رجل منقسم على نفسه يمثل جيلا ضل السبيل إلى الولادة

رواية "الحجر والبركة" للروائي المغربي عبدالرحيم جيران تتناول سيرة رجل أصيب بخيبة أمل كبيرة عندما رأى الكثير من السياسيين والمثقفين يتهافتون على تحقيق المكاسب الشخصية، وأغفلوا مصالح الوطن والمواطنين.
الخميس 2018/07/26
أسئلة مدوخة حول الوجود والعالم والحياة

طنجة (المغرب) - تتناول رواية “الحجر والبركة” للروائي المغربي عبدالرحيم جيران، الصادرة مؤخرا عن دار الفاصلة للنشر بطنجة، سيرة رجل يُدعى “سليمان” آمن بغد أفضل، وراهن على فترة ما بعد الاستقلال لترسيخ ذلك، لكنه أصيب بخيبة أمل كبيرة عندما رأى الكثير من السياسيين والمثقفين يتهافتون على تحقيق المكاسب الشخصية، وأغفلوا مصالح الوطن والمواطنين.

يخبر سليمان، في الوصية التي افتتح بها سيرته الذاتية، بأن المؤلف أبى إلا أن يجعله منقسما على نفسه ليمثّل جيلا ضلّ السبيل إلى الولادة، فهو ليس سوى مفرد بصيغة الجمع، وما خيبات أمله المتكررة على مر تاريخه الشخصي إلا خيبة أمل جيل بكامله. وقد عانى سليمان من هذا الانقسام في مختلف مراحل حياته، وفي علاقاته بباقي شخصيات الرواية، فقد “آلمه أن يكون اثنين متخاصمين: ظاهر يتبدل ولا يستقر على حال، وباطن رمادي لا قرار له” .

وهذا الانقسام في شخصيته ناتج عن التجارب القاسية التي مر بها، فقد نشأ محروما من الأب، وفي أحضان والدته الحاجة “لويز الشيخة” التي تحترف الرقص والغناء، وتقدم المتعة لطالبيها من زوار البيت المبارك، فطاردته سيرتها السيئة وكانت سببا في سخرية زملائه منه في المدرسة، ثم يضطر إلى مغادرة مدينته بعد أن قُبض على الحاجة وحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات، فانتقل إلى العيش في كنف خاله “آدم” بالدار البيضاء، والذي كانت له، أيضا، مأساته الخاصة، إذ اعتُقل في زمن الاستعمار بالدار البيضاء عندما كان يشتغل بجمع القمامة، فعثر على مسدس وأخذه وذهب به إلى الشرطة الفرنسية ليسلمه لها، فإذا برجال الشرطة يقبضون عليه ويذيقونه أشد ألوان العذاب، متهمين إياه بالانتماء إلى الفدائيين، وحكم عليه بالمؤبد، فتسارعت مجموعة من خلايا المقاومة إلى ادعاء انتمائه إليها، ولما جاء الاستقلال وأُفرج عنه تنكر له الجميع، بل إن ما آلمه أكثر هو أنه وجد “فاضل” الخائن، الذي كان يترجم للفرنسيين اعترافاته، قد أصبح من كبار السياسيين، ويدعي أنه من ورثة الحركة الوطنية وممن ضحوا بأرواحهم لينعم الوطن بالحياة!

بطل الرواية منقسم بين شخص واقعي ويائس، يحسب السويعات المتبقية من عمره، وشخص مثالي وحالم بحيوية الشباب

وهكذا أدرك سليمان أن خاله آدم اثنان “آدم المكتفي بذاته من دون عمق، وآدم الذي ضاع منه آدم، ويحاول العثور عليه بإخفائه”. كما أنه عانى من الكثير من الأمراض التي دمرت جسده، حيث يبتلى بأمراض عديدة بدءا بمرض جلدي يشبه الجرب ومرورا بالرعاف وداء رئوي، وانتهاء بمرض السرطان المدمر الذي أنهى حياته. وأمام معانته من هذا المرض يظهر الانقسام في شخصيته بين سليمان الواقعي اليائس، الذي يحسب السويعات المتبقية من عمره، وبين سليمان المثالي الحالم، الذي يرى أن جسمه يستجيب للعلاج، وأن المرض لن يخضعه، لذلك تحفز بحيوية شاب عشريني لكتابة سيرته الذاتية قبل انطفاء جسده.

وينكشف هذا الانقسام في علاقة سليمان بالمرأة، التي راكم معها خيبات متكررة، بدءا من “رحمة” بائعة الهوى، ثم “صباح” جارة خاله، ثم “راحيل” التي اصطنعت مشهد سقوط الفوطة عن جسدها العاري، والتي راقصته وقبلته دون أن تمكنه من جسدها، فلم يستوعب تصرفها، وهنا ظهرت حالة الانقسام في شخصيته من جديد. كما ينكشف الانقسام في علاقته بـ”نجية بلمعلم” التي كانت لها، أيضا، مآسيها الخاصة، فهي ابنة رجل مقاوم كان ينتمي إلى منظمة الهلال الأسود، وسخر أمواله لمقاومة الاحتلال الفرنسي، وبعد خروجه من السجن، إبان الاستقلال، يُقتل بسبب الصراع الدائر بين الأقطاب السياسية حول الديمقراطية، وبخيانة من صهره تاركا ابنته نجية في عمر الثامنة، وزوجته التي تزوجت أحد رفاقه الخونة، فحاولت نجية استعادة صورة والدها المناضل بالانخراط في المنظمة السرية اليسارية وبحبها لأستاذ الفلسفة اليساري المعتقل، وكان قلبها مترددا بين اختياره واختيار سليمان الذي كانت ترى فيه إنسانا منقسما على نفسه يتوزع بين الحلم والواقع، واضطر تحت تهديد “عيسى البدياني” إلى التخلي عنها، وجرح كبريائها حين طلب الانفصال فجأة.

وهكذا أضاعها من بين يديه أنثى تنشر حولها عبق جمال ممهور بالسحر، وكيانا يتلظى قلقا، ويحمل في مسامه حريق أسئلة مدوخة حول الوجود والعالم والحياة، وفقد برحيلها طوق نجاته، ولم يستطع نسيانها أبدا. وحتى لما تخلى عنها لم يسلم من بطش البدياني الذي حاول اغتصابها، فلما قاومته وأصابته بسكين اتهمها رفقة سليمان بالشروع في قتله، فقضى سليمان بسبب هذه التهمة خمس سنوات في السجن.

وتجلى هذا الانقسام، أيضا، في علاقته بوالده “شعيب”، تلك العلاقة التي شهدت توترا حادا، فهذا الوالد، الذي ظهر بعد عشرين سنة من الاختفاء، كان قد أقنع زوجته الحاجة لويز بوقوعه ضحية نصب من قبل صديقه “البياضي” والفرنسي “لوبلون”.

ويكتشف سليمان، بعد خروجه من السجن، أن حكاية النصب واهية، اخترعها والده للحاق بـ”كاترين” في فرنسا، حيث تزوج منها هناك وأنجب منها طفلين، ولما علم سليمان الحقيقة تعمد ترك والده يموت دون أن يقدم له المساعدة، فسليمان الواقعي كان يتمنى موت والده، وسحب وراءه المثالي إلى حالة الكراهية تجاه أبيه. وهكذا لازمه عذاب الضمير طوال أربع سنوات.

15