رجل مسن يحاول أن يتذكر الهامشي من حياته وامرأة هي الجميع

مسرحية "هوامش على شريط الذاكرة" تضع أنور الشعافي على خطى ميلان كونديرا يواجه العدم بالسخرية.
الثلاثاء 2019/02/19
ما يبدو هامشا ليس كذلك

هل هو قدر الإنسان أن يمضي رغما عنه إلى فقدان القيمة والمعنى؟ سؤال ربما يثير الكثير من التساؤلات الأخرى حول واقع هذا الكائن البشري الذي يتقهقر يوما بعد آخر في عالم يعاني هامشه، فيما يبدو مركزه معافى ومثاليا، هذا هو ناس هامشيون من عالم ثالث وناس من عالم متقدم في المركز كبشر لهم أحقية القيم، لكن حتى هذه الصورة لا معنى لها، حيث فقدان المعنى سيمس الجميع في النهاية.

قدم  مساء الأحد على خشبة مسرح الفن الرابع بالعاصمة تونس العرض الأول لمسرحية “هوامش على شريط الذاكرة” نص رضا بوقديدة مقتبس عن “الشريط الأخير” لصامويل بيكيت، وإخراج أنور الشعافي، تمثيل رضا بوقديدة ومنى التلمودي.

رجل مسن يجلس على كرسي متحرك إلى طاولة مكدسة عليها أشرطة فيديو، كان قد سجل فيها بعض الأحداث المختلفة، نرى أنه يحاول ترتيبها، رغم ذاكرته المتذبذبة، وتساعده في ذلك امرأة، وهو يستعرض بعضا منها مستذكرا ما سجله فيها من أحداث، أحداث واقعية من مباراة المنتخب التونسي عام 1978 في كأس العالم بالمكسيك وسقوط جدار برلين وأحداث 11 سبتمبر، إلى محادثة للسياسي الذي اغتاله الإرهاب في 6 فبراير 2013 شكري بلعيد، إلى فيديو له هو نفسه.

الهامش هو الأصل

رجل مسن وامرأة متعددة، متعددة الأسماء والأشكال والوظائف، من بائعة الهوى إلى عاملة التنظيف إلى الممرضة إلى الممثلة، هذان هما شخصيات العرض، الذي لو كان لنا أن نختصره سنقول فعلا إنه لقطات من ذاكرة ممثل، ولكن هذه اللقطات لم تذهب إلى الأحداث الكبيرة، وحتى مثلا حدث سقوط جدار برلين، تناول الرجل وهو يتحدث عنه أشياء هامشية جدا، مثل التجاء أحد الشرطيين من ألمانيا الشرقية إلى بيع قطع الجدار المنهار، وهو الذي كان رمزا لانهيار المعسكر الاشتراكي.

حتى وهو يتذكر مشهد شكري بالعيد في شارع الحبيب بورقيبة، فإنه لم يركز على شخصه أو ما يقوله، بل على الشخص الواقف خلفه، معتبرا أنه نفس الشرطي من ألمانيا الشرقية.

الأمر يبدو مقطّعا، أن يستعرض الرجل أشرطة فيديو وكاسات، ويركلها، فيما هو يواجه أمراضا مختلفة تسير به إلى النهاية، إنها فعلا هوامش على أشرطة لا تقدر على اختزال الذاكرة، هوامش رجل يذكر بصعوبة ما فات، وأحداث مرت بنا لكننا لم نر الجوانب المهملة منها.

في العرض هناك لعب متقن على الإسقاط الضوئي، وعرض الفيديو، الذي يتداخل بشكل متقن مع ما يحصل في الركح

تقاطعت المسرحية مع النص الأصلي الذي يسرد حكاية مسرحي يسجل الأحداث على أشرطة ممغنطة ليتذكرها، لكنها خرجت به إلى مناطق أخرى، مناطق الهامش الذي يواجه العدم، فالرجل المسن يلازم الكرسي حينا ويتركه حينا آخر، يصعد الطاولة أو يرقص أو يمارس الجنس مع بائعة الهوى، هكذا تكون مواجهته لعدمه وعزلته المطلقة عن العالم الخارجي إلا من هاتفه.

قد تبدو فكرة مواجهة العدم من الثقل بحيث تستفز لها العقول والأجساد، لكنها على عكس ما يظن الكثيرون تبدأ من الهوامش التي لا نوليها أهمية مطلقا، الهوامش التي تتحد لتصنع الأحداث أو الأفكار التي نعتقد بكبرها، فقط لأن العين أو الكاميرا أو الوعي قد ركز عليها دون سواها، فأهمل ركائزها وكنهها الكامن في الهامش.

لا بطل ولا بطلة، لا حكاية تتعقد أو تهدأ، العرض خال من النزعة الدرامية التقليدية، إنه مجموعة هوامش مجمّعة، لا تهدف إلى شيء غير ذاتها، حتى أن الذاكرة لا تعطى تلك الأهمية الكبرى، بل هي منطقة مشوشة.

إنسان تافه

البحث في ذاكرة مشوشة
البحث في ذاكرة مشوشة

لا أدري لماذا تذكرني مسرحية “هوامش على شريط الذاكرة” برواية ميلان كونديرا الأخيرة “حفلة التفاهة” وبطلها آلان، الذي يواجه النهاية بدوره وهو المصاب بالسرطان، لكن كيف يواجهها؟ ذاك هو المثير في الحكاية، إنه يواجهها بغريزته الجنسية النشيطة وبأفكار شوبنهاور عن العدم، والأهم من كل ذلك بأمور هامشية جدا كمتابعة فراشة أو صب كأس في حفلة أو إبداء رأي مشوش أو نقد التاريخ من خلال استحضار هوامشه الأكثر غرابة، أمور تبدو غاية في التفاهة هي تلك الهوامش، التي نمر منها متناسين أنها هي الأصل، مغفلين قيمة استحضارها لإعادة قراءة تاريخنا ومساراتنا، ففقط من خلالها يمكننا أن نسخر من تواريخنا، تواريخنا التي نظن أنها الحقيقة الإطلاقية فيما هي مزيفة بشكل مخجل، لأنها تسقط الهوامش التي كانت خلفها.

هكذا كان رضا بوقديدة الممثل الذي يتذكر الأمور التافهة، يسوقها لا في شكل رأي محكم، بل كفلاشات، من خلالها لا يواجه عدمه هو فحسب، بل يعطي لمحة عن ضرورة الاعتناء بالهامش والمهمشين، في سخرية مرّة من الزمن والأحداث ومن الذاكرة، سخرية تعيد إلينا الرغبة في النظر إلى أحداث أخرى، بطريقة المسن المتذكر، كأن نتذكر مثلا ماذا كنا نأكل حين وقوع أحداث الـ11 من سبتمبر 2001، تلك الأحداث التي حدثت بالفعل ومن زمن حدوثها وقع اللعب عليها لتغيير وجه العالم، وهو ما حصل بالفعل. أو لماذا لا نفكر في الرجل الذي يمسك حجرين من جدار برلين أعطى أحدهما للممثل على الركح والآخر باعه.

في العرض هناك لعب متقن على الإسقاط الضوئي، وعرض الفيديو، الذي يتداخل بشكل متقن مع ما يحصل في الركح، فعندما يدخل الممثل أو الممثلة خلف شاشة العرض من جهة ويخرجان من أخرى، يتداخلان بين هما المصوران والمعروضان من الفيديو وهما الحقيقيان على الركح، لعبة أضافت للعرض.

وتنتهي الأحداث متداخلة، بخروج الممثل المسن من الركح، فيما تتابعه الكاميرا إلى الشارع إلى أن اختفى بعيدا، وظلت الممثلة منى باسمها تبث شريط فيديو مباشرا حول انتهائها من تقديم عرض، وتسرد أشياء تافهة من حالة الشفاه الطبيعية إلى الشعر وغيره، في دلالة كبرى على فقدان القيمة التي لا يعانيها المسرح والمسرحي فحسب بل الإنسان بشكل عام.

Thumbnail
14