رجال "ميت حارون" في مصر يحولون العجلات التالفة إلى ذهب أسود

يرى ناشطون في مجال البيئة أن الإنسان عدوّ حياته، إذ لا يعي مدى حجم التلوث الذي يساهم فيه من خلال ما يرمي به على سطح الأرض وفي باطنها، والحال أن هناك حلولا كثيرة للمحافظة على نظافة البيئة وسلامة الأرض، وبالتالي المحافظة على صحة الإنسان، فإعادة تدوير النفايات أفضل الحلول التي تعود بالنفع الاقتصادي والبيئي على حدّ سواء، تماما كما تفعل اليوم قرية صغيرة في مصر، لم يدرس سكانها العلوم البيئية ولكنهم اختاروا كسب رزقهم من تدوير العجلات، ليساهموا في إنقاذ مصر من خطر سام يسمى العجلات المطاطية المرمية في أماكن كثيرة في المدن والقرى.
الأربعاء 2016/05/18
نفايات تنقذ من البطالة

القاهرة - تشكل إطارات السيارات التالفة عبئا ثقيلا على الدول المستهلكة لها، فهي لا تتحلل إلا بعد المئات من السنين، وحرقها يسبب ضررا للبيئة والإنسان معا، لما ينبعث عنها من غازات سامة، وقد قُدّر عدد الإطارات منتهية الصلاحية في العالم العربي بـ170 مليون إطار سنويا.

ويزداد حجم المشكلة في دولة مثل المملكة العربية السعودية، التي تعدّ أكبر دولة عربية تستهلك إطارات السيارات سنويا، ويصل إلى 24 مليون إطار، تليها مصر بـما يقرب من 20 مليون إطار.

قرية “ميت حارون” التابعة لمدينة زفتى بمحافظة الغربية، التي تبعد نحو ‏68‏ كيلومترا عن القاهرة، تستغل الإطارات منتهية الصلاحية لمحاربة الفقر، حتى أنها حصلت على لقب “قرية الذهب الأسود”.

هذا الذهب لم تألفه أعين سكان القرية، ويتمثل في إطارات مهملة على جانبي الطريق، وفي أحواش وورش امتلأت ببقاياها الممزقة، وأصبحت عربات النقل والكارو محملة بها عن آخرها، وهي تدخل أو تخرج من القرية.

حاربت ميت حارون التي يبلغ سكانها نحو خمسة آلاف نسمة البطالة، وأصبحت خالية تماما منها، وتكاد تكون نسبة سفر شبابها إلى الخارج بحثا عن وظيفة معدومة.

القرية بعيدة تماما عن ملامح الريف المصري، فمعظم منازلها من الطوب الأحمر‏ وبعضها تم تغليفه بالسيراميك والغرانيت والرخام، وقد خصصت الأدوار السفلية لمحلات قطع غيار السيارات بمختلف أنواعها أو مخازن لها.

تحولت المنطقة بفلاحيها إلى قرية منتجة، حيث يبلغ مستوى دخل الفرد فيها بين ألفي جنيه و4 آلاف (بين 200 و400 دولار) شهريا، جميع الأهالي يقومون بجمع الإطارات منتهية الصلاحية وإعادة تدويرها في مصانعهم وورشهم التي تصل إلى 190 ومن ثم يتم بيعها.

الإطارات التالفة أصبحت مرتعا خصبا للحشرات ومن ثم تساهم في انتشار الأوبئة والأمراض

القرية وفقا لروايات أهلها تحوي قرابة 190 ورشة ومحلا، بعضها غير مرخص له بتدوير الإطارات المستهلكة.

وأوضح سامي بسيوني (49 عاما) تاجر وصاحب إحدى الورش، أن تأسيس ورشة لا يحتاج الكثير، فتكفي قطعة أرض مساحتها 60 مترا مربعا، ومعدات بسيطة.

وأضاف أن الإطارات التي قطعت عدد الكيلومترات المحددة، يتم تجميعها عبر مزادات (مناقصات) حكومية أو خاصة من محافظات السويس والإسكندرية والقاهرة، بأسعار تصل إلى 3 بالمئة من سعرها الحقيقي.

هناك نظام يسمى “الأبناط” يتم من خلاله توزيع المزاد بنسب عادلة، ويتفق التجار في ما بينهم على سقف سعر لا يتعدونه، ومن لا يمتلك القدرة على المنافسة في المزاد يُمنح مبلغا ليخرج حتى لا يتمّ تفتيت أصوات التجار.

البعض من أصحاب هذه المهنة يقومون بتوزيع عمال ميت حارون على القرى المجاورة لتجميع إطارات السيارات الملاكي والنقل، وجلبها إلى القرية.

ويتعاقد آخرون مع تجار لشراء ما جمعوه من إطارات تالفة.وهناك من يتعامل مع شركات سياحية تمتلك عددا كبيرا من السيارات وتقوم بتغيير الإطارات بشكل دوري.

ويقسم صاحب الورشة الإطارات إلى نوع يقوم بتقطيعه وتدويره لصناعة أوعية من الجلود لاستخدامها في موسم جني الثمار والخضروات، ونوع آخر يُستخدم كوقود بديل للفحم، تشتريه مصانع الأسمنت لأفرانها، لأن سعره أرخص من الفحم والبنزين والسولار.

غش مزخرف

بدأت تجربة الاستفادة من الإطارات المستعملة، كما ذكر أهالي القرية، منذ خمسينات القرن الماضي، فقد سافر البعض واستقرّوا في شارع محمد علي بوسط القاهرة، ومن هناك بدأوا القيام بتدوير الإطارات المستعملة، حيث كانوا في البداية يستخدمون الإطارات المتهالكة في إصلاح الأحذية وتركيب نعال وكعوب لها، وعندما عادوا إلى قريتهم طوروا استخداماتها.

واقتصرت المهنة في البداية على فئة قليلة من الناس لحاجتها إلى مجهود عضلي، حيث كانت عملية استخراج الشرائح المطاطية من الإطارات تتم بالأيدي. ثم انتشرت الصناعة بين أهالي القرية عندما تم ابتكار آلة يدوية، كبديل للمجهود العضلي، تدار بتروس وتسمى "الونش"، تستخدم لاستخراج الشرائح المطاطية من الإطارات المستعملة.

دون بوصلة

مع أن تدوير الإطارات ثروة، لكن عندما سارت العملية دون بوصلة حصدت أرواح البشر، فإطارات القرية طبقا لتحقيقات استقصائية تحولت إلى قنبلة موقوتة طالت شظاياها الجميع لتسببها في كثير من حوادث الطرقات.

“العرب” رصدت نوعا خطرا من إعادة تدوير الإطارات، لأنه يعد السبب الرئيسي في حوادث الطرقات، حيث يتم اختيار إطارات مظهرها خارجي معقول، وأصبحت ملساء (بلا حفر أو نقش) بسبب كثرة استعمالها، فيتم إعادة نقشها من جديد (لجذب المشتري)، ويتم بيعها كإطارات صالحة للاستخدام، ولكنها ليست كذلك.

وكشفت إحصائيات حديثة أن 40 بالمئة من حوادث السيارات سببها انفجار الإطارات، وبلغ عدد حوادث السيارات خلال النصف الأول من العام 2015 في مصر نحو سبعة آلاف حادث، بحسب تقرير رسمي أصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

ما يسمون بنقاشي القرية على الإطارات لديهم أماكن خفية يمارسون مهنتهم فيها دون الحصول على تراخيص قانونية، لتكون بعيدة عن نظر الجهات الرقابية، فأصحابها متورطون في تزايد النزيف على الإسفلت.

أحدهم تورط في تهمة التحايل على حياة المواطنين بإعادة نقش إطارات مستهلكة، تباع باعتبارها صالحة للاستخدام، قال لـ”العرب” المفروض محاسبة من يبيع وليس من يقوم بالنقش.

إطارات القرية طبقا لتحقيقات استقصائية تحولت إلى قنبلة موقوتة طالت شظاياها الجميع لتسببها في كثير من حوادث الطرقات

وأوضح العامل أن عمله هو الأهم في القرية، حيث يقوم بنقش عشرة إطارات يوميا، ولا يفعل ذلك أكثر من مرتين لأن عمق المادة المطاطية يتآكل بعد ذلك خلال عملية الحفر، ويقوم بتفريغ مسارات سطح الإطارات بآلات صغيرة لإعادة النقش، ويظهر الإطار بعد مسحه أو غسله بالمياه بمظهر وكأنه جديد.

وأشار إلى أن محله هو الأحسن سمعة بين بقية محلات القرية، فالنقش الذي يقوم به له فائدة كبيرة بالنسبة للمشترين، لأن الجزء العلوي من الإطار يساعد السائق عندما يستخدم الفرامل بالثبات على الأرض، لافتا إلى أن الإطار الأملس (من دون نقش) يجعل السيارة أكثر عرضة للحوادث.

سامح عبدالمطلب، مهندس ميكانيكي ومسؤول عن أسطول من سيارات النقل، يرى أن بعض الشركات الكبرى لا تلجأ إلى شراء الإطارات المستعملة، وتفرض عليها رقابة عالية، لكن المشكلة تكمن في الآخرين الذين يقومون بذلك فهم يضرون أنفسهم وغيرهم.

استخدام الإطارات في مصر يتم بطريقة خاطئة، حيث تصل المسافة التي تقطعها بين 60 و70 ألف كيلو متر، بينما يجب ألا تتجاوز المسافة أكثر من 40 ألف كيلو متر.

وأكد عبدالمطلب لـ”العرب” أنه بالفعل أثناء عمله بإحدى الشركات ذهب إلى قرية ميت حارون لشهرتها في بيع الإطارات المستعملة والرخيصة، لكنه وجد أن من يقوم بالنقش ليس مهندسا لديه مهنية أو تقنية درسها، وينقش الإطار أكثر من مرتين وهذا خطر جسيم.

وأضاف أنه رأى بعينيه أن النقاش يستخدم آلات بدائية للغاية، ويصل أثناء حفره إلى السلك والأحزمة الداخلية للإطار، وعندما لفت نظر العامل أن السلك الداخلي سيكون معرضا للصدأ ومن ثم التآكل، فيتعرض الإطار لفصل الجزء العلوي منه ويصبح معرضا للانفجار، لم يفهم العامل ما يقوله ولم يلق بالا لملاحظته.

متورطون في تزايد النزيف على الإسفلت

الحياة الرخيصة

طبقا لتقرير برنامج سلامة الطرق في مصر، هناك 12 ألف مواطن يموتون سنويا، وتقول منظمة الصحة العالمية إن مصر تخسر سنويا ما بين 20 إلى 60 مليار جنيه نتيجة حوادث الطرق.

المقدم لطفي الركيبي بقطاع النقل في وزارة الداخلية يرى أن أحد الأسباب الرئيسية في حوادث الطرقات وجود عيوب فنية في إطارات السيارات.

ووفقا لبعض الإحصائيات، تبلغ حوادث سيارات النقل 30 بالمئة من حوادث الطرق، أما الملاكي فيبلغ 50 بالمئة من إجمالي الحوادث، وكلاهما يخلف وراءه أعدادا كبيرة من القتلى والمصابين.

وأوضح الركيبي لـ”العرب” أن المشكلة الرئيسية تتمثل في أصحاب السيارات فهم يبحثون عن الأرخص غير مهتمين بحياة البشر، فالفرق المادي بين شراء الإطار المستعمل والجديد يصل إلى آلاف الجنيهات، لكن المستعمل غير صالح للاستخدام ويعرّض حياة الناس للخطر، لأنه معرض للانفجار في أيّ لحظة.

وأشارت نهى عاشور خبيرة في مجال البيئة، أن الإطارات التالفة أصبحت مرتعا خصبا للحشرات ومن ثم تساهم في انتشار الأوبئة والأمراض.

وأكدت خبيرة البيئة قابليتها للاشتعال، وأن الحرق العشوائي لها يؤدي إلى انبعاث غازات وأدخنة سوداء محمّلة بأكسيد الكبريت والنيتروجين، التي تؤثر على الصحة وتسبب العديد الأمراض.

ويمثل حرق النفايات جريمة بيئية مكتملة الأركان تمارسها دول كثيرة، حيث تتخلص من الإطارات المتهالكة بالحرق، في ظل عدم وجود قوانين تفرض عقوبات رادعة على من يتعامل مع تلك المخلفات بشكل يضرّ بالبيئة.

وقالت عاشور لـ”العرب” إن الإطارات القديمة بها مواد تستخدم بعد تدويرها في صنع أرضيات صناعية للملاعب كما يمكن استخدامها كعوامات بحرية أو تركيبها على جانبي السفن لحمايتها من الاصطدام بالأرصفة.

ويمكن استخدامها في أعمال الهندسة المدنية كحواجز لمنع السيارات من الخروج عن مسارها في الطرقات السريعة، وتستعمل كذلك في البناء جدرانا ممتصة للصوت.

وطالبت الخبيرة بوضع استراتيجية وأفكار مبتكرة لإعادة تدوير الإطارات بشكل سليم، لأن ذلك يوفر مبالغ باهظة تتكلف على الدولة، ويعطي القطاع الخاص مجالا مربحا للاستثمار.

20