رجع الأيام الخوالي بين رفّ الكتب

الأحد 2014/09/07
الكتابة بأسلوب طريف وروح مرحة حتى في لحظات الشدّة

"مرايا فرنكشتاين” للشاعر اللبناني عباس بيضون هي نوع من السيرة الذاتية، التي تستوجب عقدا قرائيا يلتزم فيه كاتب السيرة بنقل الحقيقة والاعتراف بما جرى دون تزويق أو تنميق. اختار الكاتب مرايا استعارية، ليوحي أنه يقف كل مرة أمام مرآة يتملّى في صفحتها ذاته ويستحضر، دونما اعتبار لخطية زمنية، مراحل من حياته مرت، وتركت في نفسه أثرا لم تمحه السنون. الطريف أن بيضون حافظ على روح الشاعر فيه، فلم يحدثنا عن بطولات مزعومة ولقاءات مع كبار هذا العالم كما يفعل كتّاب السيرة الذاتية عادة، بل غاص في ذاكرته ليتنخل تفاصيل صغيرة لا يتوقف عندها الإنسان العادي، ويغوص في تحليلها وتبيان أثرها في نفسه المرهفة، بأسلوب طريف، وروح مرحة حتى في لحظات الشدّة، يستأثر بانتباه القارئ. صدر الكتاب في ترجمته الفرنسية عن دار آكت سود.


◄ أوجاع الغربة


“الغياب المضاعف” عنوان كتاب لعالم الاجتماع الجزائري ومؤسس علم اجتماع الهجرة والاغتراب الراحل عبدالمالك صياد صدر في طبعة جديدة حافظت على مقدمة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو. في هذا البحث الميداني يكشف الكاتب عن التناقضات التي تسم حياة المهاجر، فهو من جهة غائب عن أسرته وقريته وبلاده، ينهشه نوع من الإحساس بالذنب لا يملك قدرة على التكفير عنه، ومن جهة ثانية هو غائب أيضا بسبب الإقصاء والتهميش اللذين يلقاهما في البلد المضيف، الذي يرى فيه مجرد قوة عاملة. إلى جانب مسائل أخرى لا ترد في اللغة المعتادة للأدب النقدي فحسب، وإنما أيضا في اللغة التي يستعملها المهاجرون أنفسهم للحديث بدقة وصدق عن تجاربهم. والمعلوم أن عبدالمالك صياد كان متخصصا في مشاغل الهجرة بوصفه مدير بحوث في المركز الوطني للبحوث العلمية بباريس.


◄ التمرد على قوانين العشيرة


للكاتبة الفرنسية من أصل مغربي كوثر حرشي، وهي من شباب الجيل الثاني للهجرة، صدرت رواية ثالثة بعنوان “في البدء أبونا الغامض” بعد “منطقة مجنونة” و”فداحة السلب”. تروي سيرة أم خاضعة وأخوات تحاط حولهن أسوار منيعة، من قبل الذكور، يراقبون حركاتهن وسكناتهن كأنهن ارتكبن ذنبا، أو مقبلات على ارتكابه. في مثل هذا البيت، بيت النساء كما تسميه الكاتبة، نشأت البطلة وشاهدت ما تلقاه أمها وأخواتها من غبن وقهر، ولما كبرت واستجارت بأبيها لتصارحه بمن اختارت شريكا لحياتها، اكتشفت أنه لا يقل عن العشيرة تزمتا وانغلاقا، وأن نساء أسرتها يعانين ما تعانيه بقية النسوة. بين همس وصراخ، وخلف أبواب مغلقة يرين عليها صمت رهيب، تجترح كوثر حرشي كتابة تعري ميراث الماضي بتقاليده وقوانينه ومحظوراته، لتجد لها مكانا خارج الأسوار النظامية التي تعلّيها الجماعة.

رواية تعري ميراث الماضي بتقاليده وقوانينه ومحظوراته


◄ الحروب الصليبية كما دونها العرب


هذا الكتاب، كما يدل عليه عنوانه “أخبار العرب عن الحروب الصليبية” يضم ما دوّنه العرب عن تلك الحروب، وقد جمع المؤرخ الإيطالي فرنشيسكو غبرييلي نصوصا ترجمها المستشرقون إلى الفرنسية خلال القرن التاسع عشر، ونصوصا أخرى عربية نشرت ولم تترجم، إضافة إلى مخطوطات لم يسبق نشرها. والحصيلة ملاحم وأخبار وقصص وقع تجميعها لإضاءة أحداث كبرى كحصار صور، واستعادة القدس، وسقوط دمياط، ومعركة طبرية، ولقاءات تحت أسوار عكّا، علاوة على أعوام السلام المسلح، والمفاوضات التي لا تنتهي. إلى جانب بورتريهات لشخصيات كان لها دور فاعل كبودوان الثاني وصلاح الدين ونور الدين زنكي ولويس التاسع وريتشارد قلب الأسد وفريديريك بربروس وبيبرس وفرسان المعبد.. ما يقيم الدليل على أن المؤرخين العرب لا يقلون في شيء عن نظرائهم من مسيحيي القرون الوسطى الذين تناولوا المرحلة ذاتها، من حيث الدقة والصرامة وغزارة المعلومات.


◄ شاعر استوطن اللغة


عن دار سندباد صدر كتاب بعنوان “الألق الذي يبقى وأشعار أخرى” وهي قصائد مترجمة للشاعر العراقي سركون بولص صاحب “حامل الفانوس في ليل الذئاب” ومجاميع أخرى. قدّم للمجموعة الشاعر اللبناني وديع سعادة تقديما جاء فيه: “هو واحد من الشعراء الذين مروا بالقصيد من مرحلة إلى أخرى، من مرحلة التأسيس للحداثة والتنظير لها إلى مرحلة تحويلها إلى كتابة ورؤية. لقد حول أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى صورة شعرية متوهجة. وشعره المسكون بقلق وجودي، الناهل من تجربة روحية ثرية يبدو كأنما بُني على هيئة سور واق”. والمعروف أن سركون بولص تنقل في أوطان كثيرة دون أن يحيد عن طريقه إلى ذاته، إذ ظلت اللغة وطنه الوحيد، لم يفتأ يعمّق مجراها وهو يتساءل عما إذا كان للشعراء وطن، حتى داخل اللغة.


◄ مسيحيو العراق ومستقبل غامض


جديد العراقي المهاجر أفرام عيسى يوسف، أستاذ الفلسفة والآداب العربية بجامعة تولوز سابقا، وأحد مستشاري الهيئة العليا للفرانكفونية، كتاب بعنوان “مسيحيو بلاد ما بين النهرين” ويروي تاريخهم عبر ألفي عام، تاريخا تراوح بين الأبهة حيث بلغوا مشارف الهند والصين، وبين المصائب والويلات حيث تعرضوا للغزو من قبل شعوب كثيرة كالساسانيين والعرب والمغول والعثمانيين والبريطانيين. ومنذ سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق، صاروا مواطنين من الدرجة الثانية، وباتوا نهبا للتيارات الإسلامية الراديكالية، يتهددهم الموت من كل صوب، وينذر بزوالهم من أرض أجدادهم. يُذكر أن أفرام عيسى يوسف متخصص في حضارة بلاد الرافدين، سبق أن نشر عن تاريخها وأعلامها وعن ثقافة الآشوريين/السريان /الكلدان عدة مؤلفات، صدرت كلها عن دار لارماتان التي يشرف على منشوراتها العربية.

14