رثاثة الشوارع ولغة اليوم

الطامة الكبرى أن شوارع المدن الكبرى غزاها "الحرافيش" وتسلل إليها المعدمون بعد الفوضى التي عمت عالمنا العربي وهجرة الآلاف من المثقفين والمتعلمين وأصحاب الشهادات وكبار الرموز الأدبية.
الخميس 2018/08/09
للشارع لغة ومفردات حين تسود تندحر الثقافة والمعرفة (لوحة: شادي أبوسعدة)

للشوارع أخلاقيات وشواغل وأزقة و”درابين” و”زنق”، ومنها نهج الحياة وممراتها وتلاوينها وتباين البيئات فيها، وتعددها وثقافتها ولغتها أيضا، بين مار عابر سبيل وشاغل لها معتاد.

في السياسة يُحذّر أصحاب الفقه من ظاهرة أسموها “سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة”، حينها تفرض الإتاوات الجماهيرية، وتنقلب السياسة إلى استرضاءات وتعمّ الفوضى، وتظل الميزانيات تُلاحق زمن العشوائيات لترضي العامة، وينشغل الساسة عن الواجبات والمهام الكبرى باسترضاء الشارع المليء بالمطالب المتراكمة التي قد تنفجر فجأة وكأنها قنبلة موقوتة أو كما عبر عنها نوري السعيد باشا “نزع قبق” أي غطاء البالوعة، ساخرا حين هدّده برلمان الخمسينات العراقي بالرحيل، أو هي كما قال السادات “علمتكم الصراحة ولم أعلمكم الوقاحة” وأشهر عصاه.

وللشارع لغة ومفردات حين تسود تندحر الثقافة والمعرفة، ويحكي مثقفو البلد في الفضائيات بلهجة دارجة تصل إلى “الجلفية” الفجة التي تعبر عن ثقافة أصحابها وانحدارهم من شوارع البازار بالمفرد، أو هي تعابير من وحي الورش والأزقة والحارات الضيقة التي تتوالد بحكم الاشتقاقات والتراكيب العجيبة يبتكرها أبناؤها.

 وتراها كعالم غريب يدخل البيوت عبر الفضائيات والمسارح الهابطة والأغاني الأقل هبوطا، مع التلذذ بحسّية دلالتها، تصل حد البذاءة في اللفظ والمعنى، وهذا ما تقصفنا به كل ساعة قنوات تموّلها الأحزاب والمؤسسات الربحية، التي تملأ فضاء النايل سات واليوتل سات والهوت بيرد، حتى تكاد تكون محاصرا بسيول من الشتائم التي بدأت من عصر المسرح الفكاهي الهابط إلى عصر السوشيال ميديا المفتوح.

وفي الأدب فإن للشوارع حصة الأسد في كتابة الشعر الهابط والأدب الأكثر هبوطا في الرواية والقصة، فقد يضطر الكاتب إلى الإغراق في الواقعية إلى استعارة لغة الحارات بكل فحشها وتدنيها بدعوى التقرب إلى دفق الشوارع وولوج عوالمها، وكأنه مسجل عام لحالها، ومجس للغة الناس، غير مبال بالقيمة التربوية ورقي الرسالة الواجب توصيلها كما فعل أنطون تشيخوف أو ألكسندر بوشكين أو نجيب محفوظ الذين تحدثوا عن شخوص الشوارع وكأنهم أبناءها دون مساس بالحياء العام إلا نادرا.

الطامة الكبرى أن شوارع المدن الكبرى غزاها “الحرافيش” وتسلل إليها المعدمون بعد الفوضى التي عمت عالمنا العربي وهجرة الآلاف من المثقفين والمتعلمين وأصحاب الشهادات وكبار الرموز الأدبية.

وأذكر هنا أن في آخر أيام شاعر العرب الجواهري الذي اختار براغ منفى له، سأله أحد معيته “أبوفرات أما آن الأوان لتعود حيث مكان قبرك في النجف؟”، بادره الجواهري بعد أن تملّى براغ وحسنها بإعجاب “أطلتي الشوط من عمري أطال الله من عمرك هلمي خالطي بشري تفري أنت من بشرك”. إنها مواسم الهجرة مواسم ترك الأوطان.

24