ربما لا توجد إمكانية حكم سني في بغداد ودمشق

الثلاثاء 2015/11/17

نحن العرب مجرد ألم مفترس ينقض على بعضنا، وأحيانا ينقض على غيرنا. لا نمتلك قيما حقيقية قابلة للفهم والتطبيق، والرسالة التي نحملها كما يبدو هي “الغطرسة”. رفضنا العقل ورفضنا الحب ورفضنا العلوم. العدو عنصري بالتورية لكننا عنصريون في العلن، ربما العدو يكفّرنا في الخفاء لكننا نكفره في العلن وندعو إلى ذبحه. انتهى العالم من حولنا إلى جثث متطايرة في باريس. ما هي رسالتنا في هذا العالم؟ أين نموذجنا الذي نفخر به حتى نحرق باريس بهذا الشكل؟

لماذا لا نعقد صلحا مع الحياة والحاضر؟ هل كل شيء مؤامرة علينا؟ هل كل شيء خدعة ومكر بنا؟ هل المجرات والنجوم تستهدفنا؟ هل حقا لا يوجد منفذ آخر سوى الحزام الناسف؟ ومَن هو العدو؟ حكوماتنا أم الأجنبي أم أنفسنا؟ شيوخنا علمونا أن الدين محبة وإخاء واستقامة فكيف أصبح ذبحا؟ وماذا نفعل بثورة المعلومات والفنون والفلسفات والحب والحرية؟ كل شيء يتوقف عند هذه اللحظة الرهيبة التي نقرر فيها حرق المدن.

السنّة لا يريدون أفكارا فقطر تحركهم بقناة الجزيرة، دولة غنية تبث الصراع الطائفي ليس لإيمان ولا عقيدة بل مجرد مشاريع مخابراتية غامضة، وظيفة المثقف أن يعيد النظر بما يجري. لا يريدون حتى نصرا للسنة، فقط إدامة للنزاع المذهبي. ثم ما هي ثوراتنا؟ الشيعة يحرقون جثة فيثور السنة، والسنة يحرقون جثة فيثور الشيعة. والفضائيات تتكفل بكل شيء. هل المشكلة فقط تكمن في السعي نحو حكم سني بسوريا؟ كل هذه التضحيات لأجل أن يأتي حكم استبدادي سني مشابه لما هو قائم؟

لماذا تريدون إسقاط بشار الأسد؟

- لأنه قتل الشعب.

- ولماذا قتل الشعب؟

- لأن الشعب يريد إسقاط بشار الأسد.

- ولماذا الشعب يريد إسقاط بشار الأسد؟

- الشعب يريد الإخوان والنصرة وداعش.

ولماذا الشعب يريد الإخوان وداعش والنصرة؟ لا جواب

مشكلتنا عقلية ولا نقبل بالمنطق، نحب المعجزات واللا معقول، نحب صدام حسين الذي سيقضي على إيران وإسرائيل ويهز أميركا، نحب داعش التي ستحتل روما. داعش وصدام حسين شيء واحد.

البعث العراقي أجرم في حق سنة العراق مرتين؛ مرة حين قادهم صدام إلى الاحتلال الأميركي وخسارة الحكم الذي رسخه نوري السعيد باسمهم. والمرة الثانية حين دفعهم إلى رفض التعايش والعملية السياسية وقادهم مرة أخرى عبر المقاومة إلى الانتحار السياسي وداعش. ألم يرحب عزة الدوري بمجاهدي داعش بعد سقوط الموصل؟

الثورة السورية لا وجود لها، ولا معنى لوقف إطلاق النار في سوريا إذا كنا نستثني القاعدة وداعش لأنهما يشكلان معا القوة الرئيسية المعارضة للنظام السوري على الأرض. بمعنى مشروع تغيير النظام السوري يفتقد إلى مبرر قوي بوجود كل هذه التنظيمات الإرهابية المتطرفة. في نفس الوقت تبدو قضية سنة العراق وتهميشهم الطائفي في طريقها إلى الضياع بعد الحرب على الدولة الإسلامية.

وكما يبدو أن أردوغان آخر محاولة لدى العرب يقومون بها كرها، لغرض استبدال المزاج الداعشي بآخر إخواني في المنطقة لإسقاط بشار الأسد، وكأننا سنطلب من أردوغان أن يتكرم ويصبح خليفة ولو مؤقتا حتى نخلص من هذه الورطة. خطوة كهذه ستخلق تعقيدات كبيرة مع مصر التي تعارض علنا تحويل سوريا إلى قاعدة عربية للإخوان.

وبالنسبة للعراق فقد تأكدت من عدة نقاط مهمة؛ هل هناك ما يوحد سنة العراق؟ الجواب: كلا. هل يريد قادتهم إقليما خاصا بهم؟ الجواب: كلا. هل عندهم رغبة دولة دينية؟ كلا. هل عندهم قادة يعرفون ما يريدون؟ كلا. هل العرب مهتمون بدعمهم؟ كلا. هل يؤيدون البعث؟ كلا. هل يؤيدون داعش؟ الجواب: بعضهم متعاطف هذا واضح. وداعش كما قال الرئيس أوباما ليس فكرا معاصرا يُعتَمد عليه أو ذا قيمة، إنه مجرد إرهاب دولي محظور ودموي. هل سنة العراق يستطيعون تنظيم أنفسهم؟ الجواب: كلا.

سنة العراق جماعات بعضها حضري وبعضها قبائل، بعضها سلفي داعشي وبعضها بعثي وبعضها إخواني ومعظمها مستقل عادي لا شأن له بشيء. شهد العراق قتالا بين السنة، السني ذبح السني في العراق ولم يحدث هذا عند الطرف الآخر على الإطلاق.

يتوزع ولاء السنة بين الوطن والقبيلة والمذهب والقومية، عكس الآخر الذي يعرف ماذا يريد، وقلبه دائما في المكان الصحيح بسبب وجود قادة دينيين وسياسيين وبشكل أساسي وجود إيران، بينما لا توجد دولة تتبنى سنة العراق. لقد حاولوا مع الأردن وتركيا والسعودية إلا أن هذه الدول حافظت على مسافة منهم. المهم لا شيء معارض في العراق سوى البغدادي والباقي شراذم لا وزن لها. بعد الحرب على داعش وتحرير الموصل سيصبح العراق شيعيا سياسيا وليس بالضرورة مذهبيا.

كاتب عراقي

9