ربط الجسور السياسية بين مصر وتونس يزعج حركة النهضة

تماه في المواقف بين قيس سعيد وعبدالفتاح السيسي في العديد من الملفات.
الأحد 2021/04/11
رسائل في العديد من الاتجاهات

عكست القمة التي أجراها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع نظيره التونسي قيس سعيد أجواء التناغم والتماهي في المواقف بين الرجلين في العديد من القضايا على غرار ملف المياه ومكافحة الإرهاب والمتطرفين وهو ما يزعج حركة النهضة الإسلامية في تونس التي تخوض صراعا مع الرئيس سعيد.

القاهرة - أكدت القمة التي عقدها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع نظيره التونسي قيس سعيد بالقاهرة السبت عمق الجسور السياسية بينهما، وبدا التوافق لافتا في ملف المياه ومكافحة الإرهاب والمتطرفين وعدم الوثوق في نوايا تيارات الإسلام السياسي ومن يمثلونهم على صعيد الإخوان في مصر وحركة النهضة في تونس.

وقال الرئيس سعيد في مؤتمر صحافي مع السيسي “بالنسبة إلى التوزيع العادل للمياه أقولها وأكررها أمام العالم كله نحن نبحث عن حلول عادلة، ولكن الأمن القومي لمصر هو أمننا وموقف مصر في أي محفل دولي سيكون موقفنا، ولن نقبل أبدا بأن يتم المساس بالأمن المائي لمصر”.

وألمحت مصادر مصرية لـ”العرب” إلى أهمية تصريحات الرئيس التونسي كدليل على وجود تفاهمات بين البلدين لتتولى تونس، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن الدولي حاليا، طرح ملف المياه على المجلس وهي داعمة بقوة لرؤية القاهرة.

وساد شعور بالارتياح لدى المصريين من تأييد سعيد لبلدهم في أزمة المياه مع إثيوبيا، وتحولت الزيارة التي استهلها بزيارة معالم تاريخية في القاهرة إلى علامة مهمة على توافق كبير معه بعد تصاعد الخلاف بينه وبين زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي.

وظهر الرئيس سعيد كمن يسعى للاستفادة من التجربة المصرية في التعامل مع المتشددين وجماعة الإخوان التي تنتمي إليها النهضة فكريا وتحاول ممارسة ألاعيب تمكنها من السيطرة على مفاتيح الحل والعقد في البلاد.

سامح عيد: وجود سعيد بالقاهرة يشكل ضغطا معنويا على النهضة
سامح عيد: وجود سعيد بالقاهرة يشكل ضغطا معنويا على النهضة

وقال الخبير في شؤون الحركات الإسلامية سامح عيد إن الزيارة بحد ذاتها تحمل عنصر “مكايدة لإخوان تونس، ووجوده بالقاهرة في هذا التوقيت يشكل نوعاً من الضغط المعنوي على الحركة لحلحلة الأزمة الراهنة”.

وأضاف في تصريح لـ “العرب” إن تنظيم الإخوان بمصر لم يعد فاعلاً سياسياً، لكنه سوف يصب اللعنات على الرئيس التونسي استمراراً لحالة القطعية الحالية بينه وبين الغنوشي، ولن يمنعهم ذلك من التعويل على إخوان تونس والترويج للتجربة الديمقراطية هناك وإمكانية تطبيقها في مصر مستقبلا.

وخلقت الزيارة فرصة للتفاهم لتطويق الجماعات الإرهابية النشطة في المنطقة التي تصل روافدها إلى البلدين، ووضعت أطرا للتعاون والتنسيق في مشروعات إعادة الإعمار في ليبيا، فكل بلد يسعى للحصول على جزء كبير من هذه الكعكة.

ويعلم المصريون أن أهل تونس أدرى بشعابها السياسية، لكن لم يتوقف المهتمون منهم عن متابعة ما يجري من تطورات بعد أن أنهى الرئيس سعيد الهواجس التي أحاطت به في البداية من حيث وجود علاقة خفية تربطه بجماعة الإخوان، وأثبت أنه ليس صيدا سهلا لهم ويؤمن بالدولة الوطنية دون انحيازات عقائدية.

كانت هذه واحدة من الإشارات القوية على أن الرجل في طريقه للصدام السياسي لا محالة مع حركة النهضة التي أعادت بتصرفاتها الشعبوية تكرار مشاهد رآها المصريون خلال العام الذي تولى فيه الإخوان حكمهم، وكادت الجماعة تدخل البلاد في دوامة طويلة من العنف.

وشدت التجربة الديمقراطية في تونس انتباه شريحة كبيرة من المجتمع المدني في مصر واعتبرتها نموذجا ناضجا كانت تتمنى حدوثه بعد ثورة 25 يناير 2011، وعندما بدأ التصعيد يرتفع في تونس تأكدت هذه الشريحة أن الإخوان والتعددية لا يجتمعان، ما جعل النموذج التونسي يواجه مطبات قد تكون أشد صعوبة من مصر.

ويشير متابعون إلى أن الصعوبة تأتي من هيمنة النهضة على البرلمان التونسي الذي منحه الدستور صلاحيات واسعة، وتفشيل محاولات إسقاط رئيسه وزعيم الحركة الغنوشي، والتوغل في مؤسسات الدولة على مدار السنوات الماضية، والنجاح في استقطاب قوى مدنية، ومحدودية القبضة الأمنية في الدولة التونسية مقارنة بمصر.

ويرى هؤلاء أن التجاذبات في تونس مرشحة للتزايد، وربط البعض التصعيد الراهن بين القوى السياسية والنهضة وبين زيارة الرئيس سعيد للقاهرة بما يوحي بعدم العودة عن طريق المواجهة.

Thumbnail

ولدى دوائر مصرية تقديرات مزعجة للحالة التونسية لأن حركة النهضة التي حاولت تحاشي أخطاء حلفائها في مصر قبل سنوات وبدت كأنها تنحني لكثير من العواصف السياسية تعود إلى جذورها المتشددة، وتناطح وتأبى الرضوخ للقيم الوطنية وهو ما يؤدي إلى المزيد من الاشتباك.

لم تأت المخاوف من النموذج في حد ذاته ففي تونس مجتمع مدني ناضج، لكنها تأتي من تأثيرات النهضة على دول الجوار والإصرار على مد أذرعها فيها، حيث يوجد في كل من المغرب والجزائر تيار إسلامي ليس هينا.

كما أن ليبيا لا تزال مرشحة للانضمام إلى الحزام الإسلامي في المنطقة، ما يفرض على القاهرة القبول بالأمر الواقع المغاربي وتحمل تكاليفه الباهظة وارتداداته السياسية والأمنية المزعجة، يضاف ذلك إلى نفوذ حركة حماس الإخوانية في قطاع غزة.

وقد تنفست القاهرة الصعداء مع سقوط نظام الرئيس السوداني عمر البشير منذ عامين بعد أن كانت تعوم في محيط إسلامي قريب منها، وأكثر ما يشغلها في ليبيا الآن منع تمترس الإخوان في طرابلس، لذلك تراهن على الانتخابات الليبية المتوقعة في ديسمبر المقبل لتغيير تصورات سابقة بشأن إحكام التيار الإسلامي نفوذه على السلطة.

وتنظر الجهات الأمنية في مصر لما يجري في تونس بين الرئيس سعيد والنهضة بعين الاعتبار لأن النتيجة التي سوف تتمخض عنها المواجهة، مهما كانت حصيلتها، سوف ترخي بظلالها الإقليمية. فتجربة تونس باتت مقياسا لتطورات التيار الإسلامي في المنطقة واستمرارها يوفر فرصة لمؤيديه بمواصلة دعمه.

ويؤدي انتصار الحركة سياسيا على الرئاسة التونسية إلى منحها قوة مضاعفة للتحكم في كثير من تفاصيل المشهد العام، ويفتح الطريق أمام زيادة وتيرة الغضب الشعبي الذي أصبح أشد توجسا في أهداف النهضة.

وتخشى بعض القوى السياسية من جرّ تونس إلى لعبة تحالفات إقليمية وعرة، وهو ما انعكس في شكل رفض عارم عندما حاولت تركيا توظيف الأراضي التونسية بتواطؤ من النهضة للتمدد في الجارة ليبيا.

وإذا انتصر الرئيس قيس سعيد وتمكّن من تحجيم نفوذ النهضة فلا يعني ذلك قبولها بالاستسلام للأمر الواقع، لأن هزيمتها السياسية في هذه المواجهة تعني فقدان نفوذها في البلد الذي جرى تقديمه على أنه نموذج “حكمة ورشادة” للإخوان، ما يمهد المجال للدخول في سيناريو المواجهة القاسية في مصر.

وتوحيد تراكمات الحالة التونسية بعدم استبعاد التوصل إلى تفاهمات وقواسم مشتركة بين الرئيس والنهضة تضمن في النهاية الحفاظ على قدر من تماسك الدولة النموذج، وتتجنب الاقتراب من خيار قد يفضي إلى العنف الذي تجيده جماعة الإخوان.

وتضع القاهرة عينيها على السيناريوهات الثلاثة، ولكل منها تداعيات على الحالة المصرية التي خفت فيها صوت الإخوان بالداخل، لكنه طنينه لم يتلاش في الخارج، بما يجعل التطورات التي تلحق بهم سلبا أو إيجابا لها أصداء متباينة لاحقا.

لذلك فالرمزية السياسية التي تحملها زيارة قيس سعيد إلى القاهرة مهمة لمن يتابعون تجاذباته مع حركة النهضة، وتعني أنه لا تفاوض ولا استسلام لقيادتها، ويبدو أقرب إلى النموذج المصري الإقصائي في التعامل مع الإخوان على الرضوخ لمطالبها حاليا.

3