رجال خانوا العهد وهجروا زوجاتهم بعد مرضهن

العهد هو رابطة من الولاء الشخصي بين طرفين، وعقد الزواج يعدّ تلقائيا عهدا موثقا أمام الله وأمام الناس، أقرّه الزوجان بإرادتهما التي ينطقانها بنفسيهما على المعاملة الحسنة والمودة والرحمة والرعاية في السراء والضراء، ولأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، فبجانب الرخاء والصحة يحدث النقص في الأموال وأيضا المرض، وليس معنى أن يمرض أحد الزوجين أن الحياة انتهت وأنها آخر المطاف، لكن هناك من يهرب من العهد ولا يقف بجوار شريك العمر في محنته ولا يسانده.
السبت 2015/05/09
العجز عن التعايش مع الحالة المرضية للمصاب يحدث فجوة كبيرة بين الزوجين

القاهرة - تقول نجوى.ع: كانت حياتي مع زوجي سعيدة، ولم أُعان يوما من الإحساس بعدم الأمان، فقد كان يحبني ويحرص على سعادتي وراحتي، ولكن كل هذا تغيّر بين عشية وضحاها، عندما اكتشفت أنني مصابة بسرطان الثدي، وخلال بضعة أيام فقط قرّر الأطباء أن يجروا لي عملية استئصال للثدي الأيسر، وربما لا تسعفني الكلمات لوصف حقيقة ما عانيته من ألم جسدي ونفسي في تلك الأيام، وحقيقة كان زوجي بجانبي في تلك الأيام ولم يفارقني يوما واحدا، حتى غادرت المستشفى وعدت إلى المنزل، حيث سمح لي الأطباء باستكمال علاجي في البيت، ولكنه بدأ يبتعد عني بصورة تدريجية، رغم أنني كنت في أمس الحاجة إليه، ولم يعد يحرص على مصاحبتي في جلسات العلاج الكيميائي، ويتحجج بأعذار واهية مثل العمل أو الانشغال، وقد أدى هذا إلى تراجع حالتي الصحية، ووجدت نفسي في المستشفى من جديد، وبعد خروجي ببضعة أيام فوجئت بأخته الكبرى تأتي لزيارتي، وقبل أن تغادر أخبرتني أنها جاءت لتبلغني أنه قرّر أن يتزوج ابنة خالته الأرملة خلال بضعة أسابيع، لكنه لا يريد أن يفعل ذلك دون موافقتي، فكان جوابي لها: “مادامت العشرة هانت عليه فليفعل ما يشاء”.

أما فاطمة .م فتقول: بدأت بوادر الخلاف واستمرت حالتي تزداد سوءا، وبدأت أُعاني من اضطراب في الدورة الشهرية إلى جانب استمرار الزيادة في الوزن، وعندما قرّرت الذهاب إلى الطبيب رغم اعتراضه وعدم موافقته، تبيّن أنني أُعاني من قصور في الغدة الدرقية، وعلمت بأنها حالة دقيقة فضلا عن أنها غير قابلة للشفاء، ولكن يمكن السيّطرة عليها بالعلاج والاستقرار النفسي، وللأسف عندما علم زوجي بحقيقة حالتي لم يصدر عنه أيّ تعليق ولم يكلف خاطره بمواساتي، واكتفى بهز كتفيه والتفوّه ببضع كلمات تعني عدم ملاحقة الأطباء وتصديق كل ما يقولونه، وفي الحقيقة لقد أصابتني ردة فعله بالإحباط فزادت حالتي سوءا، في حين بقي هو مصرّا على التعامل معي ببرود، مدعيا أن الأوهام تسكن رأسي، وكان لا يتورّع عن اتهامي أيضا بالكسل والخمول، وأصبح يمضي معظم وقته في الخارج، وازدادت الفجوة بيننا إلى درجة أنني بدأت أفكر بأن الحياة بيننا أصبحت مستحيلة.

الرجل الأناني لا يبحث إلا عن ملذاته وراحته فقط، ولا يريد أن يرى زوجته تتألم، إنه يريد حياة خالية من متاعب المرأة

ومن واقع تجاربه في علاج المرضى يقول الدكتور فتحي عفيفي أستاذ الطب النفسي جامعة الأزهر: إحدى السيدات اندفعت إلى اتهام صنف الرجال بالقسوة والأنانية، فالرجل على حد وصفها لا يبحث إلا عن مصلحته ومتعته الشخصية، مشيرة إلى أنه لا يحب أن تشتكي زوجته من أيّ علة، حتى لو كانت مجرد صداع، ليس خوفا عليها أو حبا لها بل حبا لنفسه.

وأكدت رأيها مستعينة بالمثل الشعبي “زوجي يحبني عفية وأهلي يتمنونني غنية”، ويزداد حكمها على الرجل قساوة، فتصفه بأنه ظالم لا يراعي مشاعر زوجته إذا مرضت، فهو يتمسّك بحقه في أن يجد بيته نظيفا مرتبا عند عودته من عمله، والطعام ساخنا في انتظاره، وأن تكون ملابسه نظيفة، وأولاده في تمام الصحة والعافية، يذاكرون دروسهم وينجحون بتفوق، وينامون في وقت مبكر ويتحلون بالأخلاق الحميدة، كل هذا دون أن يكون له أيّ دور، ودون أن تشتكي زوجته من أيّ تعب أو كلل، وإذا حدث واشتكت فهي زوجة متعبة وتعشق النكد.

أما الدكتور أحمد شوقي، أستاذ علم النفس فيرى أن المشكلة لا ترتبط بمرض الزوج أو الزوجة بقدر ما ترتبط بكيفية التعايش مع المرض، ولكن العجز عن التعايش مع الحالة المرضية للمصاب يحدث فجوة كبيرة بين الزوجين، يفهمها المريض على أن شريكه قد ملّ منه، أو لم تعد لديه القدرة على تحمّل مرضه، في حين أنهما لو أفلحا في التعايش مع المرض ووضعا لنفسيهما برنامجا يتيح لهما مواصلة حياتهما بصورة طبيعية، لن يشعر أيّ طرف منهما بأيّ تقصير من قبل شريكه، ولهذا هو ينصح الأزواج عند المرض بضرورة استشارة الطبيب المشرف على العلاج لوضع نظام حياة يناسب المريض أو المريضة.

الأزواج عند المرض ينصحون باستشارة الطبيب المشرف على العلاج لوضع نظام حياة يناسب المريض أو المريضة

ويضيف: يجب أن نعرف أن الصورة ليست بهذا السوء، ولكن المرأة بطبعها حسّاسة، وهذا يجعلها تتفاعل مع مرضها بصورة كبيرة فتشعر بالحزن على نفسها، معتقدة أنها أصبحت شخصا غير مرغوب به في الأسرة، أو بأنها تشكّل عبئا على الجميع، مما ينعكس سلبا على الزوج، فيصاب بالإحباط نتيجة إحساسه بالعجز أمام إصرار زوجته على التفاعل مع مرضها بصورة سلبية، وإصرارها على الاستسلام له.

ويفسر الدكتور فتحي عبدالله، أستاذ علم الاجتماع سر هجوم النساء على الرجال بهذه الصورة، بأنه يوجد رجل أناني جشع لا يبحث إلا عن ملذاته ومتعته وراحته فقط، ولا يريد أن يرى زوجته تعاني أو تتألم أو فيها شيء، إنه يريد حياة خالية من متاعب المرأة، لا يريد أن يراها مريضة ليس خوفا عليها، وإنما حرصا على سعادته ومزاجه الشخصي. ومع ذلك هناك رجال مخلصون يقفون إلى جانب الزوجة ويضحون من أجلها مهما كان الأمر، فقضية التعميم لا تجوز، ولذلك نجد هناك الرجل الصبور المخلص المحب لزوجته الذي يقف معها في محنتها، ويشاطرها الأحزان والأفراح ولا يستطيع أن يتركها، ولذلك علينا أن نمدّ حبنا خارج ذاتنا، ونتعلّم كيف نعيش حياة زوجية خالية من القسوة والأنانية تقوم على المودة والحب والرحمة.

21