رجل على عجل

السبت 2017/12/09

تتملكنا أحيانا رغبة قوية في الفرار والانطلاق بعيدا عن مكان تواجدنا، في محاولة لاستنشاق الهواء النقي والتحرر من سجن داخلي نراه لوحدنا ولا يراه غيرنا، سجن الذات؛ حيث تخذلنا أجسادنا في لحظات غريبة، تتداعى فيها مقاومتنا، وتنهار مثل بناية قديمة من دون سابق إنذار.

كل الأشياء من حولنا تضطرب، تتنافر، فتتلبسنا حالة من الهلع المفاجئ وصوت داخلي يخبرنا بأننا في طريقنا إلى الموت أو أن شيئا سيئا سيحدث. يحدث هذا، حين نفقد إحساسنا بالواقع، وتتشوش رؤيتنا، تتسارع نبضات قلبنا، فيباغتنا ألم لا يطاق في الصدر وكأن صخرة تسحقه أو أن جبلا يجثم عليه.

هذه هي أعراض نوبة الهلع، بحسب وصف متخصصين، وهي تشبه كثيرا أعراض النوبة القلبية، لكنها ليست كذلك. كل ما هنالك، أن مسؤولياتنا وتسارع إيقاع حياتنا اليومية قد لا يتركان لنا مجالا للتوقف في محطات استراحة قصيرة نلتقط فيها أنفاسنا، لهذا نبقى في سباق دائم مع الزمن؛ نبكي فنؤجل بعض الدموع إلى يوم آخر ونضحك ضحكات مبتسرة كي لا نضيع لحظة عمل، ثم نحاول من دون جدوى فرش ثوب أحلامنا وتطلعاتنا الكبيرة على مساحة أعمارنا الضيقة.

غالبا ما تتخفى أسباب معقدة وراء حالات الهلع هذه، فإذا استبعدنا الحالات المرضية، فإن اضطرابات ما بعد الصدمة؛ القلق والاكتئاب، إضافة إلى التدخين والإجهاد النفسي وربما خسارة شخصية كبيرة، هي من أبرز هذه الأسباب، وقد لا يجد الأطباء في هذه الحالة ما يستدعي القلق إذ أن علاج المسببات يمكن أن يخفف هذا الشعور، في حين يبقى الاحتمال قائما في حالة تفاقمها وإهمالها إلى إقدام صاحبها على الانتحار، خاصة إذا تضاعف الإجهاد النفسي وتفشت حالة الاكتئاب.

مضت سنوات طويلة على إنتاج فيلم للنجم الفرنسي المحبوب آلان ديلون، الفيلم قديم كان يحمل عنوان “رجل على عجل”، إنتاج العام 1977، وهو مشتق عن رواية بالاسم ذاته للكاتب الفرنسي بول موران.

يحكي الفيلم قصة صعود لرجل أعمال؛ خبير أنتيكات باريسي، قضى حياته في الركض لتحصيل النجاح بأي طريقة فلم يترك لنفسه لحظة استرخاء واحدة. كان ينام ويصحو على عجل، يأكل ويشرب على عجل، يرتدي ملابسه على عجل، كلامه، ضحكاته، بكاؤه وحتى مشاعره كانت متعجلة، وكأن شيئا مخيفا يطارده طوال الوقت، شيء أشبه بالكابوس، حياته أمست كابوسا مستمرا من دون توقف، حتى امتدت الخسارة إلى حياته الأسرية، وعلاقاته الاجتماعية.

وفي خضم سباقه المحموم مع الزمن، فشل الرجل في تقييم تلك اللحظات المبهرة في حياته، التي تعادل قيمتها أي نجاح قد يحققه في صراعه المحموم لتحقيق هدف ما، ثم ما يليه من هدف آخر وآخر وكأنه يدور في حلقة مفرغة. لكنه يكتشف في النهاية، متأخرا طبعا، بأنه إنما كان متعجلا أكثر من اللازم فقط ليصل سريعا إلى الموت.

في المشهد الأخير، وقف مساعده على الطرف الآخر من الهاتف يتواصل معه من قاعة المزادات التي كان يتطلع من خلالها إلى الاستيلاء على صفقة طالما أرقته، وكان يتواصل مع الطرف الآخر لحظة بلحظة فصار قلبه ينبض متعجلا كعادته مع اقتراب ضربة المطرقة في المزاد، وحين أخبره مساعده بأن الأمور حسمت لصالحه، شعر بأنه وصل إلى نهاية مبتغاه وآن له أن يأخذ قسطا من الراحة بعد رحلته الطويلة المتعجلة، لكن قلبه توقف فجأة، فكان موته هو الآخر على عجل.

يا ترى، هل كان يواجه نوبات هلع مستمرة طوال الوقت، أم نوبات قلبية زائفة؟ في الأغلب، تكاثرت الأحداث المتعجلة على قلبه، والقلب سرّ صاحبه فإذا تداعى تداعت معه حياته.

كاتبة عراقية

21