رجائي عطية نقيب المحامين المصريين يحاول استعادة هيبة الأفوكاتو

نقيب المحامين رجائي عطية يؤمن أن مهمته هي أن يعمل على استعادة المفهوم المطموس للرسالة الخالدة للمحاماة لأن المحامي صوت الحق.
الثلاثاء 2020/03/24
المحاماة فن الإقناع

كتب رجل القانون المصري الشهير عبدالرزاق السنهوري يوما “إن المحاماة هي فن الحجة، والبرهان، والإقناع، لذا كان رواد الفلسفة محامين بما يملكون من حجج، ولغة عالية، ونظرة ثاقبة، وكثير من الشعراء كانوا محامين بما يمتلكون من أدوات اللغة والبلاغة والفطنة”. وقال ناصحا معشر المدافعين عن الحقوق من المحامين الشبان “لا تكذب ولا تعط الوعود، فأَنت لست صاحب قرار ولست مسؤولا عن النتائج، وقبل ذلكَ كلّه كن إنسانا لتكن محامِيا، لا تكسب دَعْوَى وتخسر نفسك”.

تلك كانت النظرة العامة لشخصية المحامي في العالم العربي، وفي مصر تحديدا  في ما مضى، فهو رجل يُدافع عن الحق، يعادي الظلم، يعمل من أجل الإنصاف، ويستخدم الذكاء والفطنة والبلاغة في تبرئة المتهمين ظلما. المحامي هو رجل الحقوق، وملاذ البسطاء، وعين الناس للرقابة على مدى التزام السلطة التنفيذية بالقانون، لذا لم يكن غريبا أن ينتمي الكثير من الزعماء الوطنيين في مصر الحديثة إلى مهنة المحاماة.

غير أن صورة المحامي تغيرت وتبدلت كثيرا خلال السنوات الماضية، ربما بتأثير انحرافات البعض، وربما أيضا بتحول مفهوم المحاماة نفسه من وسيلة للدفاع عن المظلومين إلى طريق للاحتيال على القانون وقلب الحق باطلا، والباطل حقا، وإنصاف المجرمين ومساعدة الخارجين عن القانون على الإفلات من العقاب.

تجاوز الحزبية

دفاعه عن خالد الإسلامبولي قاتل السادات وعن شقيق الأخير عصمت، وكذلك عن جمال وعلاء مبارك في الوقت ذاته، لا يرى فيه عطية أيّ تناقض
دفاعه عن خالد الإسلامبولي قاتل السادات وعن شقيق الأخير عصمت، وكذلك عن جمال وعلاء مبارك في الوقت ذاته، لا يرى فيه عطية أيّ تناقض

 لا شك أن ذلك كله ساهم في تدني النظرة المجتمعية للمحامي في مصر التي يزيد فيها عدد المحامين عن مئة وستين ألفا، حتى ازدحمت السينما المصرية الحديثة بصور لنماذج سلبية للمحامين مثل تلك التي طرحت في أفلام “الأفوكاتو” من إخراج رأفت الميهي وبطولة عادل إمام، و”طيور الظلام” للمخرج شريف عرفة وبطولة عادل إمام أيضا ويسرا، و”محامي خلع” للمخرج محمد ياسين، وبطولة هاني رمزي.

نبأ الفوز الكاسح للمحامي رجائي عطية بمنصب نقيب المحامين، قبل أيام، كان محل اهتمام واستبشار لدى الكثير من رجال القانون والحقوق، باعتباره أحد رجال الجيل القديم في المهنة، والساعي كما أكد هو في برنامجه الانتخابي إلى استرجاع هيبة ومكانة المحامي، وإعادة الاعتبار إلى صورته بشكل عام، ومساندته لرفع كفاءته وتطوير قدراته ومهاراته والتكاتف معه في مواجهة استباحة دوره أو عمله.

فاز عطية المستقل بضعف الأصوات على منافسه القوي سامح عاشور والمحسوب على التيار الناصري، لأن المحامين كانوا يتطلعون إلى التغيير، ويسعون إلى استعادة صورتهم، وربما أيضا لأن عطية أكد دائما أن العمل النقابي يجب أن يتجاوز الحزبية، ولا طريق لاستعادة مكانة المحامي وتطوير المهنة وانتشالها مما تعانيه من تدهور شكلي وعملي إلا بالعمل الخدمي لا السياسي.

صوت الحق

صورة المحامي المصري الحالية تختلف عن مثيلتها في الماضي. فقد تغيرت بتأثير الانحرافات، وبتحول المحاماة من مهمة للدفاع عن المظلوم إلى طريق للاحتيال على القانون
صورة المحامي المصري الحالية تختلف عن مثيلتها في الماضي. فقد تغيرت بتأثير الانحرافات، وبتحول المحاماة من مهمة للدفاع عن المظلوم إلى طريق للاحتيال على القانون

يرى عطية أن المحامي صوت الحق، وأن عليه أن يحمل راية العدل والصدق والأمانة، ويناضل لدرء الظلم، وهو يعلم أن حريته ومصالحه وحياته في خطر. وقد كتب ذلك في إحدى مقالاته وكأنه يستعيد أزمنة وأمجاد محامين عظماء صالوا وجالوا في ساحات وأروقة المحاكم المصرية تاركين بصماتهم على مرّ التاريخ، مثل إبراهيم الهلباوي الذي سمّاه الكاتب الكبير عباس العقاد يوما “أعظم طلاب المرحمة” أو مكرم عبيد باشا صاحب المقولات الأبلغ في احترام القانون، أو كمال خالد المحامي المعارض للسلطة، وغيرهم من الأفذاذ والرواد.

غير أن مشكلات نقابة المحامين تتجاوز كثيرا فكرة تراجع وتدني صورة المحامي، فهناك مشكلات أخرى أزلية تخص ملفات المحامين المتقاعدين، وبرامج علاجهم، فضلا عن ضعف مستوى التدريب والتطوير بسبب عدم تبني النقابة لبرامج حقيقية لتطوير الأداء. وهنا يعبر عطية بشكل أدبي عن ذلك قائلا “إن الأمور وصلت إلى ما هو أدنى من القاع في نقابة المحامين”.

يمثل عطية نموذجا استثنائيا بين المحامين في مصر من حيث الاهتمام بالأدب والتاريخ والمواظبة على الكتابة في الصحف والمجلات، وإصدار بعد آخر، وهو من مواليد مدينة شبين الكوم بمحافظة المنوفية، بشمال القاهرة، في شهر أغسطس 1938.

والده عطية عبده كان محاميا كبيرا ومعروفا وصل إلى درجة نقيب المحامين بالمنوفية، وشكل جانبا كبيرا من شخصيته حسبما يقول، فهو مثله الأعلى وما زال، ورسخ المبادئ والقيم المنحازة للعدالة، وزرع فيه الوقوف إلى جوار البسطاء والمظلومين، كذلك فإنه مدين لأستاذه الشاعر والمحامي وأستاذ القانون محمد عبدالله محمد الاهتمام بالبلاغة والحرص على جمال العبارة ومحبة الأدب والفكر.

درس هو القانون في جامعة القاهرة وتخرج فيها سنة 1959، لكنه لم يكتف بذلك، إنما قرر صقل دراسته بالعلوم العسكرية فحصل على دبلوم العلوم العسكرية من الكلية الحربية، ليعمل بعدها في سلك القضاء العسكري لنحو خمسة عشر عاما. ثم قرر التفرغ تماما للقضاء المدني ليلمع اسمه في عدة قضايا شهيرة، أبرزها قضية تنظيم التكفير والهجرة، ثُم اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، وغيرها من القضايا الكبرى.

عطية صاحب مقولات مأثورة يستخدمها الكثير من المحامين ويتداولونها في ما بينهم، منها مثلا ما يعبر عن زهد وثقة في الوقت ذاته مثل “رضا الإنسان عما يفعل أهم شيء في حياته

لم يحمل الرجل، كما قد يتصور البعض، فكرا إسلاميا أو تعاطفا مع المتطرفين، وإنما كان تصوره قائما على ضرورة الدفاع عن أي متهم، لأن حقه الطبيعي أن يكون له محام، وليس أدلّ على ذلك من أنه فضح ونقد في ما بعد تيارات الإسلام السياسي بعمق في مؤلفاته وكتبه ومقالاته.

تولى في الوقت نفسه الدفاع عن عصمت السادات شقيق الرئيس السادات في قضية اتهامه بالفساد في بداية الثمانينات، وتولى أيضا مطلع الألفية الثالثة مهمة الوكيل القانوني لجمال وعلاء نجلي الرئيس الأسبق حسني مبارك في دعواهما ضد إحدى الصحف العربية عندما نشرت إعلانا تضمن شائعات مسيئة لهما.

ورغم استخدام ذلك التصرف ضدّه في الانتخابات السابقة في نقابة المحامين التي سبق وأن خاضها ثلاث مرات، إلا أنه  لم يعد يأبه بذلك رافضا تماما توصيف خصومه له بكونه محامي الإرهابيين والحكومة في آن واحد، بل إنه يرى أن النقيضين دليل على استحسان أي متهم لدوره كرجل قانون واللجوء إليه طالبا إنصافه.

قال الرجل في إحدى حواراته الصحافية، إنه غير نادم على الدفاع عن خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس السادات، “فهو نفسه كان معترفا وعلى يقين أنه سيعدم، لكنني كنت أدافع عن حقه في أن يكون له محام، بالطبع أنا ضد القتل ولا أقرّه، لكن سيادة القانون تلزم بأن يكون للمتهم دفاع”.

ومع أن عطية يعتبر الرئيس السادات أحد أعظم حكام مصر، لكنه في الوقت نفسه يتحمل واجبه كمحام ورجل قانون يطلب منه المتهم بقتل السادات الدفاع عنه في حدود القانون. مردّ ذلك كله في تصوره فكرة الاستقلالية التي يحملها في ذاته، بمعنى رفض الانتماء إلى حزب أو تيار، والالتحاف بالقيم القانونية والتحرر من أيّ أيديولوجية سياسية، وهي استقلالية واضحة وحقيقية جعلته يوما إلى جوار الحاكم وآخر إلى جوار المحكوم، وتلك سمة مميزة ساعدته على حصد أصوات جموع المحامين في الانتخابات الأخيرة.

من هنا، فالرجل على عكس خصمه اللدود سامح عاشور، النقيب السابق للمحامين في مصر، بعيد عن السياسة بمفهومها الحزبي. فهو يراها على حقيقتها، إذ أشار في أحد حواراته السابقة إلى “إن الحياة الحزبية في مصر عقيمة جدا، فلا توجد سياسة حقيقية  بين أحزاب قديمة تآكلت أو صارت تاريخا، وأفرغت معظم قواها في صراعات داخلية تسببت في تقطيع أجنحتها، في الوقت الذي لم تقدم فيه الأحزاب الجديدة طرحا حقيقيا، ولا تزال تحتاج إلى المزيد من التجربة والاقتراب من الناس ومعيشتهم ومعاناتهم”.

كتب وسيناريوهات

عطية يؤمن بأن المحامي يجب أن يستعيد أمجاد عظماء صالوا وجالوا في ساحات وأروقة المحاكم المصرية تاركين بصماتهم على مرّ التاريخ
عطية يؤمن بأن المحامي يجب أن يستعيد أمجاد عظماء صالوا وجالوا في ساحات وأروقة المحاكم المصرية تاركين بصماتهم على مرّ التاريخ

يبدو رجائي عطية كاتبا موسوعيا متعدد الإصدارات في نظر الكثيرين، فبعيدا عن إصداراته القانونية الكثيرة التي تضمها مجلدات كبيرة، للرجل كتب عديدة تحمل تأملات وتحليلات في التاريخ والأدب والدين، مكتوبة بلغة بليغة جذابة وسلسة، تجمع بين العمق اللغوي والبساطة التركيبية، وتؤصل للفكرة بأمثلة ومواقف تاريخية لا تخلو من آراء وملاحظات يقدمها من آن إلى آخر. وتعكس كتاباته في التاريخ الإسلامي وعيا وفهما كاملين لتتابع الأحداث ومواطن استغلال البشر للدين في تحقيق غايات شخصية، ومن أبرز مؤلفاته في ذلك الصدد كتاب “دماء على جدار السلطة” الذي يسرد فيه سبل الصراع بين البشر تحت رايات مختلفة طلبا للسلطة.

وكتب بجرأة “إن الخلافة ليست حكما أساسيا من أحكام الإسلام، كما يزعم زعماء الإرهاب حاليا”، وأقرّ بصراحة شديدة “أن الكيانات الإرهابية التي تقيم دولها تحت زعامة الخلافة خرجت جميعا من تحت عباءة الإخوان التي حوت العديد من التنظيمات الإرهابية، فقد ضربوا مثالا واضحا للعالم خلال فترة توليهم حكم مصر، بأنهم لا يصلحون للحكم، بالإضافة إلى نواياهم الخبيثة في نشر الفكر المتطرف”.

كما تستعرض بعض كتب عطية خبرات الحياة والعمل بين القانون وروحه وتحليلات واسعة لتطور البُنى الاجتماعية عبر الزمن، فنجده يسكب خبراته وأفكاره وتجاربه للأجيال الجديدة بدأب وروعة في كتبه “تأملات حائرة”، و”شجون وطنية”، و”اصطباحة الأحباب”، و”من تراب الطريق”.

كتب في السير الشخصية كتابا أدبيا جذابا عن حياة الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري، وكتب أيضا عن العقاد مؤلفا جامعا ومحللا للكثير من آرائه وأفكاره وطروحاته الإنسانية والفكرية، فضلا عن كثير من الكتب الأدبية الأخرى مثل “السيرة النبوية في رحاب التنزيل”، و”ماذا أقول لكم”، و”فرسان ثوار”، و”الإنسان والكون والحياة”، و”دولة الأيام”.

تبدو فكرة الكتابة متلازمة للمحامي المخضرم منذ بدء تخرجه في الجامعة، إذ حرص على الكتابة بانتظام في الصحف، حتى أنه لا توجد صحيفة أو مجلة مصرية، حكومية أو معارضة أو مستقلة، لم تكن له مقالات فيها.

يمثل عطية نموذجا استثنائيا بين المحامين في مصر من حيث الاهتمام بالأدب والتاريخ والمواظبة على الكتابة في الصحف والمجلات، وإصدار بعد آخر

لم يكتف بذلك، بل كتب سيناريوهات لأعمال وحلقات درامية قدمها التلفزيون المصري مثل “رجل المال” المأخوذ من قصة للكاتب توفيق الحكيم، و”امرأة مسكينة” المأخوذ من إحدى قصص الأديب يحيى حقي.

عطية صاحب مقولات مأثورة يستخدمها الكثير من المحامين ويتداولونها في ما بينهم، منها مثلا ما يعبر عن زهد وثقة في الوقت ذاته مثل “رضا الإنسان عما يفعل أهم شيء في حياته، فالرضا لا يتحقق  إلاّ إذا صادف سلوك الإنسان ما يؤمن ويعتقد أنه الحق”. ومنها ما يدل على التواضع مثل قوله المتكرر “أنا في عيني صغير صغير صغير”. ومنها ما يدل على احترامه الكبير للمرأة وللدور الذي لعبته في حياته إذ يقول عنها “هي الكتف الحقيقي للرجل، هي صانعة الحياة، هي كل شيء”.

يرى رجائي عطية أخيرا أن المحاماة رسالة خالدة، وفي سبيل ذلك يؤمن أن مهمته هي أن يعمل على استعادة هذا المفهوم المطموس، ويحاول أن يعيد إلى المهنة هيبتها، فقد جاءه المنصب بعد فترة طويلة من الانتظار والمعارك الانتخابية ليكون محاميا لجميع المحامين.

13