ربيعة بن عبدالله: الفضائيات قلّصت شغف الجمهور التونسي بالسينما

الفنانة التونسية تؤكد أن الفيلم التونسي "قبل ما يفوت الفوت" تجربة مُغايرة شكلا ومضمونا.
السبت 2019/12/14
عائلة تسعى إلى الخلاص قبل فوات الأوان

ربيعة بن عبدالله ممثلة تونسية وأستاذة جامعية لمادة التمثيل في جامعة لوميير بمدينة ليون الفرنسية، عرفت بأدائها للأدوار الصعبة، وهي التي شاركت في أعمال سينمائية هامة، منها “عصفور سطح” و”موسم الرجال” و”الخشخاش”، قبل أن تغيب عن الشاشة الكبيرة لعدة سنوات، لتظهر أخيرا في الفيلم الروائي الطويل “قبل ما يفوت الفوت” للمخرج التونسي الشاب مجدي لخضر الذي يعرض حاليا في القاعات التونسية.

تعتبر الفنانة ربيعة بن عبدالله من الفنانات المجتهدات اللواتي يُذكرن حين نتكلم عن السينما التونسية، ابتعدت عن عالم الفن السابع كممثلة منذ فيلمها الأخير مع سلمى بكار “الخشخاش”، وها هي تعود بعد سنوات من الغياب لخوض تجربة سينمائية جديدة عبر فيلم “قبل ما يفوت الفوت” (قبل فوات الأوان)، فأين كانت مختفية ولماذا هي مقلة في ظهورها عموما؟

عن سؤال “العرب” تجيب بن عبدالله “متغيبة لأنني أعمل أستاذة جامعية، أُدرّس مادة المسرح وأعمل على تكوين الشباب ليتعلموا فن التمثيل والأداء المقنع، بالإضافة لكوني أمّا لفتاتين شابتين ومسؤولة عنهما وعن توفير الحياة الكريمة لهما، وهو ما يدفعني للالتزام بعملي الجامعي، ولكن مع أول فرصة عمل تصلني وتقنعني سواء على صعيد القصة أو السيناريو أعود فورا لمجالي الذي أحب، أي التمثيل، خاصة أنه ومنذ سنوات وبسبب الأحداث والثورات التي مرّت بها تونس، لم تعد هناك أعمال سينمائية فيها أدوار لسيدات في مثل سني، بقدر ما هناك أعمال همّها الأول قضايا الشباب، وخاصة المعطل عن العمل وليس العاطل عن العمل، طبعا”.

لم تنكر ربيعة بن عبدالله في حديثها مع “العرب” أن عودتها إلى الشاشة الكبيرة بعد طول غياب مع مخرج شاب في تجربته الإخراجية الأولى، عدّها البعض مغامرة قد تضرّ بمسيرتها الحافلة بالنجاحات، خاصة وأنها المرة الأولى في تونس التي يتم فيها إخراج فيلم سينمائي برمّته عن طريق استخدام الكاميرا المحمولة على أنها الموضوع، لكن إيمانها بالمخرج وإعجابها بقصة الفيلم بدّدا فيها كل مظهر من مظاهر التردّد.

وأضافت “ثم إن المكان والزمان الذي تدور فيهما أحداث الفيلم محصوران في مكان وزمان واحد ومحدد، الأمر الذي يفرض على الممثل أن يقدّم أفضل ما لديه، خصوصا أن الأحداث تتطوّر عبر زمن الفيلم وعلى الممثل أن يتطوّر معها أيضا، وهو ما يمكن من خلاله إبراز طاقاتي التمثيلية”.

مغامرة مدروسة

ربيعة بن عبدالله: حبكة قصة الفيلم أعادتني إلى السينما دون تردّد
ربيعة بن عبدالله: حبكة قصة الفيلم أعادتني إلى السينما دون تردّد

تدور أحداث فيلم “قبل ما يفوت الفوت”، حول كارثة تتعرّض لها عائلة متكونة من أربعة أفراد، أم وأب وابن وابنة يعيشون في منزل متهالك، الأمر الذي يدفع كل أفراد الأسرة للتعاون والتآزر في محاولة لإيجاد حل للخروج من المأزق الذي وقعوا فيه للفوز بأرواحهم في النهاية، وهذه الحبكة الدرامية أعجبت كثيرا بن عبدالله، إضافة إلى ما حمله الفيلم من تحد على صعيد الأداء أمام الكاميرا- البطل الحقيقي في الفيلم.

وتقول بن عبدالله “المعروف عن الممثل سواء على خشبة المسرح أو خلف الكاميرا أنه يستمد جزءا من شحنته العاطفية وربما طاقته من خلال الممثل الشريك له في الحدث أو المشهد، لكن في حالة فيلم “قبل ما يفوت الفوت” تغيّر الأمر، فأن يكون تفاعلي مع الكاميرا المحمولة مباشرة وكأنها ممثل يشحنني بأحاسيسه ومشاعره وعواطف، دعاني إلى استحضار التقنيات التي أمتلكها والتي سبق وأن درستها وتعلمتها، خاصة ما تعلق منها باعتماد الممثل على مشاعره الداخلية”.

وتضيف “المرأة التي لعبت دورها في الفيلم، هي أم مسؤولة عن أسرة بأكملها، وهي في الوقت عينه مريضة بنوع من الضيق في التنفس، وهو ما شكل لي تحدّيا آخر في استخدامي لتقنيات الممثل، والقدرة على امتلاك الحماس الداخلي والهلع والغضب”.

لا تخفي الممثلة التونسية المخضرمة في سياق حديثها لـ“العرب” تذّمرها من غياب جمهور الفن السابع عن القاعات السينمائية التونسية، وهو الذي بات يوصف بكونه جمهور مناسبات، حيث تغصّ به قاعات العروض في أيام قرطاج السينمائية، ليغيب عنها على مدار العام.

وعن هذه الظاهرة المخصوصة للجمهور التونسي، تقول “الحقيقة أن جمهور أيام قرطاج السينمائية هو جمهور خاص، وخصوصيته تنبع من هذه التظاهرة وقيمتها المعنوية لديه، لكن بعد انتهاء المهرجان ينتهي كل شيء، حتى الحركة والنشاط يتوقفان في شوارع العاصمة، وهذا للأسف يعتبر خسارة كبيرة للسينما التونسية وصنّاعها.”

وتضيف “نتمنى طبعا، أن تمتد ظاهرة الإقبال على قاعات السينما إلى ما بعد انتهاء أيام قرطاج السينمائية التي لا تتجاوز مدتها الأسبوع، لكن هذا لا يحصل للأسف، والمسألة تتكرّر في كل عام، فأين ذهب ذاك الجمهور؟”.

هنا، تجيب بن عبدالله عن تساؤلها مؤكّدة “إذا بحثنا عنه سنجده جالسا أمام شاشات التلفزيون يتابع الدراما سواء العربية أو التركية، وهو ما يعني أن الجمهور التونسي ليس لديه الخيار في ما يشاهد، ومن هناك وجب على الموزّعين الاجتهاد أكثر في توزيع الأفلام التونسية والعربية المتميزة.”

سطوة التلفزيون

الدبلجة طاغية
الدبلجة طاغية

تعترف ربيعة بن عبدالله بأن أزمة غياب الجمهور عن قاعات السينما، خاصة في العروض التجارية تعدّ أمرا مُربكا لصنّاع الأفلام ونجومه ما يُشكّل خسارة كبرى للقطاع. ومع ذلك تقول “السينما في النهاية ورغما عن أنوفنا أصبحت تجارة، وطالما وجب عرض الفيلم التونسي تجاريا في القاعات التونسية، فإنه سيحتاج لتسويق كبير عبر الإعلانات، لذلك يقع على كاهل المنتج والموزّع الترويج للفيلم عبر مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية وغيرها من وسائل الدعاية بهدف جلب الجمهور، وعلى وزارة الثقافة أيضا أن تقوم على الأقل بالإعلان عن الأفلام التي قامت بدعمها.”

وتستطرد “أما بالنسبة لغياب الجمهور التونسي عن قاعات السينما عموما، فسببه الفضائيات التي باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى تقدّم كل ما هو سطحي وتافه للمُشاهد، الأمر الذي لا يجعله يفكّر في ما يُعرض عليه أو يحلله، فما يقدّم اليوم هو مجرد صور يتابعها حتى وهو يتناول طعامه، كما أن وجود قنوات تونسية تعرض دراما تركية مُدبلجة إلى اللهجة التونسية، جعلت من المواطنة والمواطن التونسي الجالس في منزله في فصل الشتاء البارد، مثلا، يستقبل الدراما التي تأتي لخدمته دون أن يبذل عناء الخروج إلى قاعات السينما والبحث عمّا يفيده ويثريه ثقافيا وجماليا”.

 

13