ربيع تونس فصل خامس

الأحد 2017/01/15

صباح الخير أيها التوانسة في ذكرى 14 يناير، صباح الخير أيها الشعب الطيب الملول، النزق الكسول، النسّاء الشكّاء، صانع أغرب المفاجآت ورافع كل الرايات.

صباح الخير أيها المزاجيون الذين يديرون ظهورهم لفكرة بنفس الحماسة التي ثاروا لأجلها، لقد كان احتفاؤكم بربيعكم قصيرا جدّا مثل شهر عسل بين زوجين فقيرين.. ربما لأنّ فواتير الديون والنفقات المترتّبة كانت ثقيلة، وبدأت بطرق الباب منذ صباحيّة الزفاف.

الحريات كانت هي الغنيمة اليتيمة، تلقفها الشعب التونسي، تفحّصها، جرّبها، وما لبث أن ملّها ثم سكت مثل عندليب يضرب عن الغناء حين يؤتى له بأنثى يسكن إليها في قفص الزوجية، لكن الحرية لم تكن المطلب الوحيد في قفص لا طعام فيه ولا أمان، فالأسباب تقف كثيرة وراء تعكير صفو هذا "الزواج" الذي يحمل طعم "الطلاق" في ربيع نبتت فيه الأشواك قبل البراعم.

عرس الربيع العربي جاء شبه جماعيّ، أسوة بتلك الحفلات التي تقيمها الشركات الراعية لضعاف الحال من الشباب العازف أصلا عن الزواج.. فكم زواجا سينجح وكم طلاقا سوف ينجح أيضا، وتغصّ به قاعات المحاكم المدنيّة والشرعيّة ذات شتاء عربي يكشّر عن أنياب التطرّف وينذر بالمزيد من المآسي والأوجاع التي يخلّفها الإرهاب.

بعض عرائس الربيع كنّ منتفخات البطون ليلة الزفاف، بعضهنّ قاصرات وبعضهنّ في سن اليأس، فيهنّ البكر والثيّب، العاقر والولود، الحرائر والإماء والأرامل، ذوات السوابق وذوات الرايات.. أمّا العرسان فلا ينطبق عليهم إلا المثل القائل "الفرس من خيّالها".

سنستمرّ في هذه المقاربة بين الأعراس والثورات العربية، ذلك أنه لا يثور إلاّ عاشق ولا يعشق إلاّ ثائر.

لست من أنصار تعدّد الزوجات الذي تمنعه قوانين تونس من أساسها، ويدعو إليه السلفيون والجهاديون سرّا وعلانيّة، لكنّني لا أقف ضد تعدّد الزيجات أو حتى مع الطلاق إن لزم ذلك، وحين يستحيل التأقلم بعد زواج جاء بالإكراه أو العدوى أو الغبن أو الاغتصاب.. أو ينذر بذرية من الدواعش والعياذ بالله، بعد أن كتبنا على بطاقة الدعوة عبارتي "بالرفاء والبنين" و"ممنوع اصطحاب الأطفال".

الانفلاتات الأمنيّة عاديّة ومتوقّعة في الثورات التي ولدت أصلا من رحم الغضب والحرمان، بل ضروريّة أحيانا مثل الخلافات الزوجيّة التي يشبّهها الناس بالبهارات في طنجرة الأكل، لكنّ جلّ ما نخشاه في مطبخ ربيعنا أن يحضر الطباخون بتوابلهم وطرابيشهم وسكاكينهم، ويغيب الطعام.

بالمناسبة - ومادمنا في المطبخ - ما زلنا ننتظر منذ ست سنوات القدر فوق النار، وهي نفس النار التي أشعلها البوعزيزي، وذكرها الحكيم الصوفي الزاهد، أبويزيد البسطامي حين ناجى ربه قائلا “إلهي إن كان في سابق علمك أن يوجد الجحيم فعظّم خلقي فيه حتى لا يسع معي غيري”.

24