رجل البيت الأبيض ينقل سياسة الكاوبوي إلى الرياضة

المغرب يحظى بدعم كبير لاستضافة مونديال 2026 ليس في أفريقيا فقط، بل لدى الدول العربية وفي آسيا وغالبية الاتحادات والدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا.
الأحد 2018/05/06
جهود مقنعة للفوز بشرف تنظيم كأس العالم

حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن السياسة والعلاقات الدولية هو أشبه بحماس المقامرين واندفاعهم في لعبة رهانات رياضية، وبخصاله هذه يبدو أنه وجد ضالته بالفعل في حربه الجديدة لنيل الجائزة الكبرى: مونديال 2026.

سيكون هناك متسع من الوقت وعلى مدى نحو شهر حتى يمارس الرئيس الأميركي دوره المعهود في الضغط والابتزاز والمقايضة، بسياسة معي أو ضدي، قبل التصويت الحاسم لنيل شرف استضافة المونديال. وكما حدث الأمر في الحرب التجارية العالمية المستعرة مع الشريك الأوروبي وفي معركة المناخ، فإن الزعيم الشعبوي يبدو مستعدا لنقل سياسة الكاوبوي إلى ميدان الرياضة.

ملفان على طرفي نقيض

تتسم كأس العام المقبلة بكونها الأولى التي تحسم في حقبة ما بعد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السابق جوزيف سيب بلاتر، الذي غادر مثقلا بفضائح الرشوة والفساد وبتصويت مشبوه لنسختي روسيا وقطر كما أنها تضع للمرة الأولى ملفا باشتراك ثلاث دول في مواجهة ملف منفرد.

 

تؤكد مؤشرات كثيرة أن المغرب يملك حظوظا وافرة للفوز بتنظيم نهائيات كأس العالم 2026 رغم سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمنع ذلك والدفع نحو دعم حظوظ فوز ملف الثلاثي كندا والمكسيك والولايات المتحدة، حتى لو كان عن طريق الابتزاز. لكن، تدخل ترامب ومحاولاته ستصب في صالح المغرب المدعوم من أغلب الاتحادات والدول الأفريقية والأوروبية

للوهلة الأولى يظهر الملفان المرشحين على طرفي نقيض، فمن جهة هناك تجمّع ثلاثي يمتد على مساحة نصف قارة تجمع الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وبحجم سكاني يقارب 500 مليون نسمة بينما يتعين على الملف المغربي المنفرد وبحجم سكاني لا يتجاوز 36 مليون نسمة أن يقنع الفيفا في محاولته الخامسة بأحقيته في استضافة المونديال الثاني لقارة أفريقيا.

يتقدم الملف الثلاثي بميزات مهمة ترتبط أولا بتفوق واضح على مستوى البنية التحتية وهو وما سيساعد في تخفيض الكلفة إلى الحد الأدنى مع الجاهزية التامة للملاعب وبطاقة استيعاب لا تقل عن 68 ألف متفرج.

لكن يتوجب أولا على الملف الثلاثي ومن ورائه الإدارة الأميركية إقناع الشركاء والأصدقاء والفيفا بجاذبية التنظيم الثلاثي لا سيما مع موقف الاتحاد الدولي السابق الذي استبعد فكرة التنظيم المشترك بعد التعقيدات التي عرفتها تجربة اليابان وكوريا الجنوبية عام 2002.

على الرغم من البنية التحتية المتطورة التي تقدّمها الولايات المتحدة بعد تجربتها الرائعة عام 1994 وبمعية المكسيك منظمة دورتي 1970 و1986 باقتدار كبير إلى جانب كندا ذات الإمكانيات الكبيرة، فإن عامل المساحة الشاسعة يرسم عائقا كبيرا أمام تنقل المنتخبات المشاركة، فضلا عن تنقل الجماهير بين بلد وآخر وحتى بين مدينة وأخرى داخل القطر الواحد.

على الجهة المقابلة، فإن المغرب لا يقدم مبدئيا سوى خمسة ملاعب جاهزة من بين 12 ملعبا مطلوبا لاستضافة كأس العالم، لكن الجانب الإيجابي يتمثل في إرادة الرباط بناء ملاعب قابلة للتدوير لتفادي الأخطاء التي سادت تجربة جنوب أفريقيا في مونديال 2010 حينما اضطرت بعد استضافتها للمسابقة إلى الاستمرار في صيانة ملاعب عملاقة لكنها فارغة.

لا تلعب المقارنة على مستوى البنية التحتية لصالح الرباط، مؤكد، لكن هناك الكثير من الأوراق الرابحة التي تملكها المملكة المغربية ويمكن أن ترجّح كفتها، وهو أن البلد الذي ضمن تأهله إلى المونديال (روسيا 2018) للمرة الخامسة في تاريخه يملك تقاليد راسخة في كرة القدم ولاعبين دوليين ينشطون في بطولات عالمية، على عكس الملف الثلاثي المشترك، إذ بخلاف المكسيك فإن تقاليد كرة القدم لا تزال تتحسس طريقها بين الجمهور في الولايات المتحدة ولا سيما في كندا التي تأهلت في مناسبة وحيدة في تاريخها إلى المونديال.

كما يقع المغرب في منتصف العالم، وقد يلعب قربه الجغرافي من الدول الأوروبية بشكل خاص دورا حاسما في عملية التصويت، ليس فقط بالنسبة للاتحادات الوطنية لكنه سيكون أكثر استجابة لعمليات التسويق والتوقيت والرعاية وحركة الطيران بالنسبة للجماهير، بالنسبة للاتحاد الدولي فضلا عن أن المغرب بلد سياحي من الصنف الأول ويجمع مناخه بين الأطلسي والمتوسطي

دونالد ترامب: الدول التي تحظى بدعم وبمساعدات أميركية مطالبة برد الدين في الدعاية والتصويت المقرر لاختيار البلد المضيف لكأس العالم يوم 13 يونيو
دونالد ترامب: الدول التي تحظى بدعم وبمساعدات أميركية مطالبة برد الدين في الدعاية والتصويت المقرر لاختيار البلد المضيف لكأس العالم يوم 13 يونيو

.

ضغوط ترامب

يمكن للمغرب الاستفادة من اهتزاز أداء الإدارة الأميركية. هناك أجواء من التوتر تخيّم على العلاقات بين واشنطن ومكسيكو في ملفات كثيرة ومن بينها أساسا الهجرة والجدار الفاصل على الحدود بين البلدين والذي يدعمه الرئيس الأميركي بشدة، لا تخدم الملف المشترك لدى الاتحاد الدولي.

كما تلعب سياسات ترامب الشعبوية في إدارته للأزمات الدولية، ولا سيما ملف الهجرة الدولية، دورا سيئا في الترويج لصورة الولايات المتحدة كبلد متسامح ومنفتح على كل الثقافات والأعراق ومرحب بكل الشعوب في أعرق تظاهرة رياضية على الأرض.

ولدحض أي طعنات من الخلف لم يتورّع ترامب كعادته في إطلاق تحذيرات صريحة على تويتر، من أن الدول التي تحظى بدعم وبمساعدات أميركية، بما في ذلك الأمم المتحدة، مطالبة برد الدين في الدعاية والتصويت المقرر لاختيار البلد المضيف يوم 13 يونيو.

ويذهب الرئيس الأميركي إلى حد توجيه تحذيرات مبطّنة إلى أفريقيا نفسها. تجلى ذلك في لقائه الأخير مع الرئيس النيجيري محمدو بخاري، وربطه مستقبل المساعدات الأميركية والتعاون التجاري مع القارة بنتائج التصويت للمونديال.

ومؤخرا، تراجع الاتحاد الجنوب أفريقي لكرة القدم عن دعمه الرسمي للملف المغربي من أجل استضافة نهائيات كأس العالم 2026. وكان الاتحاد الجنوب أفريقي، أعلن في البداية دعمه اللامشروط للمغرب، حتى ينجح في تنظيم أشهر حدث رياضي في العالم.

ولا ينفصل موقف جنوب أفريقيا عن تصريحات ترامب التي هدد فيها الدول التي لن تدعم الملف الثلاثي الأميركي. وكان ترامب دعا صراحة نيجيريا وجنوب أفريقيا لحشد دعم الدول الأفريقية لصالح ملف وكندا والمكسيك الولايات المتحدة الأميركية.

لكن، نظريا لن يكون الابتزاز الأميركي وحده كافيا لتحويل دفة التصويت إلى الملف الثلاثي، كما حدث الأمر في أروقة الفيفا وعواصم أخرى أثناء التصويت لمونديالي روسيا 2018 وقطر 2022.

المغرب الذي ضمن تأهله إلى المونديال روسيا 2018 للمرة الخامسة في تاريخه يملك تقاليد راسخة في كرة القدم ولاعبين في بطولات عالمية، على عكس الملف الثلاثي المشترك، فبخلاف المكسيك فإن تقاليد كرة القدم في كندا والولايات المتحدة لا تزال تتحسس طريقها

وفي تقدير الخبراء، فإن سياسات ترامب المندفعة قد تأتي بنتائج عكسية للملف المشترك، فضلا عن أنها لا تتفق مع الميثاق الرياضي الدولي الذي يفصل نظريا بين السياسي والرياضي كما أنها لا تضمن تعاطفا تلقائيا من دول صديقة.

وبينما لا تزال التحقيقات سارية بشأن ما إذا كان هناك تلاعب أيضا في شراء الأصوات في دورات فرنسا 98 وألمانيا 2006 وجنوب أفريقيا 2010، فإن الفيفا تبنى نظاما جديدا في عملية التصويت ليخرج من الدائرة الضيقة التي تضم 37 عضوا من الاتحاد الدولي نحو دائرة أرحب تشمل 211 اتحادا وطنيا، باستثناء الاتحادات المرشحة لاستضافة المونديال.

لكن الشيطان دائما يكمن في التفاصيل، إذ يمكن أن يصبح خيار الديمقراطية في التصويت الذي تبناه الفيفا مجرد ديكور، إذا أبقى الاتحاد الدولي على نظام التقييم المسبق للملفات المرشحة عبر الزيارات الميدانية للجنة الخبراء والتي يمكن أن تتخذ قرار الإبعاد لأي ملف إذا ما رأت تقصيرا قبل مروره إلى مرحلة التصويت، وأثارت الخطوة تحفظا من الجانب المغربي كونه تم الإعلان عنه بشكل متأخر وقبل يومين فقط من إيداع ملفات الترشح.

مع ذلك يحظى المغرب بدعم كبير ليس في أفريقيا فقط ولكن أيضا لدى الدول العربية وفي آسيا وغالبية الاتحادات والدول الأوروبية وفي مقدمتها فرنسا. وأعرب عن ذلك رئيس اتحاد كرة القدم الفرنسي نويل لو غرايت “لا أرى نفسي لا أؤيد بلدا قريبا منا”، مضيفا أن أفريقيا، التي استضافت كأس العالم مرة واحدة فقط سابقا وكانت في جنوب أفريقيا “غالبا ما أُهملت”.

7