ربيع تونس والعودة إلى الصفر: تجربة أفشلها السياسيون

السياسيون يعقّدون الحلول العملية لأزمات متتالية نشبت في تونس منذ اندلاع ثورتها قبل تسع سنوات.
الأحد 2020/12/06
ماذا تغير في تونس

تونس - يلقي التونسيون بالمسؤولية عن تردي الأوضاع المعيشية على سوء تصرف الحكومات المتعاقبة منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي عام 2011، وسط تساؤلات عن التغيير الذي أحدثته “ثورات الربيع العربي” على المشهدين السياسي والاقتصادي في البلد، الذي لا يزال يكافح للخروج من أزماته المتفاقمة.

بعد أيام قليلة تمر الذكرى التاسعة لاندلاع احتجاجات شعبية عارمة في تونس أدت إلى إسقاط نظام بن علي، وفتحت الأبواب أمام تغيير شامل في البلاد. وعاشت تونس على وقع أزمات متتالية كادت إحداها أن تدخل البلاد في دوامة حرب أهلية بعد اغتيال قياديين بارزين في المعارضة عام 2013.

وأعاد طرح مبادرة جديدة للحوار الوطني، قدمها الاتحاد التونسي للشغل أكبر منظمة عمالية في تونس، التساؤلات بشأن المبادرات السابقة، وما إذا كانت المبادرة الجديدة هي الحل لإنقاذ البلاد من الانهيار. ويفترض أن يعيد السياسيون والمجتمع المدني النظر في الحوارات السابقة، والكف عن نزعة النخب السياسية نحو الخلاف اللامتناهي.

ويرى مراقبون أن “في كل الحوارات والتحكيم في النزاعات منذ 2011 أصبح السياسيون يشبهون الممثلين على المسرح الذين يصرون على مراجعة السيناريو بعد كل مشهد بدلا من لعب دورهم”.

ونجح الحوار الوطني، قبل خمس سنوات، في منح تونس جائزة نوبل للسلام، وكان من المفترض أن تدفع هذه النتيجة بالسياسيين إلى التيقظ والسير نحو الجائزة الحقيقية الكامنة في التعافي الاجتماعي والاقتصادي، لكنهم لم يفعلوا وظلوا مهووسين بخلط مقاعد السلطة إلى درجة أنهم تجاهلوا ارتفاع مستويات العجز أو معدلات البطالة.

في كل الحوارات منذ 2011 أصبح السياسيون يشبهون الممثلين على المسرح الذين يصرون على مراجعة السيناريو بعد كل مشهد بدلا من لعب دورهم

وينظر إلى أن السيناريو الأسوأ ليس بالضرورة أن يتحقق في تونس، إذا كان لدى السياسيين الرؤية والشجاعة لإنقاذ أنفسهم وبلدهم بأسلوبهم الخاص.

وكانت الأسباب التي أدت إلى اندلاع احتجاجات شعبية في العام 2011 في العالم العربي والعوائق السياسية هيكلية، وفي الكثير من الجوانب كان الوضع في تونس مشابها لما هو عليه في بقية البلدان غير المنتجة للنفط في المنطقة حيث مستويات لا مثيل لها من بطالة الخريجين بين الشباب العالقين في اقتصادات متوقفة وراكدة بلا مخرج، وحكام لا يستطيعون رؤية الوقت يمر.

وكانت التجربة التونسية مختلفة عن بقية التجارب الأخرى في المنطقة العربية، حيث كان لديها أكبر طبقة وسطى في أفريقيا، ومعارضة تبدو جيدة التنظيم، وعلاقات وثيقة مع أوروبا، وجيش لا يحمل طموحات سياسية، وفي العام 2011 لم تشهد أي دولة عربية أخرى تجمع العوامل الثلاثة.

في ديسمبر 2010، ومع انطلاق احتجاجات الشوارع في تونس، داعبت الأحداث النسيج الثوري الرومانسي في أذهان الباحثين عن الديمقراطية مرة أخرى. وكانت الاضطرابات العنيفة التي تلت الثورات في أجزاء كثيرة من المنطقة أقل أهمية من الوعد بالخلاص من الفساد والاستبداد. لكن العالم العربي لم يكن شرق أوروبا. وسرعان ما تورطت الانتفاضات في أعمال عنف محلية وإقليمية، وتفاقمت الصعوبات الاقتصادية.

اتضح تدريجيا أن الإشادة بـ”الربيع” لم تقابلها مساعدة شبيهة بمشروع مارشال، التي قدمها الغرب إلى دول أوروبا الشرقية للتأكد من أن نموها الاقتصادي يتناسب مع التحولات الديمقراطية، فقد كانت هناك تعهدات من مجموعة السبع لتونس ومصر في وقت مبكر. ولكي نكون منصفين مع الغرب، كانت هناك مساعدة ملموسة لتونس ولكن ليس بالمستوى الذي كان الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي يتخيله.

في تونس التي أصبحت صورة للربيع العربي، تم تخفيف تأثير المساعدة بسبب التباطؤ الاقتصادي اللامتناهي الذي ساهم فيه سياسيون عديمو الخبرة أو غير الأكفاء. وأدت النفقات الأمنية غير المسبوقة التي فرضتها الزيادات الحادة في الإرهاب إلى المزيد من الضغط على الميزانيات.

حتى لو كان من الممكن أن تكون المساعدة الخارجية أكثر تناسبا مع مدح الغرب لقصة النجاح التونسية، كان فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية في تونس من فعل السياسيين التونسيين في الغالب.

صحيح أن تونس تمكنت من تحقيق انتقال ديمقراطي ناجح نسبيا، مع المقارنة بالعديد من الدول العربية التي مرت بنفس الظروف عام 2011 حيث تمتعت البلاد بميزة عشر سنوات من السلام في الداخل، لكن الطبقة السياسية لعبت دورا في تبديد تلك الصورة حيث تقلصت الطبقة الوسطى، وأصبح الجيش يكافح لحماية منشآت النفط والغاز من المتظاهرين، ولم تتكيف المعارضة السابقة لبن علي مع ممارسة السلطة بعد.

بطريقة ما، يذكّر الوقت تونس بأن ظروفها الاجتماعية والاقتصادية تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة في بقية العالم العربي غير المنتج للنفط، وفي مثل هذه الحالات، لا يمكن أن تدعي أنها استثناء في بيئتها. كما تدفع الأزمة الصحية الهائلة الناجمة عن الوباء هذه النقطة إلى أبعد من ذلك.

7