رجل إيران الأميركي في العراق

الجمعة 2013/11/01

ألا يزال العراق بلداً محتلاً؟ هناك من يقول إن الإجابة على سؤال من هذا النوع تعتمد على المعنى الذي يعتمده المرء لمفهوم الاحتلال. ولأن كثيراً من المفاهيم التي كانت إلى وقت قريب ثابتة وراسخة قد تعرضت للإزاحة عن معانيها الصلبة، فقد صار علينا أن نتوقع أن تُسمى الأشياء بغير مسمياتها، وهو ما حدث منذ اليوم الأول الذي احتلت فيه القوات الأميركية عاصمة الرشيد.

كان هناك من يتحدث عن تحرير العراق، بل أن بعضاً من سياسيي الاحتلال قد دعوا إلى اعتبار اليوم الأسود الذي سقطت فيه بغداد يوماً وطنياً. ولأن العراق الجديد هو بلد ديمقراطي، فقد صار على المرء أن ينصت إلى أفكار خيانية من هذا النوع ويصمت، بل عليه أن يعتبرها مجرد وجهات نظر.

فهل يُعقل أن هناك سياسيين ومثقفين عراقيين لم ينطقوا ولا مرة واحدة بكلمة احتلال، في حين أن الإدارة الأميركية نفسها ذهبت إلى مجلس الأمن ليصدر قراره الذي كان ينص على أن العراق هو بلد محتل من قبل الولايات المتحدة ومَن تحالف معها؟

نعم حدث ذلك بقوة إنكار لا ترى ولا تسمع ولا تتخيل، ولا يهمها أن تكون موضع سخرية من قبل العقلاء. منذ ثماني سنوات والعراقيون لديهم حكومة منتخبة. أما كيف اُقرت نزاهة الانتخابات التي أنتجت تلك الحكومة في ظل الاحتلال، فذلك سؤال لا يحب عراقيو تمرير الواقع الإنصات إليه. قالوا إن هناك أصابع بنفسجية هي التي سلّمت المالكي وحزب الدعوة السلطة، وعلينا أن نصدق المسرحية التي روجها الإعلام الغربي.

كان جنود قوات التحالف ومعهم المرتزقة من مقاولي الشركات الأمنية يقتلون العراقيين علناً في الشوارع في ظل وجود حكومة منتخبة. وحين نشبت الحرب الأهلية لم يحرك أولئك الجنود ساكنا، بل اختفوا فجأة ليتركوا لفرق الموت القادمة من إيران ولأتباعها من الطائفيين من العراقيين ولتنظيم القاعدة الذي جلب إلى العراق حرية الفتك بالعراقيين.

يومها صمت العالم. لم يقل مجلس الأمن كلمة واحدة للولايات المتحدة يحملها جزءا من مسؤولية ما كان العراق يشهده، وبما ينص عليه القانون الدولي كون قواتها كانت لا تزال تحتل العراق رسميا وعليها تقع مسؤولية حماية أمن وسلامة سكانه وثرواته وقوانين دولته. لقد مرت فصول الحرب الأهلية لتنتج مجتمعا ممزقا طائفيا. وهو بالضبط مضمون المجتمع الذي رسم الاحتلال شكله منذ يومه الأول.

حين أعلن الرئيس الأميركي أوباما عن سحب القوات الأميركية فلم يكن ذلك الحدث إلا استعراضاً شكلياً. لقد ذابت قوات الاحتلال في العراق وتم توزيعها على قواعد تقع خارج المدن العراقية. كان القصد من مسألة إنهاء الاحتلال أن تقيم قواته خارج المدن العراقية وأن لا تُرى في الأوقات العادية. وهنا لا يعني مفهوم (الأوقات العادية) أن القتل لن يكون متاحاً، بل المقصود هو العكس تماماً، فكلما زاد القتل في العراق كلما بدا الواقع طبيعياً.

لقد سمعت أحد السياسيين المقربين من المالكي يقول: «إن العراق الآن هو الأكثر استقراراً مقارنة بالدول المحيطة به» ولم تكن تلك الجملة زلة لسان فالرجل استدرك وقال «سقوط عشرات القتلى يوميا لن يؤثر على ذلك الاستقرار». بعد ذلك أوضح الرجل مفهومه وقال «المهم أن تستمر العملية السياسية» وهو ما يعني استمرارهم في الحكم الذي هو فرصة تاريخية لنهب ثروات البلد ولقتل أكبر عدد ممكن من سكانه في محاولة للتعجيل في ظهور المهدي المنتظر.

الولايات المتحدة هي الأخرى تنتظر ظهور الإمام الغائب في العراق، رغم أن بعض الفقهاء ذكروا أنه حين يظهر لن يمر بأرض السواد. فذلك الأمر من شأنه أن ينسي العراقيين مسألة العلاقة الملتبسة بين العراق والولايات المتحدة. بشكل محدد يمكننا القول إنه يضع التفكير بالاحتلال كونه الداء العضال الذي يعاني منه العراق على الرف.

أما حين تستدعي الإدارة الأميركية المالكي، وهو الرجل الذي ستنتهي ولايته الثانية بفشل غير مسبوق، فإنها قد لا تفكر إلا في الثناء على عبقريته التي استطاع من خلالها أن يعطل عملية نهوض العراق، من غير أن تكون هناك إشارة إلى أن العراق لا يزال محتلاً وأن مصيره لا يزال مرتبطاً بالمخطط الذي وضع المحتل رسومه الأولية.

سيكون على أميركا أن تشكر المالكي قبل أن تأمره بالتخلي عن أحلامه في ولاية ثالثة.


كاتب عراقي

8