رجل الأعمال في السينما المصرية.. طفيلي

عكست صورة رجل الأعمال في الأعمال السينمائية المصرية حالة سيئة لأجواء الاستثمار في مصر، ولم تتناول مثلا البورصة من الداخل ولم تطرقها كاميرات المصورين، لكنها اعتادت الإشارة إليها داخل سياق الأحداث بصورة متكرّرة عن خسارة الأموال أو تشبيهها بطاولة للقمار، الأمر الذي دفع رئيس مجلس إدارة البورصة الجديد محمد فريد إلى المطالبة بإضافة مادة دراسية عن الاستثمار يتم تدريسها في المدارس لتغيير الصورة المشوهة.
الأربعاء 2018/02/07
"القرين".. رجل أعمال ينتحر بعد خسارته في البورصة

القاهرة – يتلقى اتصالا هاتفيا، يبدأ في التعرّق، يحرّر ربطة عنقه، يلقي السماعة على الأرض مغشيا عليه أو ينتحر.. يعتبر ذلك المشهد هو المفضل لدى المخرجين المصريين في تصوريهم لرجال الأعمال الذين يستثمرون أموالهم في البورصة.

وتتناول الأفلام السينمائية البورصة المصرية من زاوية خسارة الأموال غالبا، منها فيلم “القرين” الذي تم تصويره عام 2014، بطولة حسن عيد وبسمة الغيطاني ومجموعة من الشباب، ويحكي عن رجل أعمال يُضارب بأمواله في الأوراق المالية، وينتحر بعد خسارتها لتسكن الأرواح الشريرة بيته وتهاجم كل من يريد أن يعيش به، وقبله “جعلتني مجرما” المعروض في 2006، لأحمد حلمي وغادة عادل، والذي يحكي عن فتاة خسرت 250 ألف جنيه بالبورصة، واضطرت إلى ادّعاء أنها تعرضت للاختطاف حتى تحصل على المزيد من الأموال من أبيها المليونير البخيل.

كما يشكو رجال الأعمال بمصر من تصوريهم في صورة الشرير دائما بدءا من فيلم “أبوحلموس” لنجيب الريحاني الذي تم إنتاجه سنة 1947، أو تجسيدهم كتجار مخدرات متخفين وراء قناع من الطيبة، ويشكو مستثمرو البورصة من أن الأعمال السينمائية والدرامية توحي بأن البورصة “طاولة شيطانية خضراء” تثير لعاب الجالسين عليها بالربح في البداية إلى أن تقصم ظهورهم بالخسارة، رغم أن أول دار عرض بمصر كانت تحمل اسم “بورصة”.

وكانت بورصة “طوسون باشا” بمدينة الإسكندرية أول دار عرض سينمائي بالمعنى الحقيقي في مصر، وهي عبارة عن مبنى مكون من عدة طوابق، كل منها مقسم لعدة صالات مختلفة المساحة والأغراض للعرض السينمائي، بجانب قاعات للاحتفالات أو حفلات الرقص للجاليات الأجنبية، وتقع في شارع الباب الجديد بالمدينة الساحلية.

وقال المحلل المالي محمد كمال إن “الاستثمار بالبورصة المصرية لا يزال يعاني من صورة نمطية قدمتها السينما عن المستثمرين، إذ روّجت لمزاعم بأنه كطاولة قمار وأن من يدخلها سيخسر أمواله، علاوة على ترويج مشاهير من الوسط الفني تعرضوا للخسارة في البورصة لتلك الفكرة باستمرار في أحاديثهم الصحافية أو برامجهم”.

وخاض الفنان محمـد رياض تجربة تقديم برنامج اقتصادي تلفزيوني تحت عنوان “البورصة” على فضائية “الحياة” الخاصة، تناول فيه التعليق على السوق المالية في مصر بالاستعانة بمحللين مختصين، وتحدّث أكثر من مرة عن استثمار أمواله التي جمعها من الفن ولمدة ثلاث سنوات وخسارتها لجهله بقواعد التداول.

السينما المصرية شوهت عبر تاريخها صورة المستثمرين في البورصة وشبهت المتعاملين فيها بلاعبي القمار

وأكد كمال، لـ”العرب”، ضرورة إعادة تجربة وزارة الثقافة والإعلام في عهد عبدالقادر حاتم (من 1960 حتى 1965) والتي كانت تقوم بتقديم مساعدات في شكل دعم نقدي يقدر بحوالي 112.5 ألف دولار لمن ينتج فيلما ملونا، و65 ألف دولار للفيلم الأبيض والأسود على أن تكون هذه الأفلام هادفة وتتسق مع السياق العام للمجتمع، مضيفا أن السينما الأميركية أنتجت خلال الفترة التي تلت الأزمة المالية العالمية في 2008 العشرات من الأفلام التي تناولت الاقتصاد والبورصة.

ويقول محللون ماليون لـ”العرب” إن تدريس طلبة المدارس الإعدادية قشور الاستثمار يقضي على الصور النمطية للبورصة المصرية، فالتعليم هو النمط الأسهل والأفضل لمواجهة التراكمات الثقافية لدى الشخصية العربية التي لا تزال تبتعد عن الاستثمار أو الادخار وتفضل وضع الأموال في خزائن بالمنازل.

ووعد طارق شوقي وزير التربية والتعليم المصري بدراسة التجارب الدولية في ما يتعلق بمناهج الاستثمار والبورصة، لصياغة مناهج تعليمية شيّقة لطلاب المدارس لتوسيع مداركهم على مختلف المهارات الفنية ومن بينها الثقافة المالية.

ويقول جمال بيومي رئيس اتحاد المستثمرين العرب إن “الصورة النمطية التي يتم تقديمها لمستثمري البورصة لا يمكن عزلها عن الصورة الإجمالية الذي يرسمها كتاب السينما والدراما لرجال الأعمال، والتي لا تخرج عن مهرّبين ومتهرّبين من الضرائب والجمارك، ومقدّمي رشى للمسؤولين، وأخيرا تجّار مخدرات أو عبيد للجميلات، وأن وزارة التربية والتعليم يمكنها تغيير تلك الصورة عبر المناهج الدراسية”.

وقدّمت جمعية رجال الأعمال المصريين قبل عدة أشهر مقترحات لعدد من الكتاب، ومنهم الأديب علاء الأسواني لتأليف أفلام ومسلسلات تتناول قصة حياة رجل أعمال وكيف حقّق ثروته وبنى مصنعه ليعطي الأمل للشباب، حتى لا يسيطر الإحباط عليهم.

ويشدد صفوت العالم، الأستاذ بكلية الإعلام في جامعة القاهرة، على أن هناك صورة ذهنية تتّسم بالمبالغة والانتقائية في وسم عدد غير قليل من المستثمرين في الدراما والسينما، الأمر الذي يعطي انطباعا بأن تلك الممارسات لا تتمّ بشكل عشوائي، وأنها منتظمة وتصبّ في خانة أن رجال الأعمال تسيطر عليهم مصلحتهم الخاصة، وليس الصالح العام للمواطنين، وهو ما يعطي انطباعا غير دقيق عن أهداف الاستثمار.

وربما تكون تلك الصورة الدافع إلى إعلان عدد من رجال الأعمال المصريين الدخول إلى حلبة الإنتاج الفني خلال الأسابيع الأخيرة، منهم محمـد أبوالعينين، رئيس مجلس إدارة أكبر شركة للسيراميك بمصر، وقبلها رجل الأعمال أحمد أبوهشيمة، صاحب مصانع “حديد المصريين” والذي يملك أيضا فضائية “أون إي” المصرية.

16