"رجل الدولاب" مساحات ضبابية بين الحقيقة والأسطورة

المخرج المصري باسم يسري توغل في قلب الريف الدنماركي والتقى بالسكان القاطنين في تلك المناطق، تاركا لهم فرصة التعبير عن هواجسهم وعن تاريخهم الشخصي.
الجمعة 2018/05/25
حكاية شعبية تحولت إلى أسطورة

القاهرة – يعتمد الفيلم المصري “رجل الدولاب” لمخرجه باسم يسري في جانب كبير منه على المزج بين ما هو درامي يستند إلى الأداء التمثيلي، وبين الوثائقي الذي يتبنى طريقة الاستقصاء عبر شهادات حقيقية للأشخاص أو من خلال صور من الأرشيف.

ويضع هذا المزج المُشاهد أمام حالة من الارتياب وعدم اليقين إزاء المادة التي يتضمنها الفيلم، هل هي حقيقة أم محض خيال؟ وهو الهاجس الذي يظل مسيطرا على سياقه حتى النهاية.

والفيلم الذي تمتد مدة عرضه لنحو أربعين دقيقة تقريبا، يأخذ المُشاهد في رحلة عبر الريف الدنماركي للبحث عن واحدة من الحكايات الشعبية المعروفة هناك باسم “رجل الدولاب”، حيث يقرّر المخرج تتبّع سيرة هذا الرجل الذي قضى حياته كلها متنقّلا في ربوع الدنمارك وهو يحمل خزانة ملابسه الخشبية فوق ظهره، يستعملها للنوم، كما يحوّلها في أحيان أخرى إلى مطبخ أو كرسي أو مخزن لأغراضه، بعد أن قرّر التحرّر من قيود المكان، ليعيش حرا أينما شاء، وبمعزل عن الناس أيضا، غير أن حكايته الغرائبية تحوّلت مع الوقت إلى إحدى الحكايات الشعبية التي يتداولها الناس في الدنمارك حتى ظن البعض أنها أسطورة من الأساطير.

فيلم “رجل الدولاب” للمخرج المصري باسم يسري شارك في الدورة الثانية لمهرجان أيام القاهرة السينمائية الدولي، والذي ضم أفلاما روائية وتسجيلية وتجريبية ونظمته “سينما زاوية” في القاهرة. والفيلم هو أحد الأعمال التي تنتمي إلى نوعية الأفلام التجريبية، على مستوى السياق وطريقة التصوير المعتمدة في الغالب على الكاميرات المحمولة، وكذلك المواءمة بين التصوير بالأبيض والأسود وبالألوان

ويسير فيلم “رجل الدولاب” في خطين متوازيين، أحدهما درامي تمثيلي يؤدي فيه المخرج دور الراوي، إذ يقص على مسامع صديقه شادي بأسلوب يجمع بين الجدية والسخرية عن حكايته مع رجل الدولاب الذي رآه في الحلم، وكيف أنه قرّر البحث بنفسه عن تفاصيل قصته في مسقط رأسه، حيث كان يعيش في إحدى المقاطعات الدنماركية.

أما الخط الآخر، فهو أميل إلى أسلوب التوثيق والاستقصاء، وفيه نرى المخرج وهو يتجوّل بين الأماكن التي مر بها رجل الدولاب بحسب ما تقول الأسطورة أو الحكاية الشعبية.

يلتقي المخرج في طريق بحثه بالعديد من السكان ممّن رأوا أو سمعوا عن رجل الدولاب، يروي كل منهم حكايته التي يعرفها، لنجد أنفسنا أمام مجموعة من الروايات التي تؤكّد الوجود الفعلي لهذا الرجل رغم تناقض بعضها أحيانا.

واللافت هنا أن الخطين: الدرامي والوثائقي، يسيران في اتجاهين متعارضين، فبينما يؤكد الخط الأول أن كل ما نراه في هذا الفيلم هو محض خيال، وأنه مجرد حلم في عقل المخرج، كما يقول لصديقه وهما يتحاوران، يقوم الخط الآخر على فكرة التوثيق، ويتّبع معايير الأعمال الوثائقية المعهودة في الاستقصاء، من إتاحة الحرية لشهادات الشهود، والتنقيب عن المواد الأرشيفية التي يمكن أن تقود إلى معلومات جديدة. وعمد المخرج أيضا إلى خلق تباين ما بين السياقين باعتماده على التصوير بالأبيض والأسود في أحدهما، فيما اعتمد التصوير الملون في السياق الآخر.

هذه المعالجة السينمائية التي تنتمي إلى التجريب تستدعي مجموعة من التساؤلات المحورية حول سياق الفيلم، مثل لماذا اتجه مخرجه إلى البحث عبر الفضاء الغربي عن حكايته السينمائية؟

من وجهة نظر الكثيرين يبدو العمل غرائبيا وغير مفهوم من هذه الناحية، لكننا يمكن أن نتقبل الأمر إذا نظرنا إلى الفيلم كعمل يحاول كسر الفرضية النمطية التي طالما سيطرت على الثقافة السينمائية العربية، هذه الفرضية التي تتيح للآخر، أو للغربي تحديدا، التنقيب والبحث عن حكاياتنا وأساطيرنا بحرية، من دون أن نسمح لأنفسنا بالقيام بنفس هذا الدور الذي يقوم به، بمحاولة التعرّف عليه من الداخل، فالحكايات الشعبية تعكس طريقة التفكير والمخاوف والأحلام التي تسيطر على أبناء الثقافات المشتركة.

وما فعله باسم يسري أنه خاض المغامرة في الاتجاه المعاكس، وهو ما أكّدت عليه الندوة المصاحبة للعرض، والتي أدارها الكاتب ورسام الكاريكاتير المصري محمد قنديل.

فيلم مصري عن حكاية شعبية دنماركية تتحدث عن رجل يحمل خزانة ملابسه فوق ظهره منشدا السكن أينما ارتحل

وتوغل المخرج المصري باسم يسري في قلب الريف الدنماركي والتقى بالسكان القاطنين في تلك المناطق، تاركا لهم فرصة التعبير عن هواجسهم وعن تاريخهم الشخصي عبر الحديث عن تلك الحكاية الشعبية التي تحوّلت إلى ما يشبه الأسطورة.

ومن خلال هذا المنحى يجيب الفيلم كذلك على عدد من التساؤلات الهامة عن كيفية تحوّل الحكاية إلى أسطورة، أو كيفية اكتساب الأشخاص لصفات بطولية أو خارقة إذا ما تم وضعهم ضمن إطار الحكاية.

وبعيدا عن الانتماء الثقافي للحكاية التي يتناولها الفيلم، فالطرح الذي يقدّمه يمكن أن ينتمي إلى أي مكان خارج ثقافته الأصلية، فنحن إزاء رجل قرّر الاغتراب بمحض إرادته، بما ينطوي عليه ذلك السلوك من تداع للأفكار المتعلقة بفكرة الاغتراب والرغبة في الانتماء.

ويسلط الفيلم الضوء أيضا على ذلك السلوك الشعبوي الذي يعمد إلى تشويه الصورة الحقيقية لصالح الأسطورة، فالرجل رغم غرابة أطواره استطاع أن يحتل مكانة ما في الذهنية الشعبية، وبناءا عليه يتم تفسير تصرفاته وقناعاته على نحو يساهم في ترسيخ هذه الأسطورة، عن طريق ليّ الحقائق أحيانا أو اختلاق الأفعال والأحداث في أحيان أخرى، وهي ظاهرة تتكرّر في معظم الثقافات البشرية على اختلافها.

واستطاع فيلم “رجل الدولاب” الحفاظ قدر الإمكان -رغم هذه الحالة من الارتياب وعدم اليقين- على مساحة من التشويق والمتابعة نتيجة إيقاعه السريع، وحالة التساؤل المستمرة التي سيطرت على أجوائه، والأهم من ذلك اعتماده على طرق حكي سينمائية مغايرة تجمع بين السمت القصصي للحدوتة وبين التجريب السردي، إضافة إلى اهتمام المخرج باسم يسري بالبناء البصري.

16