رجل أمن تسلل من الجانب المظلم ليحتل وحده دائرة الضوء

السبت 2013/11/09
محمد إبراهيم.. سوط الإخوان ومطرقة الثورة

في العاشرة صباحا من يوم الخميس 5سبتمبر الماضي، كسر انفجار هائل حالة الهدوء التي كانت تخيم على شارع مصطفى النحاس، أحد أهم محاور حي مدينة نصر في شمال القاهرة، وتطايرت الأشلاء في الهواء، وسيطرت حالة من الذعر والفوضى على المارة الذين قفزت إلى أذهانهم مشاهد التفجيرات الإرهابية التي عانت مصر تحت وطأتها طوال حقبة التسعينات، واعتقدوا أن هذه العملية هي الأولى في مشاور الإخوان المسلمين الطويل نحو الانتقام من المجتمع.

لكن الحقيقة التي تراءت لهؤلاء بعد أن انقشعت سحابة الدخان الكثيف التي هيمنت على المشهد، وبدأوا في استعادة إدراكهم اللحظي، هي أن الهدف من وراء هذه العملية هو الانتقام من وزير الداخلية الذي كان موكبه قد تحرك للتو من أمام منزله، متوجها إلى مكتبه في مبنى وزارة الداخلية بوسط القاهرة.

ورغم انحسار جميع الأضرار التي لحقت بالوزير في تأخره فقط عن موعده لمدة نصف ساعة، إلا أن أسوار الأجهزة الأمنية في مصر كانت تخبئ من خلفها طوال ذلك اليوم تحركات لم تشهدها منذ الإطاحة بنظام مبارك في فبراير من العام قبل الماضي، وأدرك القائمون على الأمن المصري أن اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية، قد أصبح الهدف الثاني بعد الفريق عبد الفتاح السيسي في قائمة اغتيالات سوداء لـ «قادة الانقلاب»، وأن الإخوان المسلمين اختاروا العودة إلى النفخ في النيران التي احترقوا بها من قبل.

لم تكن هذه العملية هي الأولى في ملاحقة وزراء الداخلية في مصر، فقد فشلت محاولات تنظيم «الناجون من النار» أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، في التخلص من النبوي إسماعيل وحسن أبو باشا وزيري الداخلية الأسبقين، واستمر فشل «الجماعة الإسلامية» في بداية التسعينات، في اغتيال زكي بدر ومحمد عبد الحليم موسى، بعد أن نفذ أعضاء الجماعة عملية إطلاق النيران على موكبه بنجاح، ليكتشفوا بعد ذلك أن ضحيتهم هو رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب المصري الأسبق، وليس عبد الحليم موسى.

ورغم إعلان أحد التنظيمات الجهادية في سيناء، ويطلق على نفسه «أكناف بيت المقدس»، مسؤوليته عن الحادث، إلا أن أصابع الاتهام لا تزال موجهة إلى الإخوان المسلمين. فالتنظيم الذي تأسس عام 1928 على يد حسن البنا، وقضى عليه عبد الناصر في حقبة الستينات، ارتضى أن ينزلق في لعبة «شد الحبل» بينه وبين النظام، منذ مرحلة إعادة البناء في السبعينات، وسعى دائما لتجنب المواجهة مع الأجهزة الأمنية أو القوات المسلحة. قبل ذلك، اختار التنظيم ألا ينزلق إلى هوة الاغتيالات السياسية إلا في الحالات التي يجد نفسه معها مجبرا على ذلك، وكان «النظام الخاص» هو سلاحه الاستثنائي دائما. أما هذه الحالات فكانت تلك التي تحمل في طياتها الطابع الثأري الانتقامي من هؤلاء الذين ألحقوا أضرارا بالغة بالجماعة، كحادثة اغتيال محمد فهمي النقراشي في ديسمبر 1948 ومن قبله القاضي أحمد الخازندار في مارس من نفس العام، أو تلك التي تصل فيها القيادات إلى توافق على الرغبة في التخلص ممّن كان ينظر إليهم داخل الجماعة على أنهم «خونة»، كمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر، الذي انضم إلى التنظيم عام 1944 وانفصل عنه قبل ثورة 1952. وعلى ما يبدو فإن الحالة الأخيرة هي المسيطرة على العقل الجمعي لقيادة التنظيم الحالية، فاللواء محمد إبراهيم الذي كان يُعد أحد أهم الشخصيات التي شغلت مساحة كبيرة داخل سيناريو «التمكين» وبناء نظام الإخوان في مصر (ربما دون أن يدري)، أصبح، بعد الموجة الثانية للثورة التي اندلعت في 30 يونيو الماضي، ضمن هؤلاء «الخونة» الذين كانت ضرباتهم القوية سببا في هدم البنية الأساسية لهذا النظام.

دور تاريخي في انتظاره

في ليلة الثالث من ديسمبر الماضي كان عدد محدود من خيام الاعتصام تنتشر في محيط قصر الاتحادية الرئاسي في حي مصر الجديدة الراقي، بعد يوم حاشد من المظاهرات التي توجه على إثرها الآلاف إلى القصر احتجاجا على الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المعزول محمد مرسي في 22 نوفمبر 2012 لحماية مجلس الشورى والجمعية التأسيسية لكتابة الدستور، التي كان الإسلاميون يسيطرون عليها خوفا من حلّها، وتحصين قراراته في مواجهة الطعن عليها أمام القضاء.

كانت مصر وقتها تمر بمرحلة غليان سياسي واسع، وكان الشعب المصري بقواه المجتمعية ومؤسساته الرسمية وكياناته وأحزابه السياسية يقف ضد هذه القرارات التي كانوا يعتقدون أنها البداية لتنصيب فرعون جديد لا تمكن مساءلته أو محاسبته على عرش مصر. في الجانب المظلم من المشهد، كان مكتب إرشاد الجماعة في انعقاد دائم لتقييم الموقف، ووضع الخطط لإحباطه، وإنقاذ رجلهم في الرئاسة من مصير لحق بنظام سابقه، وكان على وشك اِلتهام نظامه أيضا.

محمد إبراهيم
* تولى اللواء محمد أحمد إبراهيم مصطفى منصب وزير الداخلية في 5 يناير 2013، في حكومة هشام قنديل خلال فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، وبعد الانقلاب على مرسي من قبل الجيش بقي إبراهيم في منصبه.

*ولد إبراهيم بمحافظة السويس في 10 أبريل 1953، وتخرج في كلية الشرطة عام 1976، وعقب تخرجه بدأ مهام عمله في الداخلية برتبة ملازم أول بمديرية أمن السويس عام 1980، وظل يعمل بها في مجال البحث الجنائي 14 عاما، حتى تم نقله عام 1994 للعمل بمديرية أمن الدقهلية. ظل يعمل في مباحث الدقهلية لمدة عام، ثم نقل عام 1995 للعمل في إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن قنا، واستمر عمله بها عامين، حتى تم نقله عام 1997 للعمل بمديرية أمن الإسماعيلية بالمباحث الجنائية، وظل يعمل بها فترة طويلة بلغت تسع سنوات متواصلة حتى تم نقله عام 2006 للعمل بقطاع التفتيش والرقابة بالداخلية.

* تدرج في المناصب داخل قطاع التفتيش والرقابة التي عمل بها فترة بلغت أربع سنوات، حتى تم نقله عام 2010 للعمل بمديرية أمن أسيوط، وتم تنصيبه نائبا لمدير الأمن بالمحافظة، وظل في ذلك المنصب لعام واحد فقط، حتى تمت ترقيته عام 2011 ليتولى منصب مدير الأمن بأسيوط.

عندما اشتدت وطأة التظاهرات في اليوم السابق عمّا أصبح يعرف فيما بعد بـ «أحداث الاتحادية»، وارتفع عدد المشاركين فيها إلى مئات الآلاف، ونجح المتظاهرون في الإحاطة بالقصر من جميع الجهات، كان مرسي يقضي معظم وقته في محاولة الاتصال بوزير الداخلية السابق، أحمد جمال الدين، ولكن دون جدوى، واستمرت محاولاته لأربع ساعات متواصلة، إلى أن جاءه الرد على الجانب الآخر من الهاتف صادما، فقد طلب منه الوزير تفويضا مكتوبا بخط يده للتعامل أمنيا مع المتظاهرين، ونصحه بإجراء إصلاحات سياسية شاملة، تتضمن حل مجلس الشورى والجمعية التأسيسية للدستور، بينما كانت قوات الشرطة على الأرض تنسحب من أمام المتظاهرين، مفسحة المجال أمام أعداد الجماهير الضخمة التي لم يكن يفصلها وقتذاك عن محمد مرسي نفسه إلا سور القصر.

بعد انتهاء «أحداث الاتحادية» التي وقعت في اليوم التالي، وراح ضحيتها 10 قتلى وأكثر من 400 مصاب، بعد أن قرر مكتب الإرشاد إرسال مجموعات من شباب الإخوان لتنظيف محيط القصر من المعتصمين السلميين بالقوة، تم اعتبار أحمد جمال الدين من بين أعداء السلطة، وقرر التنظيم وضع خطة لاستبعاده في أقرب فرصة. كانت أولى خطوات هذه الخطة هو منح الضبطية القضائية لقوات الجيش والاعتماد عليها في تأمين الاستفتاء الشعبي على الدستور، بعد أن فقد التنظيم الثقة في جهاز الشرطة ووزير داخليته.

في ذات الوقت كانت المخابرات العامة تعد تقريرا بأهم وأكثر مساعدي الوزير كفاءة بناء على طلب من رئاسة الجمهورية، وبدأ منذ ذلك الحين اسم محمد ابراهيم في الظهور كأحد أبرز رجال الأمن، الذي اختارته الأقدار فيما بعد لكي تضعه في قلب تحول تاريخي سيشكل ملامح مستقبل الحركات الإسلامية في المنطقة العربية بأسرها.

كانت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة لها ترقب المشهد على الضفة الأخرى من نهر السياسة بتلاطم أمواجه العنيف، ورصدت التفاعلات الكبيرة التي شكلت هذا الوجه المضطرب للحراك السياسي المصري، وكان من بين تلك التفاعلات قرار التنظيم المفاجئ بالإطاحة بأحمد جمال الدين، الذي تسبب في حدوث ثورة مكتومة داخل وزارة الداخلية، وصدمة شعبية وسياسية عميقة، وتعيين محمد إبراهيم بدلا منه على رأس هرم الأمن الداخلي.

عمود في نظام الإخوان

حاول جمال الدين الحفاظ على المعادلة التي طالما شكلت طبيعة النظام في مصر منذ الإطاحة بالملكية في يوليو 1952. تقوم هذه المعادلة على حفاظ الأجهزة الأمنية على مسافة مع جميع القوى السياسية والأيديولوجية في البلاد، والارتقاء فوق جميع المؤسسات الحكومية الأخرى وترسيخ تبعيتها المباشرة لرئاسة الجمهورية، مع السعي دائما لتجنب استفزاز الجيش أو الاقتراب من مصالحه الاقتصادية وحيز تواجده في المجتمع، كدور كان ينظر إليه على أنه حتمي على مدار أكثر من ستين عاما. لكن وزير الداخلية الجديد بدا أنه لا يدرك أبعاد تلك المعادلة بشكل واضح، وظهر أمام الرأي العام كرجل يؤمن كثيرا بإطاعة الأوامر ويحمل قدرا من الولاء للنظام الذي صنع منه رجل الأمن الأول في مصر.

وسط الانتقادات الحادة والهجوم المباشر الذي طال محمد إبراهيم وأجهزته الأمنية بسبب ما اعتبره البعض خضوعا لماكينة الأخونة التي بدأت في اختراق تلك الأجهزة، لم يدرك الرجل أن مبادئ المدرسة الأمنية الروتينية التي شكلت خلفيته المهنية سيكون لها دور في أن يصبح فيما بعد «مطرقة الثورة» الحديدية بعد أن مثّل لستة أشهر كاملة مطرقة بيد الإخوان في مواجهتها.

في 26 يناير صدر الحكم بالإعدام على كثير من المتهمين الذين ينتمون إلى مدينة بورسعيد الواقعة على قناة السويس، في القضية المعروفة إعلاميا بـ «مذبحة بورسعيد»، ونظم أهالي المتهمين مظاهرات حاشدة توجهت إلى سجن بورسعيد العمومي، وقتها ظهر أن الداخلية قد عادت إلى طبيعتها السابقة وبدأت في التكشير عن أنيابها، فأطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين (الذين حاول بعضهم اقتحام السجن وقتلوا ضابطا) ووقع ضحية الاشتباكات 57 قتيلا ومئات الجرحى، وهو ما تكرر في اليوم التالي أثناء تشييع جثامين القتلى.

لكن واقعتا سحل مواطن يدعى «حمادة صابر» أمام قصر الاتحادية ومقتل الناشط «محمد كريستي» على يد قوات الشرطة، اللتان كانتا تبث مباشرة على شاشات المحطات الفضائية فيما عُرف بـ «أحداث الاتحادية الثانية»، شكلتا قناعات لدى الرأي العام المصري بأن محمد إبراهيم هو رجل مكتب الإرشاد في وزارة الداخلية. وأدى مقتل الناشط السياسي محمد الجندي، بعد ذلك بأيام، إلى ترسيخ تلك القناعات، وسيطرة رغبة شعبية عامة في تقديم «وزير داخلية الإخوان» للمحاكمة، على ما اعتبروه جرائم لا تسقط بالتقادم.

الانحياز للثورة

عندما يتحدث اللواء محمد إبراهيم على شاشات التلفزيون تشعر أنه رجل أمن بسيط، لا يمتلك عقلا مركبا، ولا يحمل رؤى خاصة أو آراء منفردة أو نظريات أمنية استثنائية. فحياة الرجل الذي ولد في مدينة السويس المطلة على مجرى القناة الملاحي، في 10 إبريل 1953 لم تشهد تقلبات نوعية من الممكن أن تترك أثرا ملحوظا على شخصيته. فمنذ تخرجه من كلية الشرطة المصرية عام 1976 وتعيينه ملازما أول في مديرية أمن السويس، ظل يتنقل بين أفرع إدارة البحث الجنائي في المحافظات المصرية من شمالها إلى جنوبها، وشكلت فترة الخدمة الطويلة التي قضاها في صعيد مصر (بداية من عمله في مديرية أمن قنا خلال حقبة التسعينات وما صاحبها من عمليات إرهابية تركزت بشكل أكبر في محافظات الصعيد، حتى أصبح مديرا لأمن أسيوط) جزءا كبيرا من شخصيته التي يسيطر عليها الهدوء، المصحوب بجمود واضح في ملامح الوجه.

أثار تعيين إبراهيم في يناير الماضي على رأس الأمن المصري، رغم أنه كان مسؤولا عن قطاع السجون، جدلا في الأوساط الأمنية، بالنظر إلى أن وزير الداخلية عادة ما يتم اختياره من بين مساعدي الوزير لمباحث أمن الدولة (الأمن الوطني حاليا) أو قطاع الأمن العام. لكن الرجل نجح في أن يثبت لكل من نظام الإخوان ونظام الثورة معا أنه الرجل المناسب للمرحلتين. فعقب نجاح الفريق السيسي في الإطاحة بنظام الرئيس المعزول محمد مرسي، اختار الإبقاء على إبراهيم في منصبه، بعد جدل طويل ومقارنات عدة بينه وبين أحمد جمال الدين الذي سبقه في المنصب، وكانت طبيعة إبراهيم في إطاعة الأوامر دون الإطالة في النقاش حول جدواها سببا رئيسيا في هذا الاختيار، بالنظر إلى حساسية المرحلة.

ظهرت قدرات وزير الداخلية المحدودة أثناء فض إعتصاميْ الإخوان في رابعة والنهضة، وبدت العملية وما صاحبها من فشل الداخلية في حماية أكثر من 40 كنيسة دفعوا ثمن مشاركة الأقباط في التظاهرات ضد نظام الإخوان، بأن هناك حالة من الفوضى والارتباك والعجز تسيطر على صناع القرار الأمني داخل الوزارة. جاء التحول الكبير الذي شهدته عقيدة وزير الداخلية وتوجهاته في وقت لم يتعد الأسبوع الواحد، من أقصى اليمين السياسي إلى راديكالية الثورة، ليمثل تجسيدا واضحا لشخصية أحمد سبع الليل، جندي الأمن المركزي، الذي جسده أحمد زكي في فيلم «البريء»، وقد اختار في النهاية الثورة على نفسه وعلى النظام في وقت واحد.

بيد أن الاثنين 4 نوفمبر الماضي شهد تحولا جديدا في المشهد الأمني المصري مع بدء الجلسة الأولى من محاكمة الرئيس المعزول، وتصدّر وزارة الداخلية للمشهد من جديد، ونجاحها في تأمين البلاد ونقل محمد مرسي وعصام العريان ومحمد البلتاجي وآخرين إلى قاعة المحاكمة وإعادتهم إلى السجن مرة أخرى، وإحباط محاولات التنظيم لنشر الفوضى أو ارتكاب أعمال عنف. هذا التحول يكمن في دخول الإخوان في صراعهم مع مؤسسات الدولة الأمنية في معركة استنزاف جديدة من الممكن أن تمتد طوال فترة محاكمة مرسي، معركة ستسيطر عليها التظاهرات والاعتصامات وأعمال العنف الخفيفة والمتفرقة، إلى أن يربح في النهاية صاحب النفس الطويل.

12