ربيع آخر لبول كلي في تونس

الجمعة 2014/02/07
التظاهرة تضم لوحات تؤرخ لزيارة بول إلى الحمامات

تونس- في أبريل 1914، قام الرسام السويسري بول كلي برحلة إلى تونس والحمامات والقيروان، توصف بأنها أكثر الرحلات إلهاما في تاريخ الفن المعاصر، حيث مثلت نقطة التحول في حياته حين قال: “لقد أخذني وتملكني اللون، ليس عليّ البحث عنه بعد الآن، أعرف أنه تملكني إلى الأبد، أصبحنا أنا واللون واحدا”.

بول كلي رسام انبهر بألوان تونس وأضوائها، وعُـمق الثقافة العربية وتعدّد أوجه تعبيراتها. بعيدا عن الطابع الفلكلوري وتجلّى ذلك في لوحاته، التي رسمها في تونس أو من وحي زيارته لها.

وبعد مئة سنة واستلهاما من هذه التجربة الخلاقة ومن الأثر الذي خلـّفته، وفي مدينة الحمامات، إحدى المدن التي كانت موضوعا لعديد اللوحات الشهيرة كـ”نظرة إلى ميناء الحمامات” و”جامع الحمامات”. ينظم المركز الثقافي الدولي بالحمامات انطلاقا من اليوم 7 فبراير إلى غاية التاسع منه “ملتقى الفنون” الذي يجمع بين الرسم والموسيقى والسينما كمحطّة أولى في تظاهرة “ربيع آخر لبول كلي بالحمامات بعد مئة سنة”.

ويتضمن البرنامج العديد من المواعيد الفنية تستهل بعرض موسيقي مشفوع بأداء رسم مواز. يليه عرض فيلم لبرينو مول “رحلة إلى تونس" مشفوع بنقاش يديره الرسام والمخرج الناصر خمير، وحلقة دراسية حول توظيف رحلات كبار الفنانين إلى تونس في تعزيز السياحة.

وخلال الملتقى يتولى الفنانون التشكيليون رسم لوحات فنية ذات علاقة بزيارة بول كلي للحمامات، لتتولى إدارة الملتقى لاحقا عرضها في دار سيباستيان في اختتام الملتقى بعد غد الأحد 9 فبراير تحت عنوان “الحمامات ضوء وألوان”. وولد بول كلي في 18 ديسمبر سنة 1879 في قرية مونش، من أم سويسرية وأب ألماني، نشأ ببرن في سويسرا.

تندرج لوحاته ضمن قراءة تشكيلية احتوت أشكالا تجريدية ينبعث منها حسّ فكري نتاجه اللاوعي الراسخ لديه، فيجعل مضمون أعماله متأسسا على نمطية فكرية امتاز بتجسيدها، واختصت بها لوحاته التي تميّــزت بإبــراز الأشكــال المرئية واللامــرئية.

لوحاته متحررّة عن الأشكال الواقعية التي اتخذها مذهبا في أيقوناته الاستشراقية التي قام بها في كلّ من مصر وتونس. إنّ جلّ أعمال “كلي” تميّزت ببناها المعمارية المتوزّعة في أنحاء الشكل وكان يحاول المحافظة على سمة التوازن في توزيع التكوينات المعمارية، فهي لم تكن كثيفة جدا في زوايا اللوحة بينما تخلو بقية أرجائها، وقد حاول بول كلي الجمع بين هذه البنى المعمارية بشكل فني مدروس، بعمق لتبرز أمام المتلقي وكأنها بنيان واحد، محاولا إيجاد نوعية من أنواع الإيقاع الموزع والذي يتنقل عبر الخطوط العمودية والأفقية، فخلق هذا التوزيع نمطا إيقاعيا حركيا يستهدف عين المشاهد ويجعلها تتنقل من كتلة إلى حجم ومن نقطة إلى خط.

لا تخلو أعمال كلي في مضامينها الفكرية والتعبيرية عن البعد الحسي، فاستعماله للون ليس بوصفه قيمة ضوئية فحسب داخل إطار اللوحة، بل هي عبارة عن كتل لونية وخامات مجتمعة ومنصهرة داخلها، لتبرز إحساس الفنان وانفعالاته، إذ يلاحظ أنّ اللون المستعمل داخل العمل يكون في بعض الأحيان اعتباطيا، ويمثل ربما دلالات نفسية داخلية ووجودية، فتبرز أعماله تجريدية تعبيرية تطغى عليها صفة التمويه، وتتلاشى داخلها الأبعاد الجمالية في صلب اللوحة، أما في جانب آخر من اللوحات فقد برزت صفة أخرى، وهي البعد التشكيلي التجريدي حيث تظهر حسب كل لوحة وما تشتمل عليه من نسب وأبعاد.

16