رجل سعيد الحظ يسقط أسير العبقرية والنبوغ

المخرج الدنماركي بيل أوغست يصور في فيلم "سعيد الحظ" تراجيديا الإنسان الحائر بين الحب والأنانية.
الأحد 2020/09/06
سمات العبقري القلق والتوتر والعزلة ونبذ الآخر

الكثير من الشباب الطموحين والمندفعين تهزهم انفعاليتهم إلى القطيعة مع العائلة والانسلاخ عنها للبحث عن مستقبل يلبي أحلامهم ورؤاهم لأنفسهم كموهوبين استثنائيين، وإن كان بعضهم موهوبا بالفعل فإن الرحلة أو المغامرة بعيدا قد يفسدها الاندفاع والتمرد الأعمى الذي لا يرضى صاحبه بانحناءة، وهو ما يكسر ظهره في النهاية. لكن تبقى رحلة التمرد مثيرة في تفاصيلها وهذا ما يؤكده فيلم “سعيد الحظ”.

رفض الواقع والتمرّد عليه علامة فارقة في الدراما الفيلمية الأكثر واقعية عندما تقدّم شخصيات ينطبق عليها عامل التمرّد وكذلك نزعة العناد في المواجهة والصبر والإصرار على الوصول إلى الهدف، ولكن يا ترى هل هي تلك مواصفات الإنسان الناجح الذي يسير باتجاه الهدف مهما كانت النتائج؟

ربما ينطبق ذلك على بير وهو الشخصية الرئيسية في فيلم “سعيد الحظ” (الممثل إيسبيت سميد) للمخرج الدنماركي اللامع بيل أوغست، فها هو بير في فضاء فسيح وكأنه إيحاء ببدء عهد الحرية والانطلاق، يبدأ هذا الفيلم بمشهد وسط الطبيعة الممتدة وكأنها لحظة انعتاق غير متوقعة عندما يتلقى بير موافقة من جامعة كوبنهاغن لدخول كلية الهندسة.

مساران متوازيان

بير المتمرد على الأب – القس والعائلة سوف يفصح عن المزيد مما يعتمل في داخله، فها هو الأب يقيم جلسة شعائر دينية مودّعا الابن ومتوسما فيه حُسن السيرة، ولأنه قرر التخلي عن العائلة والسفر بعيدا عن ذلك الريف النائي باتجاه العاصمة كوبنهاغن حيث الأحداث تقع في القرن التاسع عشر.

منذ لحظة المواجهة بين الأب والابن وبينهما الأم المسالمة الصامتة سوف تتجسم أمامنا نزعة بطريركية شديدة الصرامة نشأ عليها بير معلنا أنه يعاني من طفولة مفقودة استلبها منه الأب بشكل ما.

شعورا الهزيمة والذنب يلاحقان بير لينقلب عليهما وعلى كل شيء تاركا وراءه الإرث العائلي ممثلا في الساعة التي أراد الأب إهداءها للابن المتمرد الذي لا يلبث بسبب رفضه وعناده أن يتلقى صفعة على وجهه ما هي إلا امتداد لصفعات الماضي.

الانتقال الحسي والعاطفي والنفسي سوف يتجسم عندما يصل بير إلى المدينة، ويحشر نفسه في غرفة بائسة ثم ينطلق في رحلة الحرية ويطلق لأفكاره العنان.

الدوافع النفسية الانفعالية تشكل علامة فارقة في هذا الفيلم ولربما كانت هي العلامة الفارقة في ما يشبه السيرة الذاتية

ها هو في قاعة الدرس يطرح فكرة عبقرية لا تلبث أصداؤها أن تصل إلى المجتمع الراقي الذي هو غاية بير للخروج من طوق الذل والفقر.

ليس هنالك سوى المجتمع اليهودي المتحد مع بعضه والذي يمتلك رأس المال والقرار، ويتقرّب بير وهو المسيحي سليل العائلة المتدينة الغارقة في الإيمان المسيحي إلى مجتمع يهودي محافظ ومتدين أيضا، ولكن ما الذي يمكن أن يمدّ جسورا بين العالمين المنقطعين عن بعضهما في تلك الحقبة؟

إنه الحب، هو الذي سوف يجرف الممنوعات ويؤسس حقيقة مختلفة، تلك هي ولادة حب نفعي يستجيب لعجرفة بير ونرجسيته وإيمانه الراسخ بأنه موهوب بدرجة استثنائية، وبذلك تصبح عائلة سولومون اليهودية المحافظة هي الحاضنة لذلك الشاب الطموح.

مساران متوازيان، ففي حين تنعم عائلة سولومون بالرفاهية والتقاليد الدينية اليهودية حيث إنها تزوّج بناتها لأفراد من نفس الملة، سيكون ظهور بير في وسط تلك الأسرة متمردا على العلاقات السائدة، إذ تتعلق به الفتاة ناني (الممثلة جولي كريستيانسين) وهي الموسيقية المرهفة والإنسانة المرحة، لكنه سوف يحبطها ويحطم مشاعرها عندما تكتشف أنه مغرم بأختها جاكوبي (الممثلة كاترين روزينثال).

يتصيد بير فرصة الانقضاض على أهدافه دفعة واحدة في جموح جنوني يريد حرق المراحل سريعا، وها هو محمّل بمخططاته العبقرية التي تدعو الأثرياء للاستثمار فيها من خلال توليد طاقة الرياح كبديل دائم عن الفحم الآيل إلى الزوال.

يدخل بير في عمق مجتمع النخبة، أساتذة الهندسة، أصحاب المال والاستثمارات الضخمة من أصحاب البنوك وكل ذلك في إطار الالتحام العائلي اليهودي مع عائلة سولومون التي سوف تكون جسرا لبير للنفاذ بمشاريعه لكي ترى النور.

على الجهة الأخرى يحاصر بير الفتاة المرهفة جاكوبي حتى يوقعها في غرامه وتترك زيجة عائلية غير مكتملة لتعيش غراما مع بير.

يقول لها، “لقد كانت كلماتك غنية ولم أكن أفكّر بهذه الطريقة، ولا يمكنني إنكار شعوري بأنني أدنى منزلة. لست معتادا على عادات عائلتك المنفتحة والحرة، طريقة انشغالكم بما يجري في العالم من أحداث كشيء يمكن التعلم منه، هذا مختلف عن عائلتي، فنحن نبدأ يومنا وننهيه بتفادي العالم وغناء الترانيم والصلاة”.

شخصية قلقة

أجواء حوارية درامية شعرية لا تريد أن تنتهي
أجواء حوارية درامية شعرية لا تريد أن تنتهي

تحتشد في هذا الفيلم المسارات الدرامية والسردية يدعمها أسلوب مفاجئ في المونتاج فهو ينتقل إلى الأحداث ليس في بداياتها بل وهي تتحرك بقوة نحو أهدافها، وقد جاء ذلك متناسبا مع طبيعة شخصية بير وتحولاتها.

يتحول بير إلى أيقونة وعلامة يعرفها جيدا مجتمع العاصمة وطبقة الأثرياء وتسلّم عائلة سولومون بوجود بير وتغلغله في داخلها في وقت يتجاهل فيه توسّلات قادمة له من والديه أن يأتي لزيارتهما، ثم إن والده يدخل مرحلة الاحتضار حزنا، لكن ذلك لن يحرك في نفس بير شعرة من العاطفة، حتى موت الأب المفاجئ الذي ترك ألما قاسيا في نفس الوقت الذي كان فيه متألما من ذلك الفقدان.

تشكل الدوافع النفسية الانفعالية علامة فارقة في هذا الفيلم ولربما كانت هي العلامة الفارقة في ما يشبه السيرة الذاتية للشخصية المأخوذة عن رواية لهينري بونتوبيدان، ولهذا يتجذر فيها كل هذا القلق والتوتر والعزلة ونبذ الآخر والكثير من التداعيات النفسية القاسية، حيث الآلام المتفاقمة، ولسوف نمضي إلى عوامل صراع جاكوبي مع مجتمعها اليهودي المحافظ الذي لن يقبل إلا بصعوبة بالغة فكرة زواج جاكوبي من بير. الضجر والشعور بالعجز والتمرد، كلها تتراكم وتدفع بير إلى التصادم مع جميع الجهات فها هو يعيش احتضار أبيه وموته، ثم مرض والدته، لكن ذلك لن يحرك مشاعره، وتتجلى خلال ذلك شخصيته اللامبالية وغرقه في الترويج لمشاريعه العبقرية التي تدفعه إلى التصادم مع رئيس نقابة المهندسين ذي النفوذ الواسع في الوسط الحكومي وهو الذي سوف يجلب له الويلات من بعد ذلك.

ها هو بير يعود إلى قريته ويلتقي القس صديق والده وتكون قصته مع الفتاة اليهودية وتصاهره مع أسرتها قد وصلت إلى هنالك بفضل الصحافة والشائعات، ولكنه وهو المتنمر الساخط يشعر بالانجذاب نحو ابنة القس، ولا يلبث أن يطلبها للزواج ليحطم علاقته بجاكوبي.

يقدم الفيلم هنا لمحة مهمة عن التركيبة الاجتماعية والتلاحم العرقي؛ فبصعوبة بالغة تم قبول بير المسيحي في وسط مجتمع يهودي، وبالتالي قبول المستثمرين اليهود بمشروع بير الطموح، ولكن عليه الاعتذار لنقيب المهندسين، وذلك وسط اجتماع مهمّ ومصيري، لكن بير لن يفعل.

تحتشد في الفيلم المسارات الدرامية والسردية بأسلوب مفاجئ في المونتاج ينتقل إلى الأحداث وهي تتحرك
تحتشد في الفيلم المسارات الدرامية والسردية بأسلوب مفاجئ في المونتاج ينتقل إلى الأحداث وهي تتحرك

يستخفّ بذلك الشخص العجوز ولم يكن يدور في خلده وليس في حسبانه أنهم سوف يخرجون ويتنصلون من الصفقة معتبرين رسوماته نوعا من الهراء، وهو لا يزال يظن أنه اسم عظيم وأن أولئك الصرافين ورجال البنوك سوف يستقبلونه فرادى، لكنهم في الواقع سوف يطردونه فرادى.

وفي وسط العاصفة تحاول جاكوبي أن تلملم شظايا الحبيب المتمرد قائلة، “لم أفهم بعد شخصيتك، ولكن نبلك يكمن في التناقض الذي نما بداخلك من ضيق الأفق والمعتقدات الخرافية، وهذا ما يفسر ضعفك وفي الوقت نفسه قوتك الهائلة. ازدراؤك وقوتك العنيدة بسبب فهمي البطيء لشخصيتك ولماضيك”.

العودة إلى الجذور هي عودة إلى ماض لطالما هشم أحلام بير لكن حبا قد يولد هنا، يصرخ بير ويبكي حزنا على والديه شاعرا بالذنب بسبب العداء لهما أو عدم طلب السماح والرضا.

يظهر بير صحبة أنغر (الممثلة سارا كريستيانسين) وقد قرر فورا الاقتران بها، ليهشم أحلام جاكوبي وينهي مستقبله المهني بشكل كامل.

في كل ذلك نحن نعيش أجواء حوارية – درامية – شعرية لا تريد أن تنتهي، وتمتلك غزارة تعبيرية بسبب عمق ارتباطها مع الواقع وتجذير الصلة مع العديد من الشخصيات المأزومة، يضاف إلى ذلك أن هذا الفيلم قد رسم علاقة فريدة مع المكان، فالشخصيات شديدة الانجذاب للمكان سواء لجهة جاكوبي، ما بين المنزل الفاره والسيناغوغ، ومن جهة أخرى بير الذي كلما انتزع نفسه من تلك البيئة الفلاحية والسهوب المفتوحة عاد إليها متأملا حائرا وهو لا يزال يصنع مخططات أحلامه التي لم يستثمر فيها بعد.

براعة المخرج

يشكل هذا الفيلم علامة فارقة في مسار وتجربة المخرج اللامع بيل أوغست (مواليد 1948) الذي يمكن اعتباره مدرسة سينمائية في حد ذاته وهو الذي بدأ حياته السينمائية بفيلم في حياتي (1978) وهذا الفيلم هو فيلمه الأخير الذي يحمل الرقم 20 من بين أفلامه وأكثرها نضجا وهو يذكرنا بالطبع بالفيلم ذائع الصيت القطار الأخير إلى لشبونة وإجمالا ينشغل أوغست كثيرا بإحباطات وتداعيات وأحلام الذات الإنسانية فضلا عن إضاءة أشدّ المناطق عتمة من خلال الإحباطات والأحزان والخبرات السابقة.

وإذا مضينا في تلك الدراما إلى نهاياتها فلسوف نجد جاكوبي قد رفضت فكرة الزواج بعد فشل علاقتها مع بير، وتفرغت لرعاية الأطفال اليتامى والمشردين من خلال مأوى لهم، وأما بير فقد عاد سيرته الأولى تاركا أسرته، منصرفا لنفسه في كوخ معزول تعصف به الريح، وقد اكتهل وضربه مرض السرطان عندما تزوره جاكوبي، وكأنه ذلك الحلم الذي جمعهما مرة أخرى.

لا شك أن براعة المخرج تتنوع في هذا الفيلم فاختيار الشخصيات الأكثر تعبيرا والأكثر درامية ومثابرة في الأداء كان علامة فارقة، وهذا أول ما يلفت النظر، ثم يكمّل ذلك الصراع الذاتي والموضوعي بين الفرد وقناعاته من جهة والمجتمع من جهة أخرى. والأحداث تدفع المشاهد إلى التفاعل الجدي مع الشخصيات وملامسة أحاسيسها.

يردد بير في اللقاء الأخير مخاطبا جاكوبي قبل أن يغفو للمرة الأخيرة:

“إني أشعر أحيانا أنني مثل قزم التلال الذي يخرج من حفرته لكي يكون مع البشر، فيكتشف أن الضوء كان ساطعا جدا، وكانت أشعة الشمس ساطعة جدا، لذا يعود إلى الحفرة وينكمش مرتعدا من الخوف. هنالك أشخاص ينجذبون إلى سوء الحظ فلا يجدون أنفسهم إلا في اليأس والوحدة”.

15