رجال الأعمال يخذلون الحكومة الجزائرية في مواجهة الأزمة الاقتصادية

أبدى مراقبون اقتصاديون تشاؤما كبيرا حيال سياسة الحكومة الجزائرية في احتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية ومن إمعانها في اعتماد الحلول السهلة التي تثقل كاهل المواطن بالضرائب، بدلا من البحث عن بدائل لتطويق مخلفات تراجع الإيرادات النفطية.
الجمعة 2016/10/28
البحث متواصل عن حل مفقود

الجزائر - أكد خبراء في الشأن الاقتصادي أن الحكومة الجزائرية فشلت في استقطاب الكتلة النقدية الموازية، وتراجعت حظوظ الاستعانة بالاستدانة الداخلية.

وعجزت العديد من الإجراءات، وفي مقدمتها العفو الجبائي وسندات الخزينة عن تحقيق الأهداف لتغطية جزئية لعجز الموازنة.

وقال الخبير فرحات آيت علي في مقابلة مع “العرب” إن “ما تطرحه الحكومة، بحسب تصريحات رئيس الوزراء والبعض من المسؤولين الحكوميين، حلول شبه انتحارية لتغطية العجز المقدر بنحو 30 مليار دولار”.

وأوضح أن فكرة غلق صندوق ضبط الإيرادات وتحويل 8 مليارات دولار المتبقية فيه لتغطية العجز، واللجوء إلى مداخيل استدانة داخلية بنحو 4 مليارات دولار، فضلا عن ملياري دولار كمداخيل عن ضرائب ورسوم وانسحاب من دعم المواد الاستهلاكية الرئيسية، لن تفي بالغرض.

ويرى أن الحل الأمثل هو إطلاق مشروع استراتيجي شامل لإعادة هيكلة الاقتصاد من طابعه الريعي نحو اقتصاد منتج تمنح فيه الفرص لمن يقدم مقابلا ماديا من مداخيله و”الخيار يستوجب ثورة حقيقية في المنظومة القانونية والقضاء على البيروقراطية”.

30 مليار دولار حجم العجز المقدر في موازنة السنة المالية الحالية بسبب تراجع إيرادات النفط

وعلمت “العرب” في هذا الشأن، من مصادر اقتصادية، بأن وعود رجال الأعمال، بشراء أكثر من 4 مليارات دولار من سندات الخزينة، لم تتحقق بنسبة كبيرة رغم مرور أشهر على لقاء الحكومة مع “منتدى رؤساء المؤسسات” المقرب من السلطة، لتفعيل المبادرة الحكومية.

وقالت المصادر إن عملية “الامتثال الضريبي الطوعي التي أطلقتها الحكومة العام الماضي، فشلت هي الأخرى في تحقيق أهدافها، حيث لم يتعد رقم الممتثلين للمبادرة من رجال الأعمال وأصحاب المال الناشطين في السوق الموازية سقف 300 ممتثل”.

ويعدّ هذا الأمر فشلا للحكومة في استقطاب الكتلة النقدية الموازية المقدرة بنحو 40 مليار دولار، وتتفادى إلى حدّ الآن مكاشفة الرأي العام، بالأرقام والإحصائيات المسجلة، عن الخذلان الذي تلقاه مخططاتها، تجاه ناشطي السوق الموازية، ورجال الأعمال المقربين منها، فالوعود المحققة لم تتجاوز حدود 15 بالمئة.

وأرجع الخبير الجزائري، المسألة إلى الضبابية والخوف الذي أحاط بالعمليتين اللتين أطلقتا في توقيـت واحـد ما يعـزز فرضية الإفلاس، وفي هذه الحالة تتزايد الشكوك في الوضع السائد وفي سياسة الحكومة، خاصة في ظل نسبية الوفاء بوعودها وأهدافها.

وقال “كان ظاهرا منذ البداية أن المشروعين يحملان في طياتهما عوامل الفشل لطابعهما الارتجالي والغموض الذي يلف النصوص القانونية وتضارب التصريحات بين المسؤولين، وحتى التعامل الرسمي مع الراغبين في الانخراط في المشروعين”.

ويعيب الخبير على الحكومة الرؤية القاصرة في عملية الاكتتاب، لكون أغلبها يتمّ بواسطة أمـوال كـانت مودعـة في البنـوك من طرف جهـات رسمية وشـركات، وبتحويلها إلى الخزينة العامة تكون البنـوك قد أفرغت من سيولتها، وذلك أمر أخطر من عجز الموازنة.

فرحات آيت علي: ما تطرحه الحكومة الجزائرية لتغطية عجز الموازنة حلول شبه انتحارية

وإن لم تتجاوز توقعات الخبير لمشروع الاستدانة الداخلية، حدود 15 بالمئة من حجم العجز المالي، فإنه يرى بأن الغموض الذي أحاط بمسألة استثناء الأموال “الفاسدة” حيث تحدثت النصوص الخاصة في العموم، ولم تحدد كيفية إثبات الصفة، ولا حتى وضوح آليات الوفاء والآجال، وهذا الأمر قد يساهم مستقبلا في عـدم التفـاعل المأمول لرجال الأعمال وناشطي السوق المـوازية مع المشـروع.

ويدفع الوضع المالي في الجزائر، والفشل الذي منيت به الحكومة في تغطية العجز إلى فرض المزيد من الضرائب على الفئات البسيطة، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي لا سيما وأن قانون الموازنة العامة 2017، يحمل مؤشرات قاسية تتمثل في ارتفاع كبير للأسعار.

ولجأت الحكومة إلى رفع الرسم على القيمة المضافة، من 17 إلى 19 بالمئة، والمخفضة من 7 إلى 9 بالمئة.

وبحسب آيت علي، يبدو أن الرفع بدرجتين سيكون قابلا لمقاومة القدرة الشرائية للزيادات المنتظرة، لكن الأمر سيكون صادما لأنه يتعلق برفع الرسم بدرجتين في كل مراحل الإنتاج أو الخدمة.

وأكد أن المواطن الجزائري سيستفيق مطلع العام المقبل على واقع اجتماعي واقتصادي قاس، لأنه لم يبق أمام الحكومة إلا تنفيذ تلك الخطوة.

وإقرار قانون موازنة 2017 لضريبة كبيرة على استهلاك الطاقة بنحو 40 بالمئة، سيتسبب في رفع أثمان الأجهزة الكهرومنزلية، وفي المقابل سيتراجع الاستهلاك، ويتراجع نشاط المؤسسات المنتجة، ويتراجع معهما الدخل الضريبي، ويلجأ أرباب العمل إلى تسريح العمال، وتبقى دورة الاقتصاد تسير في حلقة مفرغة.

وأمام هذه المؤشرات الخطيرة، يرى الخبير أن الحكومة فقدت هوامش المناورة تدريجيا، ولم يبق أمامها إلا اللجوء إلى تخفيض قيمة الدينار، مع انتهاج سياسة إعادة النظر في الرواتب برفع الأجور الضعيفة دون الأخرى، وبتقليص منح وأجور الإطارات السامية في مؤسسات الدولة إلى ثلث ما هي عليه الآن، بغية التحكم ولو نسبيا في القدرة الشرائية وتوزيع أعباء الأزمة بالعدل على جميع الفئات.

10