رثاء المستقبل

الاثنين 2015/01/12

هل يمكن رثاء المستقبل حقّا؟ هل يمكن البكاء على شيء لم يقع بعد؟ ألا يعتبر ذلك نوعا من التطيّر والتشاؤم وانعدام الثقة؟ لماذا يشكّل المستقبل نقطة توجّس خوف للكثيرين؟ كيف بمقدور الإنسان تهدئة وساوسه أثناء تفكيره في الغد؟ هل يعتمد الأمر على الاستكانة القدريّة أم تجاهل المستجدّات والسير معصّب العينين في الدرب من باب التوكّل والرضى؟ هل يمكن تدارك الهاوية وإنقاذ المستقبل؟

يتعاظم الخوف على المستقبل، ومنه في بعض الحالات، حين يتمّ الإيداء بجيل الغد، الجيل الذي يفترض به أن يكون حاملا للقيم والأفكار والأحلام والساعي إلى تطبيقها وتجسيدها على أرض الواقع، بحيث أنّ عدّة المستقبل وعتاده يبدّدان في عالم اليوم، وبخاصّة في الدول التي تشهد حروبا أهلية ونزاعات مسلّحة وصراعات.

لا يكون الحديث عن رثاء المستقبل أو توصيفه بالخسارة، أو الربح، من منطلق وضع قوالب جاهزة له، والدفع إليها، واحتكار التنظير والتخطيط لها، بل يكون عبر قراءة الواقع ومعطياته، والماضي وتشعّباته، والأحداث وإفرازاتها، ليستدلّ المرء بعدها إلى خطوط نحو المستقبل الذي يكون امتدادا للماضي والراهن.

يشكّل الاستبداد جذر المشكلة، وعقدة الداء المتأصّلة في جسد المستقبل، فالمستبدّ يدمّر المستقبل من خلال تدميره الراهن، ومساعيه إلى تخريج أجيال جاهلة، لا تعرف إلى تقبّل الآخر طريقا، ثمّ يمهّد لعقد تحالف كارثيّ لعين بين الجهل والفقر، بحيث يحرّض على العنف، ويبثّه في ثنايا الجسد المترهّل الحامل لعلله الكثيرة والناقل لها من جيل إلى آخر. من جهة أخرى يخلق المستبدّ عداء متعاظما بين الناس، يجبر الأطفال على حمل فيروس الثأر في أرواحهم وأذهانهم، في عملية يمكن وصفها بأنّها أشرس أنواع العداء.

ويكون المنحى الآخر للتدمير كامنا في استنزاف الثروات الطبيعيّة، وإفقار الأجيال القادمة، وحرمانها من حقوقها في أرضها، وبالتالي ينصب كمائن للإجرام تتفجّر تباعا. ويلجأ بالموازاة مع ذلك إلى التشريد، وما يعنيه من قهر وأسى وضياع.

بإسقاط الحالة النظرية على الواقع، واقتفاء أوضاع الأطفال في مخيّمات النزوح وأماكن اللجوء، بالنسبة لأولئك الذين تشهد بلدانهم حروبا وصراعات عنيفة، يلاحظ المتابع أنّ الأطفال يخوضون حربا مع الواقع، فيكتسبون العنف، ويعتادون عليه سلوكا، ويجدون أنفسهم أسرى مرارات سيدركونها لاحقا، أي في المستقبل القريب، وحين يدركون أسبابها فإنّهم سيحاولون إحداث التغيير بشتّى السبل، وقد يكون العنف الذي اكتسبوه أيسر تلك السبل.

قد يكون الجيل الجديد حاملا لعقد كثيرة تنذر بمخاطر جسيمة، لأنّه لن يكون لدى أجيال الحرب والتشرّد والضياع ما تخشى عليه، ومَن تخشى عليه، وهنا تكمن خطورة العبث بالمستقبل وتبديده.


كاتب من سوريا

15