ربيع الفيفا

الخميس 2015/06/04

كان متوقعاً ألاّ يكمل جوزف بلاتر ولايته الحالية، كان متوقعا أن تجبره تداعيات الفضائح في الأخير على تقديم الاستقالة. كثيرون قرّروا النضال من أجل أن يرحل “الثعلب العجوز” عن سلطة الفيفا، لكن القليلين من توقعوا أن يتحقق الهدف على هذا النحو من السرعة.

استقال بلاتر بعد أربعة أيام فقط عن توليه للمرة الخامسة على التوالي رئاسة الفيفا في ظروف شابها الكثير من التنطع. كان الخوف أن يتسبب ذلك التنطّع في حدوث انشقاق عمودي داخل امبراطورية كرة القدم تقوده أوروبا إذا ما استحضرنا طبيعة النقاشات الجارية والحملة التي يقودها بعض نجوم الكرة الأوروبية.

كانت الكثير من القرائن تؤكد بأن امبراطور كرة القدم لن يترك منصبه بسهولة وأنه على الأرجح سيقاتل حتى الرمق الأخير. وفجأة وعلى حين غرة رحل الرجل بعد ضمان ولاية جديدة. أرغم على الاستقالة كرها بعد أن أعد كل عدته لأجل أن يحكم الفيفا إلى الأبد. المهم أننا تأكدنا بالدليل القاطع والبرهان الساطع، بأن بلاتر كان يشبه حكامنا بالتمام والكمال، الأسد، وصالح، والبشير، وبن علي، والكثير من الرؤساء العرب.

لم تكن المفاجأة أن يفوز بلاتر بولاية خامسة وهو يقترب من الثمانين، تلك الثمانين التي قال عنها الشاعر “ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا له يسأم”. جوزيف لم يسأم حتى وهو ينافس نفسه في الانتخابات، كما كان يفعل بن علي، لكن المفاجأة كانت إصراره على أن ينعقد مؤتمر الفيفا في موعده ضاربا بعرض الحائط نصيحة الأوروبيين ومستهجنا حملة الاعتقالات التي طالت العديد من معاونيه، وكأن لسان حاله يردد عبارة صالح “فاتكم القطار”.

كثر الفساد في عهده لدرجة أن المنافسة الدولية على احتضان كأس العالم أصبحت مجرد سوق سوداء لتحويل العمولات وشراء الذمم. تفشي الفساد الكروي في عهده والذي قاد العديد من مسيري الفيفا إلى السجن، لم يمنع بلاتر من تقديم نفسه باعتباره سيكون المصلح الأول لكل ما غفل عن إصلاحه، على طريقة “فهمتكم” التي تفوه بها بن علي. يشبه بلاتر الحاكم العربي حين يحاصره الغرب ويضغط عليه يلجأ إلى انتقاد أميركا، ولربما يطالب بتحرير فلسطين.

وفعلا من سمع خطاب بلاتر لدى فوزه وانتقاده للغرب ولأميركا سيخال الرجل أصبح عضوا في حزب البعث العراقي أو السوري، ويخال أنصاره –وليس مستغربا أنّ ضمنهم عربا- يهتفون: الأسد أو لا أحد، عفوا بلاتر أو لا أحد، بلاتر أو نحرق البلد، بلاتر إلى الأبد. فهل كان مستغربا أن تكون روسيا أول بلد يهنئه على فوزه بالولاية الخامسة، أو العهدة الخامسة بلغة أنصار بوتفليقة.

حكاية بلاتر وضعتنا وجها لوجه أمام حقيقة ما كان يقوله روبيسبيير عن السلطة من أنها تفسد الإنسان. ولعل الديمقراطية من حيث هي نظام مركب للمراقبة والمحاسبة واستقلال القضاء وعدم الترشح لدورتين متتاليتين، تنطلق من فرضية روبيسبيير.

مداخيل الفيفا للعام الماضي بلغت نحو 5 مليارات دولار أميركي. وهذا يذكرنا بحكمة يرددها المغاربة: المال السّائب يعلم السرقة. وهنا بالذات لا فرق بين عربي وعجمي إلا في قوة القانون وحجم المراقبة.

أخيرا، لقد كان حاكم الفيفا بشبه حكامنا، وكل الأمل ألا يشبه ربيعها ربيعنا.

24