"رجل الخبز الحافي" مسرحية تستعيد سيرة محمد شكري

الجمعة 2015/01/23
المسرحية قدمت شكري المتوتر بين شخصيتي المعدم والمشهور

كيف نستعيد سيرة كاتب كبير من عيار محمد شكري؟ وكيف نعود إلى ثنايا حياته وثنايا كتاباته؟ هل نعتمد السرد البيوغرافي، الذي يستعيد تجربة الرجل من البداية إلى النهــاية، أم نعتمد طرائق أخرى؟ وما هي، إذا كنا نواجه سيـــرة محمد شـــكري مسرحيا؟

أسئلة كثيرة ترددت في ذهن الكاتب الطنجي، مؤلف المسرحية، وصديق محمد شكري، الكاتب الزبير بن بوشتى، وقد برز هذا في طبيعة اشتغاله على تجربة محمد شكري وحياته وكتاباته، من زاوية جميلة ومتميزة.

لقد تجنبت مسرحية “رجل الخبز الحافي” كمائن البيوغرافيا، واختار المؤلف ذريعة تقسيم محمد شكري إلى شخصيتين، شكري الشاب الضائع؛ ماسح الأحذية، التائه بين المقابر وسماه “ري”، وشكري الكاتب المشهور والمعترف له بذلك وسمّاه “شك”، وبينهما وقفت شخصية ميرودة، لتلعب دور فتاة الحانة تارة، ودور الأم تارة أخرى، ودور قيّمة المقبرة في البداية والنهاية.

هكذا، تُحكى لنا قصة الكاتب محمد شكري، عبر “شُكرِيَيْن” الشاب الفقير الضائع والكاتب الكهل، وتبدأ القصة من المقبرة، حيث سيدفن شكري، ليتأسس الحكي على التوتر بين الشخصيتين، تقف بينهما المرأة دوما.

ستكون شؤون الكتابة وتجربة الإبداع المستوى الأول للتوتر، بين شكري الذي عاش الحياة بفقرها وشظفها، وبين شكري الذي كتبها، توتر بين من عاش ومن كتب، أيّهما الكاتب وأيّهما العائش، وفي ظل أيّة حدود يقع الانتقال من تجربة الحياة القاسية إلى تجربة الكتابة المحفوفة بالاسترجاع وبالمتعة في الآن نفسه.

وشيئا فشيئا، تنغمس المسرحية في حياة شكري، أو في حياة الشكريَيْن، بين أماكن متعددة، من المقبرة إلى الحانة، ثمّ تجارب العشق، وفي كل ذلك نكتشف كاتبا كبيرا استطاع أن يخرج من حياة القهر والجوع والضياع إلى حياة الشهرة والاعتراف، كما استطاع أن يخرج من أمية قاهرة إلى حالة من التفرّد في الكتابة الروائية.

ولكن ثمّة نبرة لا تتوقف عن الترداد في المسرحية، وهي الحياة العائلية القاسية لشكري، بين أم ملتاعة، وأب باع ابنه لصاحب المقهى من أجل دريهمات معدودات. وتعود بكل قسوة ذكرى الأخ الصغير لمحمد شكري، الذي مات بسبب تعنيفه من أبيه خلال سورة غضب عاتية.

لم ينس شكري ذاك الأخ، ولم تكن المقبرة سوى المعادل السينوغرافي المناسب لتلك الذكرى، ولتلك الحياة القاسية: “لا أعرف ما الذي يحفزني إلى التجوال في المقابر؟ أهو سلامها، أم هي عادتي أيام نومي فيها؟ أم حبا في الموت؟”، هذا ما يبوح به شكري في كتابه “زمن الأخطاء” المستعار منه داخل المسرحية.

بين إيقاع درامي متوتر وموزون بدقة لحياة كاتب صاخبة، إلى إيقاع عرض مسرحي موزون وقوي لممثلين أكفاء (فريدة بوعزاوي، محسن مالزي، منصف قبري)، وسينوغرافيا شاعرية، وأداء ممزوج في لحظات كثيرة بدموع صادقة، استطاعت مسرحية “رجل الخبز الحافي” أن تستعيد تجربة محمد شكري بكل قوة، دون ملل، وبكثير من التألق.

17