"رجع أيلول"

الخريف يبقى أهم ما يميّز إنسان العصور الحديثة، لما يمثله من سنّة التجدد في الطبيعة، لذلك جعلته البشرية فصلا للبدايات والوقوف عند النهايات في نوع من الشجن الذي يغري بالكتابة.
الثلاثاء 2019/09/03
فصل الخريف شامخ وعذب

الخريف على الأبواب، فاللهمّ قنا سماجة قارضي الشعر الرديء وصائدي الرومانسية البلهاء الذين يبدأون في مثل هذا الوقت من كل عام، بسنّ أقلامهم، وشحذ ألسنتهم ليمطرونا على مواقع التواصل الاجتماعي، بقصائد حب وردية وأغان عاطفية، قادمة من عصر الأبيض والأسود أو ما اصطلح على تسميته بـ”الزمن الجميل”.

ليت شعري، ما هو “الزمن الجميل”؟ بالمناسبة، تضحكني وتحيّرني كلمة “ليت شعري”.. أحسّ أن غالبية مستخدميها متحذلقون، وقادمون، بدورهم من “الزمن الجميل”.

أنا على يقين من أنّ مجتمعات كل العصور، تقول عن سابقاتها في نوع من التحسّر على حاضرها والحنين إلى ماضيها، بأنها تنتمي إلى الزمن الجميل.. فيا ليت شعري، أين ومتى وكيف كان ذاك الزمن الجميل؟

لا شك أن “رومانسيي العصر البرونزي” كانوا يحنّون إلى أقرانهم في العصر النحاسي أو الطباشيري، والذين كانوا بدورهم، يتحسّرون على الزمن الجميل في العصر الحجري، حيث كانت تُخط القصائد داخل الكهوف، على جداريات “التواصل الاجتماعي” الخاصة بهم، وتُنشد الأغاني العاطفية خلف الطرائد في البراري بل ربما كانت حياة ما قبل اكتشاف النار، في نظر المصابين بالرومانسية المزمنة، أكثر حميمية، وهم يتناجون تحت ضوء القمر، ويهدي الواحد لحبيبته فخذ ثور طازج.

وبناء على ما تقدم، فإننا نحن الآن، ننتمي إلى “الزمن الجميل” في نظر من سيأتي بعدنا من أجيال. وسوف تتصدّر صورنا ونحن نتسلى بالموبايلات، مواقع التواصل المفترضة في المستقبل، وقد كُتبت تحتها تعليقات على شاكلة “أبناء الزمن الجميل”.

ومهما يكن من أمر، فإن الخريف يبقى أهم ما يميّز إنسان العصور الحديثة، لما يمثله من سنّة التجدد في الطبيعة، لذلك جعلته البشرية فصلا للبدايات والوقوف عند النهايات في نوع من الشجن الذي يغري بالكتابة.. أليس الشعر وحده، هو الذي يجعل الحزن عذبا وجميلا.

كفاك مكابرة، إذن، ولا تتخلّف عن ركب جحافل من يحتفلون بمواسم الشعر والرومانسية، فرادى وجماعات، محترفين وهواة. لا تسخر وتتذمر من كثرتهم أو تصفهم بالسطحية والتهافت، فلولا حب الشعر لتيبّست البشرية أكثر مما تراها عليه الآن.

هيّا.. انهض من بين الأموات فأنت أجمل الأحياء والمنتمين لهذا “الزمن الجميل”.. أشعل غليونك بهدوء المنكسرين وأناقتهم، واجلس إلى كرسي العمر عند رصيف الذاكرة وراقب ضجيج أطفال المدارس الذين كنتهم، والباعة المتجوّلين الذين أوشكت أن تكونهم، راقب هذا الاصفرار المبهج مثل زهرة دوار شمس.

ننتظرك ونخشاك أيّها الخريف، نهابك ثمّ نتمنّاك مثل شيب، مثل واجب.. أنت جميل، شامخ وعذب مثل كلّ الأشياء الحزينة.

24