رجل الكرسيّ

السبت 2014/03/08

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي أتورّطُ فيها، بمشاهدة فيلم انقضم ربعه أو كاد. ذاكرتي لا تتّسع لحفظ أسماء مشاهير جدد، لكن بمستطاعها أن ترسمَ وجوههم بيسر فوق شاشة الدماغ.

ممثلون هامّون ومثلهم ممثلات بديعات، يظهرون الليلة على شريط السهرة، بيد أنني لم أعرف منهم سوى كرستوفر بلومر، وقد نام في ذاكرتي من زمان الأبيض والأسود كما أظنّ أو أتوهّم . تعاطفتُ كثيرا مع بلومر بسبب من أنّ شيخوخته الليلة وأداءه المذهل، كان يشبه شيخوخة وأداء الصعلوك الطيب جان دمّو. هذا الصنف من الشرائط المبهرة، سيعيدني ممتنّاً جدا إلى بطن سينما الخيّام وشارعها القصير، من أعمال بغداد العباسية.

في سرّة الشارع كان لخالي هاشم مطعم يقدم السندويتشات الباردة التي من مشاهيرها، الروست واللسان والمخ والكفتة والبتيتة جاب، ووفق ذاكرتي القوية اللجوج، كان اسم المطعم هو “الهلال” ومن ذلك الموضع المشعّ، عرفْنا نحن أبناء أخته بهيّة الحنينة، فلافل سمير وشربت الفلسطينيّ الطيب أبو منير، وفي الذاكرة أيضا، مناظر مغبّشة مدخّنة من حانة الركن الهادئ، وحكايات مروّعة خلف بسطات السكائر المهرّبة التي من علاماتها الصائحة المدللة، الروثمان والكريفن المسمى بأبي البزّونة، والبزونة كانت سوداء، ولعبة القط والفأر مع شرطة الجمارك غليظي الأجساد والقلوب والأكف، والدخول إلى السينما دون دفع سعر التذكرة، بوساطة سندويتشات خالي الطيبة، والبوّاب الأخرس الذي تبخّر وطار اسمه من جمجمتي الآن. أحببت البطل بلومر الذي كان طوال العرض يكرع كؤوس الويسكي، ويشفط أنفاس السيجار الكوبيّ الطويل، ويبصق على أيامهِ ونهاياتها التي سيصفها وصفا يقصم الفؤاد والظهر، حين يتناوح صحبة بقايا زجاجة ويصيح: يا لها من أيام قذرة سينتهي جسدي معها، بمقبرة مسوّرةٍ بعيون جافّة.

في دار المسنّين التي هي فكرة الفلم وجوهره الموجع النبيل، ثمة نساء فائضات عن حاجة العائلة، وجوههنّ حلوة ورحيمة ومنكسرة، ويشبهن جدا وجه آمال الزهاويّ.

أما السيناريست في الفلم، فهو من النوع الذي يوحي إليك دوما، بأنه سيموت بعد ثانيتين من آخر نظرة حميمة تتركها فوق وجههِ السمين.

ألحقّ هو أنني لم تكن بي رغبة بمرأى أيّ ميّتٍ في هذا الشريط الجميل، الذي ستجدون عنوانه مضيئا ثريّا هذا المكتوب المفجوع بموت بلومر العظيم.

24