رجال صغار يتسللون إلى عالم النساء

الثلاثاء 2017/01/17

أحيانا تضعنا الصدف أمام مشاهد ظننا أننا تجاوزناها منذ ردهة من الزمن، لكن الواقع يختلف، حيث عاينت منذ مدة قصيرة تسلل مجموعة من الرجال الصغار إلى دائرة المجتمع النسائي.

وأعني طبعا ما يعرف في بعض الدول العربية بـ”الحمام” وهو مكان عام للاستحمام تقصده النسوة أو الرجال. وبطبيعة الحال حين أقول المجتمع النسائي بين ظفرين، فإنني أرمي إلى ما تتبادله نساء يجمعهن ضيق المكان وتفرقهن الأسوار الخارجية نحو فضاء أوسع تسلك فيه أحيانا كثيرة كل امرأة طريقا يأخذها إلى حي أو زقاق مختلف عن الآخر، من أخبار مختلفة باختلاف وجهة كل واحدة منهن.

عندما كنت صغيرة ترددت على الحمام رفقة أمي أو صديقاتي من بنات الحي، ولاحظت اصطحاب بعض الأمهات لأبنائهن من الذكور استنكرت حينها ذلك، لا سيما وأن أعمارهم لم تكن قصرا على حديثي الولادة أو السنوات الثلاث الأولى من العمر بل جاوزت ذلك إلى أطفال التحقوا بالمدارس الابتدائية.

في ذلك الوقت ربطت الأمر برمته بالجهل وسلوك مسلك الجدات، لكن اليوم حقيقة لا أجد عذرا مقبولا، إذ لم تعد المرأة سواء العاملة أو ربة البيت المتعلمة أو محدودة التعليم ولن أقول الأمية، لأن مجتمعاتنا وإن كان ذلك بخطى بطيئة تسعى عبر سياستي إجبارية التعليم وتعليم الكبار إلى القضاء على ظاهرة الأمية، متقوقعة في داخل عوائد قديمة.

أتساءل ألم يكن من الأجدى أن تتقاسم المرأة أبناءها مع زوجها؛ البنت ترافقها إلى عالم النساء وتتعلم الإنصات إلى أحاديث تنشر غسيل الخلق وتلوكها ألسنة إذا فتحت خراطيم ثرثرتها ملء صدها المكان، وفاق أصوات حنفيات المياه التي لا تكاد تغلق لتفتح من جديد مرفوقة بقرقعة السطول. والزوج يصطحب الابن ليختبر تجارب الفحول في صمت يصمه تردد جلجلة الدلاء بدل استراق النظر إلى عورات النساء؟

وفرضا أن الزوج كثير الانشغال وأن أحوال الطقس المائلة للبرودة القارسة تحول دون حصول الابن على حمام، فهل يجيز للأم إقحام صغيرها منذ حداثة سنه في عالم لا يمت إليه بصلة لينشأ بمظهر الرجال وبمواقف تشابه في لهجتها وحركاتها النساء؟

يظل السؤال مطروحا إلى أن تتخلى المرأة عن أقنعة الحناء والبيض وأصناف من الألوان والروائح، وأن تترك حبات البرتقال على موائد المطبخ حين تحمل حقيبة الحمام.

هذه المسألة يمكن التطرق إليها من زاوية نظر مختلفة لا تحمل فيها الأم وزر إدخال رجلها الصغير إلى عوالم النساء ودهاليز أسرارهن، بل المسؤولية تقع على عاتق المسؤولة عن إدارة الحمام.

في الكثير من المؤسسات العامة والخاصة توضع لافتة بجانب الباب تحدد ساعات العمل، بالإضافة إلى اعتماد بعض مكاتب العمل على ملصقات تحمل لوائح من القرارات الإدارية التي تجيز أو تمنع ذاك اللباس أو رنين الهواتف المحمولة، حتى أن بعض الأماكن توضع فيها ملصقة تمنع الدخول بالهاتف بالضبط كمنعها للتدخين، فلم لا تحدد لوائح بأعمار الذكور الذين يجوز دخولهم الحمام من عدمه، بالإضافة إلى تغريم من تساهم في إحداث الفوضى وتلويث غرف الاستحمام التي جاوزت الزيوت والكريمات إلى علب السجائر وأعواد الثقاب؟

لكل مكان حرمته ونظامه الداخلي ولا أظن الأب قادرا على المجازفة بصغيرته باجتذابها إلى مجتمعه الرجالي الذي توصد نواميسه الأبواب دونها لعدة اعتبارات أهمها أنها أنثى.

كاتبة من تونس

21