رجل مصاب بالحب يهرب من الواقع إلى الخيال

عالم الكاتب علاء الديب الروائي فريد، تتجلّى فيه الخصوصية بكافة أشكالها لتصنع الفرادة، فرادة في عالم ينشد الحياة رغم الضجر إلى حدِّ الإحباط، عالم تحضر فيه الشخصيات الوحيدة والمـُحبطة والواقفة على حافة المنحدر، عالم مُعشَّق بجمال الطبيعة في مقابل خشونة وقسوة الحياة السياسية، وتتجلى هذه العوالم جميعها في رواية “أيام وردية”.
السبت 2017/04/08
هزيمة الحب ندبة لا تمحى (لوحة للفنان أنس سلامة)

تأخذ رواية علاء الديب الأخيرة “أيام وردية” عنوانها من وصف الأيام التي قضاها البطل أمين الألفي المثقف العروبي المكتوي بنكسة يونيو، وما تلاها من هزائم، في المصحة التي انتقل إليها بعد هجوم مباغت عليه بنيران رشاش زوجته شادن مدرّسة اللغة الإنكليزية بعد التغيرات التي طرأت عليها بتأثير تيارات المدّ الدينيّ. وفي مصحة للأمراض العصبية والنفسية يشعر بالراحة، وبأنه ليس معزولاً عن العالم، بل هذا هو العالم الحقيقي أما الآخر فقد “كان كابوسًا وانقشع”.

مهزوم الحرب والحب

كانت الأيام الوردية فرصة لأن يهرب أمين الألفي من واقعه القميء، وكأنها أشبه باستراحة محارب، عاد فيها إلى أيام طفولته بسهولة وصباه وشبابه المُبكر، يذهب إلى هناك ويعود، ويفرحه هذا التنقُّل الحرّ في الزمن. وفيها اكتشف زهرته الصفراء عفاف الفلسطينية. وإن كانت الأيام الأخيرة في المصحّة لم تكن وردية، فلم يعد قادرًا حتى على العيش في الخيال بعيدًا عن الواقع.

أدرك أمين الألفي بعد أن خرج من مصحة نابلس أن شادن حصلت على الطلاق، فيما هو “دخل المصحة حانقًا وخرج بليدًا”، وهنا كان القرار الصَّائب بأن يستريح تمامًا، لذا فكّر في أن يعود إلى القرية “حمصاية بحري”. عاد إلى القرية إلا أنه كان قد انتهى”شبحًا عابرًا، طويلاً رث الثياب، يمشي لفترات طويلة… صامتًا يتحاشى أي قرب أو اتصال”، وهناك وجد ضالته في كشك صديق والده إبراهيم أبوخليفة الذي أقامه وسط غابة زرعها من أشجار اللوفر والبوهيميا أو ست الحسن.

أمين الألفي بطل الرواية، الصّادرة حديثًا في طبعة جديدة عن دار الشروق 2017، منفي إلى داخله وهو اليساري القديم الخمسيني. كانت هزيمة الحب أكثر فداحة عنده، فقد كان يحب امرأة الحلم، حتى أنه كان يخطط لأن يموت موت عبقرية عند الخامسة والثلاثين بعد أن يكون قد حقّق في حياته أعمالًا فذَّة، كأن يعمل صيَّادًا مثلاً في نهر النيل، وأن يتزوج امرأته الحلم “ف…” وتحوّل هي القارب إلى بيت، وأن ينجبا أولادًا وبنات. مرحلة تُسلِّم إلى مرحلة، اضّطر بعد النكسة إلى الهرب من القاهرة التي لم يتحمّل العيش فيها، حتى أنّه بعد أن هجرها إلى المنصورة هو وزوجته مس شادن البيلي مدرسة اللغة الإنكليزية بعد أن اخترع لنفسه عملا كأخصائي اجتماعي في إحدى المدارس المجاورة لمدرسة زوجته، لم يعد يشعر بالاشتياق إليها، وإذا زارها يعود في الليلة نفسها.

صورة البطل المهزوم التي يُقدِّمها الراوي هنا هي صورة متوازية مع كلِّ مَن آمن بشعارات الثورات حتى استيقظ على هزيمة الخامس من يونيو 1967 فتشكّك في إيمانه وفقد يقينه. يظن أنه بعد أن انتقل إلى المنصورة انتقل إلى مرحلة جديدة، لكن هيهات، حيث يبدأ عليه حصار جديد، هذه المرة من الداخل، الحصار الذي فُرِض على زوجته شادن البيلي، فقد أخذوها وضاعت كما يقول، ومِن ثمَّ صارت هي جرحه الجديد الذي يُضاف إلى جرح النكسة وجرح فلسطين المتغلغل في عروقه، ثمّ محاصرة زوجته بقيادة أبله الحاجة زينب وعدد من المدرسات المحجبات والمنقبات، وهو ما كان له أثره بابتعاد زوجته عنه تمامًا. فتصير شادن البيلي التي احتمى بها من قبل أمين الألفي ووصفها بأنها “حقل حنطة يعد بالخصوبة والأمان والجمال” “أرضا خربة، حبات قليلة من قمح جاف” كان التقاها بعد انهيارات 67 وبعد قصة حب فاشلة مع “ف..” وهي صحافية مندفعة ومتحمسة.

صورة البطل المهزوم التي يقدمها الراوي هي صورة متوازية مع كل من آمن بشعارات الثورات حتى استيقظ على الهزيمة

زينب هي “امرأة من نوع غريب، كاملة التسليح، في الحجم والجمال والذهب”. بعد سنوات إعارتها هي وزوجها صنعا معًا ثروة “كرستها لإعلاء كلمة الله وهداية عباده. وفعلا معًا كثيرًا من أعمال الخير، وأعمال الشر التي تجبرك عليها الحياة العصرية” كما يقول الراوي.

التفتت والانقسام

كان جرح أمين الألفي الأكبر بعد فلسطين هو زوجته شادن “حقل القمح الذي كان يضمه بين ذراعيه” كما كان يراها، وما إن تحولت إلى الأخرى وانتقل إلى المصحة زارته في أحلامه، ولكن ليست شادن القديمة وإنما كان حلمًا جنسيًا مترعًا بالغرام والحماس. وما بين أخفاف حبه الأول لـ”ف”، وخسارته لشادن القديمة، كان يبحث عن زهرته الصفراء، زهرة شجن تُشْفى مِن ألمٍ نبيلٍ، وجدها في عفاف “وردة حياته الصفراء” في ذلك العنبر الأبيض. هي من عائلة من أريحا كانت تدرس في بيروت أيام الحرب الأهلية وفي أيام الاجتياح اغتصبها ثلاثة من الملثمين يُقال إنهم من الكتائب، انتقلت في رحلة لترميم النفس والجسد تضافرت فيها الجهود المالية مع الدبلوماسية، هي نصف حاضرة نصف غائبة، وبعد ترقب من كليهما يأتنسا لبعضهما البعض، وعندما يخرج بها إلى المدينة وأوساط المثقفين يكتشف أن الاغتصاب لم يكن في صورة المحتل الذي فعل فعلته، وإنما كان أيضًا في صورة المثقف الأكذوبة.

حالة التفتت والانقسام التي عليها أمين الألفي ليست وليدة اليوم، بل هي قديمة منذ اشتراكه في منظمات الشباب ورحلاتها إلى البلاد الاشتراكية، حيث هناك اكتشف العورات بدءًا من عورة التنظيم، إلى عورات البلاد الاشتراكية والطبقية الفاصلة بين أعضاء الحزب وباقي الشعب، وعورة التخلف والأكاذيب والتمدن والعورة الكبرى، عورة معاملة النساء وفهم معاني الحب ودقائقه وعورات الأكاذيب العربية وكم الكراهية المتبادلة التي يحاولون إخفاءها.

عبر مي وزياد عثر على معنى آخر للوطن. هما شابان عثرَ عليهما في إحدى الحانات الهادئة يعيشان مع العائلة منذ أيام بعيدة تقع بين النكبة والنكسة. وبعد توجس أَلِفَ إليهما وصار في صحبتهما وأمضى جلسات ودودة في ضيافة منزلهما على البحيرة لكن أهم مكاسبه أنه عرف أن الوطن قد يكون فيلمًا وثائقيا بارعًا أو أغاني شجية على شريط.

جيل هزمته الشعارات الكاذبة

ثمة نبرة ساخطة على طول الرواية، تكشف عن أيديولوجيا الراوي؛ على الانفتاح الاقتصادي في زمن السادات، حيث الهيروين الذي دخل إلى البلاد وأثره على قطاع عريض من الشباب عارضًا لصورة الشاب ممدوح المدمن الذي يهرب كل يوم.

لا تتوقف نبرات الرثاء على الأوضاع والسياسات وكذلك الأحوال الاجتماعية والفقر الذي حلّ بالناس، بل يقدِّم الراوي صورة قميئة عن مثقفي وسط البلد عندما يأخذ عفاف الفلسطينية إلى مكان نظيف حسن الإضاءة، لكن الفداحة كانت كبيرة على المستوى الأخلاقي. وثمة نقمة على موجة التغييرات التي قتلتْ الأصالة، فبعد خروجه من المستشفى عاد إلى قريته حمصاية بحري، كان كل شيء تغيّر حوله، فالقرية تدَّعِي المعاصرة والمواكبة والتقدُّم والتحضُّر، ولكنها في الحقيقة مكان شديد البؤس؛ فالعالم سقط في شره نمط الاستهلاك.

معالم القرية القديمة لم تعد إلا في صورة أمثولات كما في صورة عبدالهادي بطل رواية الأرض لعبدالرحمن الشرقاوي وقصص يوسف إدريس، والأكثر فاجعة عندما سأل أين القرية قالوا “إن النسوان بطلت تخبز والرجالة واقفة في طوابير العيش أما الشّباب فيجلسون في قهوة وثلاث غُرز بشكلٍ تبادليّ”.

“أيام وردية” ليست رواية عن بطل مهزوم متمثل في أمين الألفي بل كان أمين أشبه بسيزيف يحمل صخرته أينما حلّ، وإنما هي رواية عن جيل هزمته الشّعارات الكاذبة والأناشيد الجوفاء ويمكن أن تكون أيضًا رواية عن وطن استلذّ الهزائم ووجدَ فيها عزاءه وحائط مبكاه.

17