"رجل محظوظ": من الأدب إلى السينما

الفيلم يعتبر عودة قوية متميزة من جانب المخرج الدنماركي بليلي أوغست، إلى البيئة الدنماركية وإلى دراماته الأثيرة إلى نفسه.
الأحد 2019/07/28
حفلات الأسرة اليهودية تميزت بالبذخ

لا تكف السينما عن البحث بين ثنايا الأدب، للعثور على مادة أدبية تصلح لتقديمها في الأفلام. والعلاقة بين عالمي السينما والأدب، كانت دائما علاقة إثراء متبادل، فالأدب يثري فن الفيلم، والسينما توسع من مجال الأدب. وأحدث “الأفلام الأدبية”- إن جاز التعبير- الفيلم الدنماركي “رجل محظوظ” المقتبس من رواية دنماركية ذائعة الصيت للكاتب هنريك بونتوبيدان الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1917.

قارن الكاتب المجري المرموق جورج لوكاتش إنجاز بونتوبيدان الأدبي بما أنجزه فلوبير، وقال عنه توماس مان إنه روائي يمتلئ بالحيوية، يتفحص حياتنا ومجتمعاتنا بدقة بما يجعله يقف في أرقى صفوف الكتاب الأوروبيين، ووصفه البعض أيضا بأنه “تولستوي الدنماركي”.

أما رواية “رجل محظوظ” Lykke-Per (ترجمت إلى الإنكليزية عام 2010 تحت اسم “Lucky Per”) فقد كتبها بونتوبيدان بين 1898 و1904، وصدرت عام 1905 في نحو 900 صفحة. واعتبرها النقاد وصفا واقعيا لما كانت تشهده الدنمارك في أواخر القرن التاسع عشر من تطلع نحو نهضة صناعية وثقافية، وبروز صراع الأفكار والرغبة في التمرد على القديم والبحث عن آفاق أكثر تحررا.

ويُجمع كثير من نقاد الأدب على أن في الرواية أيضا بعضا من ملامح “السيرة الذاتية” لمؤلفها الذي عرف بتقلباته الفكرية بين اليمين واليسار، وبين الدين والتشكك، وبين التمرد الاجتماعي وانتقاد معالم الحداثة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. ولعل روايته والفيلم المقتبس عنها، يعبران كأفضل ما يكون عن هذه التقلبات ولكن في سياق درامي مثير ومن خلال شكل ملحمي تغلب عليه “التيمة” الرومانسية الحزينة.

من جهة أخرى يبدو بوضوح أن هناك نوعا من التماثل بين مؤلف الرواية بونتوبيدان وبطل روايته، فكلاهما كان ابنا لقس لوثري متزمت، وطالب درس الهندسة لفترة لكنه لم يكمل الدراسة، ولكن بينما آثر المؤلف الاشتغال بالصحافة والأدب، اتجه بطله للتعلم الحر من خلال التجربة والعمل.

أخرج الفيلم المخرج الدنماركي الكبير بيللي أوغست (70 سنة) الذي ذاع صيته في العالم عام 1987 بعد حصوله على “السعفة الذهبية” في مهرجان كان عن فيلمه البديع “بيللي الغازي” الذي مضى أيضا ليحصل على أوسكار أفضل فيلم أجنبي، ثم عاد مخرجه ليحصد “السعفة الذهبية” للمرة الثانية عام 1992 عن فيلم “أفضل النوايا” الذي أخرجه عن سيناريو للعبقري السويدي انغمار برجمان.

“رجل محظوظ” تعبير يقال في الفيلم على سبيل التهكم والسخرية، ففيه إشارة سلبية إلى المصير السيء الذي ينتظر ذلك “المحظوظ” الذي يمكن أن ينتهي إلى الخسران.. وهي نبوءة تتردد في الفيلم على لسان شخصية رجل يهودي يتعرف عليه البطل الشاب، هذا الرجل الثري الذي ينتمي لعائلة يهودية من كبار الرأسماليين، مهمته تنحصر في البحث عن واكتشاف العبقريات الجديدة الشابة التي يمكن التقاط ابتكاراتها وأفكارها الطموحة المتعلقة بالاختراعات لتأسيس مشاريع مربحة عليها. وعندما يلتقي هذا الرجل بطل الفيلم الشاب اللامع بيتر سيدنيوس (الذي يطلق على نفسه بير) يتحمس له حماسا شديدا ويقدمه إلى أسرته اليهودية الثرية، ولكن من أين أتى بير؟

تأثير النشأة

مظاهر الثراء تتناقض مع معالم الفقر
مظاهر الثراء تتناقض مع معالم الفقر

نشأ بير في كنف أسرة فقيرة، لأب هو قس لوثري متزمت في منطقة جوتلاند الواقعة غربي الدنمارك، لكنه أبدى منذ طفولته نزوعا للتمرد على تعاليم والده والخروج عن تقاليد العائلة، ورفضه للتعليم الديني، وعندما يبلغ سن الشباب يقرر الذهاب إلى العاصمة كوبنهاغن لدراسة الهندسة، في مخالفة واضحة لرغبة والده الذي أراده أن يلتحق بإرث العائلة وأن يدرس اللاهوت المسيحي، لكن بير الذي يتشدد ويغالي كثيرا في رفض ماضيه ورفض التصالح مع عائلته حتى عندما يرقد والده على فراش الموت، يظل دائما يعاني من عدم القدرة على التصالح مع نفسه، ومن هيمنة أشباح الماضي: الاجتماعي والثقافي، مما يدفعه إلى مزيد من المغالاة في عنفه وحدته ويصطدم دائما مع الآخرين، يتقلب في عواطفه، يغلق عقله وقلبه عن الإحساس الفطري بالصدق والجمال والطهارة والحب، لكي يستغرق في إثبات قدرته على التفوق ولو حتى من خلال قهر كل من يقع في غرامه.

إنه يحلم بأن يلتحق بالعالم الجديد، وأن يحول بلده إلى جنة صناعية من خلال مشروعه الهندسي الطموح الذي يرمي إلى تسخير الطاقة الطبيعية (متمثلة في الرياح والمياه) لتوليد الكهرباء وإنشاء الصناعات في ربوع البلاد، لكن هذا المشروع يقتضي توفر المال. ولكن بير لا يملك مالا. وعندما يلتقي بفتاة تعمل ساقية في أحد المطاعم، يقيم علاقة معها بهدف العثور على مكان يأويه ثم يطلب منها إقراضه بعض المال الذي يكفل له التردد على مطعم من تلك التي يتردد عليها علية القوم وبالأخص ذلك اليهودي الباحث عن الأفكار “العبقرية”.

يتحمس له الرجل ولمشروعه ويقدمه إلى عائلته. ويجذب بير بوسامته وذكائه أنظار “ناني” الفتاة الصغرى في عائلة “سالومون” اليهودية فتقع في غرامه، لكنه يحول اهتمامه سريعا إلى شقيقتها الكبرى “ياكوب” بعد أن يعلم أنها سترث القسم الأكبر من ثروة أبيها. وبدافع مزيج من الحب والشهوة والتطلع للانسلاخ من حياة الفقر وتحقيق مشروعه الكبير، تتطور علاقته مع ياكوب، لكن ياكوب تختلف عنه تماما، ليس فقط في أصولها الأرستقراطية، بل وفي ثقافتها وأفكارها التقدمية ورغبتها في القيام بدور فعال في المجتمع.

التزمت والمعاناة

يصطدم بير بالعقيد المهندس الذي يتعين الحصول على موافقته على المشروع حتى يحصل على تصريح من الحكومة بل يوجه إهانات بالغة للرجل، ويتعطل المشروع، وتنسحب المجموعة المالية والصناعية التي حشدها سالومون الكبير رب العائلة اليهودية من أجل تنفيذ المشروع. وبموجب تزكية من سالومون يغادر بير الدنمارك إلى فيينا لمواصلة التعلم وتطوير مشروعه تحت إشراف بروفيسور يتعاون معه ويؤمن بموهبته، لكنه يكون قد ترك خلفه “ياكوب” التي أصبحت مخطوبة له رسميا بعد أن تخلت لأجله عن خطيبها اليهودي الثري.

وعندما يعود إلى الدنمارك تكون مشاعره قد بردت تجاه ياكوب، فهو دائما يفضل الهرب إلى الأمام في اللحظة الحاسمة. فالفرق الطبقي يعذبه، وتربيته المسيحية تتناقض مع الديانة اليهودية. وهناك دائما ما يذكره بأصوله ويرده إليها. ورغم كل ما يفعله للتخلص من ماضيه إلا أنه لا يتمكن، فيقع في التناقضات ويعود إلى جوتلاند بعد وفاة والده لكي يتعرف هناك بابنة القس القروية البسيطة ويتزوجها وينجب منها، ولكن هل سيوفر له الزواج والعائلة الأمان الذي ينشده؟

الفيلم يقول إن طغيان الأصل، والتمزق النفسي ما بين الإيمان والإلحاد، والحداثة والتقليد، القديم والجديد، والعائلة أي الجماعة والفرد، تؤدي بصاحبها في النهاية إلى العزلة عن العالم.

حيرة وعذاب القلب الوحيد
حيرة وعذاب القلب الوحيد

الفيلم مصنوع بنفس ملحمي. التصوير في الريف والعاصمة كوبنهاغن رائع في العناية بالصورة (تصوير ديرك برويل): استخدام الضباب والضوء، والألوان، والطبيعة، الانتقال بين الداخل والخارج، والعناية الخاصة بكل مكونات الصورة: الديكورات والأماكن الطبيعية، الصور واللوحات والأزياء وحركة الكاميرا البطيئة الرصينة، مع تنويع أحجام اللقطات والانتقال بين اللقطات في الوقت المناسب. ويسير سياق السرد في اتجاه واحد دون تعرجات أو تداعيات، حفاظا على الأسلوب “الطبيعي” للفيلم.

في مناظر الريف الأولى في منزل عائلة بير تسود الألوان الداكنة والإضاءة الخافتة واللقطات القريبة “الكبيرة” للوجوه لإضفاء الجو الكابوسي الخانق لتحقيق الأثر الدرامي المطلوب. وتتميز مشاهد الحفلات الباذخة التي تقيمها العائلة اليهودية، بالألوان البهيجة الزاهية، واللقطات العامة البعيدة من زوايا واسعة، وبحركة الكاميرا التي تتسلل وتجوس بين الشخصيات.

يتضمن الفيلم مقارنة بين العائلتين المسيحية واليهودية، فعلى النقيض من العائلة المسيحية المتزمتة، تبدو العائلة اليهودية أكثر تقبلا وترحيبا بالجديد عموما، ولا تمانع رغم التقاليد واختلاف الديانتين، من تزويج ابنتها لشاب مسيحي، كما ترتبط العائلة اليهودية بالأفكار الاجتماعية التقدمية، وبدور واضح في تحديث المجتمع الدنماركي والرغبة في نقله إلى عصر الصناعة، ويصور الفيلم لمحات من التعصب ضد اليهود، ومظاهر الرفض لهم إيذانا بظهور الفاشية بعد سنوات في أوروبا.

عن الأداء

ينجح بيللي أوغست في اختيار مجموعة الممثلين وإدارتهم والحصول منهم على أعلى درجات التعبير الدرامي. ويبرز من بينهم بشكل خاص، بطل الفيلم والممثل الأول “إبسن سميد” (في دور بيتر سدينيوس أو بير) الذي تتمثل مشكلته الأساسية في عجزه عن مغادرة ذاته المشروخة بل إنه يعبر في أحد مشاهد الفيلم عن هذا العجز عندما يقول “كلما بحثت عن الرب لا أجد في النهاية سوى نفسي”.

وينجح الممثل في الانتقال ببراعة بين المشاعر الجامحة المختلفة التي تضفي على الفيلم جماله ورونقه: الحب والخيانة، الطموح والفشل، الإحساس الدائم بالهوان الداخلي وهو شعور يخفيه باجتذابه كل فتاة جميلة يقابلها ثم يتخلى عنها، والتمسك المرضي بالاعتزاز بالنفس والغرور الذي يحرم صاحبه من فضيلة الاعتذار ليظل يخسر باستمرار، ثم الشعور بالذنب في النهاية تجاه العائلة والأهل والذين خذلهم دائما، ولكن عندما يذهب لطلب الصفح، يكون الوقت قد فات.

أمام إبسن سميد تقف ممثلة من طراز فريد غير معروفة كثيرا خارج الدنمارك هي كاترين غريس روزنثال في دور “ياكوب”.. المرأة التي تترك المجال لعاطفتها، تعيش لحظات السعادة والشقاء دون أن تفقد إنسانيتها ورغبتها في الانفتاح على العالم، واهتمامها الكبير بمصائر البؤساء من حولها، ورغم كل ما جرى لها يمكنها أن تسامح وتغفر وتتجاوز وتذهب في نهاية المطاف لرؤية بير في مرضه الأخير. تجيد هذه الممثلة التعبير بعينيها الحزينتين المدهشتين وحركة جسدها النحيل الممشوق وهي تسير في شموخ كأنها إحدى أميرات العصور الوسطى دون استعلاء، ولكن بينما لا يتمكن بير من مغادرة ذاته، تهجر هي ذاتها لتندمج مع الآخرين الذين في حاجة إليها.

كتب بيللي أوغست سيناريو الفيلم ثم استعان بابنه أنديرس أوغست، المعروف في الدنمارك بأنه من أفضل كتاب الدراما التلفزيونية بعدما قررت شركة الإنتاج تحويل الفيلم إلى مسلسل تلفزيوني قصير من 4 حلقات. والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن الفيلم سابق على المسلسل، ورغم ذلك يعاني الفيلم من بعض الإطالة والهبوط في الإيقاع (يصل زمن العرض إلى نحو ثلاث ساعات) كما يعاني الفيلم من بعض التفاصيل المفاجئة وغموض مصير بعض الشخصيات الثانوية مثل فتاة المطعم التي ارتبط بها بير في البداية، والتي تختفي من الفيلم تماما بعد ظهورها الأولي.

وعلى الرغم من ذلك لا شك أن الفيلم عودة قوية متميزة من جانب بيللي أوغست، إلى البيئة الدنماركية وإلى دراماته الأثيرة إلى نفسه. ولا شك أنه عمل يستحق المشاهدة.

15