ربما كان حفيفا

السبت 2017/12/23

لا أحبُّ الأفلام التي تبدأ بوجه البطل الشائب وهو يسرد الذكريات من نهاياتها البعيدة، ثم يتبدل مشهد انثيال الأيام المعتقة فيعود شابا أو غضا كما خلق أول مرة.

سيكون الأمر مثل جلوسك وحيدا بدار سينما وقدامك شخص ثرثار يخبر صاحبه بأنّ كاترين دينوف سيأكل جسمها السرطان وأن صاحب كشك الهمبرغر سيساعد في واقعة سرقة بنك المدينة وأن ميل غبسون سيخرج بصناديق الذهب مثل خروج شعرة من طاسة عجين.

الحق هو أنني أفضّل انتظار المفاجأة حتى لو كانت مروعة وخارج قياسات قلبي التي منها بقاء ذلك الأمل الصغير بعودة سفينة تيتانيك العجيبة إلى ساحلها القديم سالمة.

أريد أن يجري الشريط ومخّي يعمل في أبواب التأويل والنبوءة التي إنْ تحققت فسوف يكون طعمها مشتقا من طعم صينية حلاوة كانت مزروعة عند جدار الصف الأول الابتدائي.

أخي جمعة كان يشبهني كثيرا في هذا التفصيل، وكان مستعدا لأن يحرق الدار ويحطم كل صحون المطبخ ويستعمل السلاح الأبيض، ضدّ أحد أبنائه الذي أفسد عليه متعة المفاجأة، حينما قال بصوت عالٍ إنّ نور الشريف سيقتل فاروق الفيشاوي وسيتخبل محمود عبدالعزيز ويغرق بسطل ماء يابس.

في فن القصة القصيرة التي أكتبها منذ أزيد من ربع قرن وثلاثة أيام، كافحت كثيرا ودربت قلمي على رسم المسرود بنهاية مفتوحة، وصدقتُ نصيحة النقدة الأذكياء الذين أفتوا بتضليل القارئ وسحبه إلى منطقة شائكة قد يضطرّ معها إلى المشاركة في تشكيل النهاية الغائمة التي لا تحتمل دقّ نقطة حاسمة برأس السطر الأخير.

في السياسة كنت صنعت نفس الشيء، واستعملت كثيرا تحولات المعنى بعد حروف ومنحوتات أما وأو وقد وربما، وذهبت مذهب اللغة حمّالة الوجوه والتفاسير، فكان ذلك أحد منتجات الصداع الهائل الذي صنعته لنفسي وللآخرين، والنهاية دائما أو غالبا كانت طيبة ورحيمة، حتى صارت حياتي مثل شرائط رائعة تتلذذ بالشك ونقيضه والاحتمال الذي قد ينسخ ما قبله بانتظار مسبحة طويلة من التحولات والتنبؤات.

في هذه اللحظة مثلا يتحوّل جسدي كله إلى آذان تنصت لحفيف شجر أو خشخشة ورق يتكوّم في حلق بالوعة الشارع، فأمارس ذات اللعبة خاصتي. ولأن مراوح السماء الهوائية متوقفة فعليَّ أن أشطب من عقلي مسألة أن الشجيرات والورق تعزف بسبب هبوب الريح، وقد يكون الفعل مصنوعا بحركة لصٍّ غبيّ، أو أن العطب الذي ضرب مؤخرا أذني الوسطى هو الذي أنجب هذا الحفيف الليلي المريب.

24