة الذهنية لأدوار الجنسين تتشكل منذ مراحل الطفولة المبكرة وهذه الصورة تتكون مما يعيشه الأطفال من تجارب ومواقف حياتية سواء داخل الأسرة أو في المجتمع.

وأضافت بن عرفي “دور المرأة الذي تقوم به ما هو إلا صورة ذهنية كباقي الصور التي تم تخزينها في الذاكرة، وتجعلها تتصرف مع المحيط الخارجي بموجبها وحسب ما تمليه عليها تلك الصورة الذهنية لا حسبما تتطلع إليه أو يحتمه علينا الظرف الاجتماعي”.

مروة بن عرفي: الصورة الذهنية لأدوار الجنسين تتشكل منذ الطفولة
مروة بن عرفي: الصورة الذهنية لأدوار الجنسين تتشكل منذ الطفولة

 وأشارت إلى أن الدروس التي تستخلصها الفتيات من الأسرة والمجتمع تحض على التمييز ضد جنسها، وتشكل أيضا رسالة للفتيان مفادها أن الفتيات والنساء يجب أن يقمن بمهام التنظيف والطبخ والعناية بالأطفال داخل الأسرة، وهذا يكرس التقسيم التقليدي للمهن بين الجنسين داخل البيت وفي سوق العمل ويجعل المرأة تصارع يوميا لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية.

وألقت بالمسؤولية على الآباء بالدرجة الأولى في عملية تلقين ثقافة التمييز في الأدوار بين الجنسين للأطفال منذ الصغر.

واعتبرت بن عرفي أن نظرة الأمهات حول المساواة بين الجنسين والعمل تلعب دورا كبيرا في التأثير على الطموح المهني للفتيات، مشددة على أن الفتيات قد يحملن أهدافا مهنية وطموحات أوسع في الأسر التي يتقاسم فيها الزوجان الأعمال المنزلية بطريقة عادلة.

تداعيات اقتصادية

حذر خبراء في علم الاجتماع من العواقب الوخيمة الناتجة عن انخفاض عدد النساء العاملات وتداعيات الوباء التي قد يعانين منها لسنوات عدة، وتنعكس على تقدمهن الاقتصادي واستقلاليتهنّ، وقد تؤثر على أسرهن ومجتمعاتهن على حد السواء.

واعتبر محمد الحمزة الأخصائي الاجتماعي السعودي أن الضرر الذي ألحقته جائحة كورونا بالنساء وانتكاسة الجهود المبذولة طيلة عقود من الزمن لتحقيق المساواة بين الجنسين سيكون لها تأثير كبير على الأوضاع الاقتصادية للمجتمعات العربية.

وعبر الحمزة عن أسفه لما خلفه الوباء من تداعيات اقتصادية على النساء قائلا “من المؤسف ما ذكره تقرير للأمم المتحدة عن جائحة كوفيد – 19 وتسببها في خسارة 1.7 مليون وظيفة في المنطقة العربية، من بينها ما يقارب 700 ألف وظيفة تشغلها نساء”، موضحا أن مشاركة المرأة في سوق العمل ضعيفة أصلا في المنطقة العربية، إذ بلغت بطالة النساء 19  في المئة عام 2019 مقابل 8 في المئة بين الرجال، ومن غير المستبعد أن تؤثر الجائحة على قطاعات اقتصادية عدّة في المنطقة العربية، أهمها قطاع التصنيع والخدمات، وعلى حد تعبيره، نظرا إلى أنّ نسبة كبيرة من النساء يعملن في هذين القطاعين فهن من أكثر الخاسرين.

وقال الحمزة لـ”العرب” “المرأة من أكثر المتضررين من تداعيات هذا الوباء العالمي، فهي إما خسرت وظيفتها وإما ستضطر للقبول بظروف عمل مجحفة بحقها”.

محمد الحمزة: الجائحة هددت المكاسب المحدودة التي تحققت للمرأة
محمد الحمزة: الجائحة هددت المكاسب المحدودة التي تحققت للمرأة

وأشار إلى أن المرأة تواجه منذ عقود فجوات كبيرة في جودة المهن التي تعمل فيها، وفي المنطقة العربية تعمل 61.8 في المئة من النساء في القطاعات غير النظامية.

ولفت الأخصائي الاجتماعي إلى أن الجائحة هددت المكاسب المحدودة التي تحققت في العقود الماضية وعمّقت أوجه عدم المساواة القائمة أصلا.

وأكد الحمزة أن تدابير الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي قد ألقت أيضا بظلالها الكثيفة على الوظائف الهامشية والمتدنية الأجور، التي تشكل النساء نسبة كبيرة من العاملين فيها، محذرا من  الأضرار التي قد تلحق بمستقبلهن المهني والتي قد تكون طويلة المدى، ما لم تتضافر جهود أرباب العمل والحكومات للحفاظ على الكفاءات النسائية.

وقال موضحا “النساء والفتيات يعانين بشكل خاص من آثار سلبية مضاعفة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، لأن دخلهن أقل بصفة عامة وادّخارهن أقل ولأنهن يشغلن وظائف غير آمنة أو يعشن في ظروف اجتماعية صعبة”.

وأضاف “نساء كثيرات أجبرن بسبب الإغلاق العام على ملازمة منازلهن والمكوث بجوار من يضطهدونهن، في وقت أصبحت فيه خدمات دعم الضحايا معطلة أو بات الوصول إليها صعبا”.

ونوّه الحمزة إلى أن انخفاض النمو الاقتصادي في السعودية أدى إلى تسريح الكثير من العاملين وزيادة مجموع العاطلين عن العمل، مشددا على أن العديد من النساء العاطلات عن العمل ممن لا يملكن خبرة عملية أو مؤهلات مهنية، سيصبحن في وضع أكثر صعوبة عندما يتنافسن مع السعوديين الآخرين من الرجال والنساء الذين تم تسريحهم من أعمالهم بسبب الأزمة القائمة، وستزيد هذه الأزمة من التحديات التي تواجه الباحثات عن عمل لأول مرة وقد تعطل دخولهن إلى سوق العمل.

ويأمل الحمزة ألا تعرقل جائحة كورونا جهود الإصلاحات الحكومية، ومحاولة خلق حوافز لأصحاب العمل لتشغيل النساء، مثل دعم جزء من عطلة الأمومة والتشجيع على تشغيل النساء أو تشجيع المرأة على العمل لحسابها الخاص أو تحسين أعمالها التجارية الحالية وزيادة مدة عطلة الأمومة وتوفير دعم كاف لرعاية الأطفال لجميع العاملات والباحثات عن عمل.

ودعا في خاتمة حديثه لـ”العرب” إلى انتهاز فرصة أزمة كورونا لتسريع وتيرة الإصلاحات التي من شأنها أن تحقق المزيد من التقدم نحو تمكين المرأة في القوى العاملة.

21